من الاحتلال إلى أزمة الهجرة.. قصة سبتة ومليلية والصراع المغربي الإسباني الممتد

سبتة ومليلية.. تاريخ الجيبين المحتلين من الغزو البرتغالي إلى أكبر موجة هجرة - جيتي
تشهد مدينة سبتة التي تخضع للسيادة الإسبانية منذ أيام واحدة من أكبر موجات الهجرة في تاريخها الحديث، بعدما قدرت السلطات الإسبانية دخول نحو 49 ألف مهاجر من المغرب برا وبحرا خلال 24 ساعة، وهو رقم يقترب من نصف عدد سكان المدينة، فيما تجاوز إجمالي الوافدين خلال يومين نصف سكانها، بحسب تقديرات رسمية إسبانية.

وأظهرت مقاطع مصورة آلاف المهاجرين وهم يعبرون البحر أو يتسلقون السياج الحدودي من المغرب، بينما استمرت محاولات العبور طوال الليل، في حين لقي ما لا يقل عن 18 شخصا مصرعهم غرقا أثناء محاولة الوصول إلى المدينة، وفق وسائل إعلام إسبانية.

وفي ظل هذا التدفق، أعلنت مدريد تعزيز وجود الجيش لدعم قوات الحرس المدني، واتهمت شبكات تهريب البشر باستغلال قرار حديث للمحكمة العليا الإسبانية يمنع إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر بشكل فوري إلى المغرب، معتبرة أن هذه الشبكات شجعت على زيادة الهجرة غير النظامية.

لكن الأزمة أعادت أيضا تسليط الضوء على السؤال الأقدم: كيف أصبحت سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية؟



بداية الاحتلال

بدأت قصة سبتة مع احتلالها من قبل البرتغال عام 1415، مستغلة حالة الضعف التي عاشتها الممالك الإسلامية في الأندلس وشمال أفريقيا. وبعد اتحاد تاجي إسبانيا والبرتغال عام 1580، انتقلت المدينة إلى الحكم الإسباني، قبل أن تتنازل البرتغال عنها رسميا لإسبانيا بموجب معاهدة لشبونة عام 1668.

أما مليلية فسقطت في يد الإسبان عام 1497، وظلت منذ ذلك الحين تحت السيطرة الإسبانية، لتتحول لاحقا إلى قاعدة عسكرية وتجارية مهمة على الساحل المغربي.

تقع سبتة عند مدخل البحر الأبيض المتوسط على مضيق جبل طارق، وتبلغ مساحتها نحو 20 كيلومترا مربعا، ما جعلها عبر التاريخ هدفا للقوى البحرية المتعاقبة.

وتناوب على حكم المدينة الرومان، ثم الوندال، فالبيزنطيون، فالقوط، قبل أن تصبح قاعدة انطلاق الفتح الإسلامي للأندلس بقيادة طارق بن زياد عام 711.

وبعد انهيار الدولة الأموية بالأندلس، تعاقبت عليها دول المرابطين والموحدين والمرينيين، حتى احتلتها البرتغال في القرن الخامس عشر.


مليلية.. القلعة الشرقية

تقع مليلية شرقي المغرب قرب الحدود الجزائرية، وتبلغ مساحتها نحو 12 كيلومترا مربعا، وتتميز بقربها الكبير من الأراضي المغربية مقارنة بإسبانيا.

وتعد المدينة أكثر ارتباطا بالمحيط المغربي من سبتة، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية، إذ يعبرها يوميا آلاف العمال والتجار المغاربة، بينما يشكل المغاربة نسبة كبيرة من سكانها.

محاولات مغربية لاستعادة المدينتين

لم يتوقف المغرب عن محاولة استعادة المدينتين عبر التاريخ. ففي القرن السابع عشر قاد السلطان مولاي إسماعيل حصارا طويلا لمدينة سبتة دون نجاح، كما حاول السلطان محمد بن عبد الله استعادة مليلية عام 1774.

وفي القرن العشرين، قاد المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي ثورة الريف ضد الاحتلال الإسباني، وكانت قواته قادرة عسكريا على دخول مليلية، إلا أنه لم يقدم على ذلك، بحسب عدد من المصادر التاريخية.

عندما حصل المغرب على استقلاله عام 1956، احتفظت إسبانيا بسبتة ومليلية، واستمرت الرباط في اعتبارهما مدينتين محتلتين.

وفي عام 1995 منحت مدريد المدينتين وضع "الحكم الذاتي"، في خطوة رفضها المغرب باعتبارها محاولة لترسيخ السيادة الإسبانية.

ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف الرباط عن المطالبة باستعادتهما عبر الوسائل الدبلوماسية.

أزمة جزيرة ليلى

شهدت العلاقات المغربية الإسبانية إحدى أخطر أزماتها عام 2002، عندما أرسلت الرباط عناصر أمن إلى جزيرة ليلى (برجيل)، فردت إسبانيا بعملية عسكرية سريعة انتهت باعتقال العناصر المغربية، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة لاحتواء الأزمة.


لماذا لا تصنفهما الأمم المتحدة أراض محتلة؟

رغم مطالبة المغرب المستمرة، لا تدرج الأمم المتحدة سبتة ومليلية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي الخاضعة لتصفية الاستعمار.

وتستند إسبانيا إلى أن المدينتين كانتا تحت سيادتها قبل قيام الدولة المغربية الحديثة، بينما تؤكد الرباط أن وجودهما داخل الأراضي الأفريقية يجعلهما جزءا لا يتجزأ من التراب المغربي.

كشفت موجة الهجرة الأخيرة هشاشة الوضع الأمني في المدينتين، وأعادت التذكير بأن النزاع عليهما لم ينته، رغم عقود من الجمود السياسي.

ففي الوقت الذي تنظر فيه مدريد إلى سبتة ومليلية باعتبارهما حدودا أوروبية في أفريقيا، يرى المغرب أنهما آخر معاقل الاستعمار الإسباني على أراضيه، وهو ما يجعل أي أزمة حدودية أو موجة هجرة مناسبة لإعادة فتح هذا الملف التاريخي والسياسي المعقد.