بنكيران يعود إلى واجهة الجدل.. علي لمرابط يهاجم "العدالة والتنمية"

أنصار بنكيران يرون أن الانتقادات التي يتعرض لها تعكس، في جانب منها، استمرار حضوره وتأثيره، خصوصاً أن الرجل لا يزال قادراً على جذب اهتمام وسائل الإعلام وإثارة النقاش العام..
وجّه الصحفي المغربي علي المرابط انتقادات حادة إلى الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة المغربية الأسبق عبد الإله بنكيران، مستعيداً تفاصيل لقاء جمعهما قبل سنوات، ومثيراً نقاشاً حول مواقف بنكيران من جماعة العدل والإحسان، وذلك في وقت تشهد فيه الساحة السياسية المغربية تحركات حزبية متزايدة استعداداً للاستحقاقات التشريعية المرتقبة.

وتأتي تصريحات المرابط في سياق سياسي بدأ فيه حزب العدالة والتنمية، بعد سنوات من التراجع الانتخابي، استعادة حضوره في النقاش العام، فيما تتواصل المواقف والتعليقات التي تستهدف بنكيران، الذي لا يزال يحظى بحضور قوي داخل حزبه وفي المشهد السياسي والإعلامي المغربي.

وقال المرابط، في شريط فيديو متداول، إنه التقى بنكيران قبل سنوات خلال رحلة بالقطار بين الدار البيضاء والرباط، في فترة كان فيها الأخير نائباً برلمانياً، مشيراً إلى أن اللقاء ترك لديه انطباعات سلبية عن شخصية زعيم حزب العدالة والتنمية.

وبحسب رواية المرابط، فقد كان بنكيران حينها في مقصورة مخصصة، وفق وصفه، للشخصيات ورجال الأعمال، بينما دار بينهما نقاش حول عدد من القضايا السياسية، من بينها طبيعة العلاقة بين حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، وهما من أبرز التيارات ذات المرجعية الإسلامية في المغرب، وإن كانا يختلفان بشكل جوهري في الموقف من المؤسسات السياسية وطبيعة المشاركة في الحياة الحزبية والانتخابية.

خلاف قديم حول "العدل والإحسان"

وأوضح المرابط أنه سأل بنكيران خلال ذلك اللقاء عن أسباب عدم وجود تقارب أكبر بين حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، بالنظر إلى ما يجمع الطرفين، وفق تعبيره، من خلفية إسلامية، قبل أن يقول إن جواب بنكيران تضمن عبارات مسيئة بحق نادية ياسين، ابنة مؤسس الجماعة الراحل عبد السلام ياسين.

وأكد الصحفي المغربي أن ما سمعه في ذلك الوقت كان، بحسب روايته، سبباً في تغيير نظرته إلى بنكيران، معتبراً أن تلك الواقعة كشفت له، على حد قوله، جانباً من شخصية رئيس الحكومة الأسبق لم يكن يتوقعه.

وتبقى هذه الرواية، في حدود ما هو منشور ومتداول، شهادة شخصية للمرابط حول لقاء خاص يعود إلى سنوات مضت، ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من تفاصيل الحوار الذي قال إنه دار بينه وبين بنكيران، كما لم يتضمن المحتوى المتداول، وفق المعطيات المتاحة، رداً من بنكيران على هذه الرواية.

وتكتسب الإشارة إلى جماعة العدل والإحسان أهمية خاصة في النقاش السياسي المغربي، بالنظر إلى أن العلاقة بين الجماعة وحزب العدالة والتنمية لطالما كانت موضع نقاش داخل الأوساط السياسية والإسلامية. فبينما اختار حزب العدالة والتنمية العمل من داخل المؤسسات والانتخابات، ظلت جماعة العدل والإحسان خارج العملية الانتخابية، رافضة الانخراط في النظام الحزبي القائم، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين محكومة بمساحات من التقاطع الأيديولوجي والاختلاف السياسي في آن واحد.

لماذا العدل والإحسان؟

ويطرح حديث المرابط عن العلاقة بين الطرفين سؤالاً أوسع حول سبب تركيز بعض المنتقدين لبنكيران وحزب العدالة والتنمية على جماعة العدل والإحسان تحديداً، في وقت توجد فيه خلافات سياسية وأيديولوجية عديدة بين الحزب وبقية الفاعلين السياسيين.

ويبدو أن خلفية هذا النقاش تعود إلى طبيعة المرجعية الإسلامية المشتركة بين الطرفين، مع اختلاف واضح في الخيارات السياسية؛ إذ يرى منتقدون أن التقارب الفكري أو المرجعي لا يعني بالضرورة تقارباً سياسياً، خصوصاً في ظل اختلاف الموقف من المشاركة في المؤسسات ومن طبيعة النظام السياسي.

وفي المقابل، فإن الحديث عن "التقارب" بين العدالة والتنمية والعدل والإحسان ظل موضوعاً حساساً في المغرب، نظراً إلى أن الجماعة تمثل أحد أبرز التيارات الإسلامية المعارضة خارج المؤسسات، بينما خاض حزب العدالة والتنمية تجربة طويلة في العمل الحزبي والبرلماني انتهت بوصوله إلى رئاسة الحكومة عام 2011، قبل أن يتراجع انتخابياً بشكل كبير في انتخابات 2021.

انتقادات لتجربة "العدالة والتنمية"

ولم تقتصر انتقادات المرابط على شخصية بنكيران، بل امتدت إلى تجربة حزب العدالة والتنمية في إدارة الشأن العام، إذ اتهم الحزب، في حديثه، باستغلال الخطاب الديني والأخلاقي لاستقطاب الناخبين، قبل أن يوجه انتقادات إلى حصيلة تجربته الحكومية.

وقال المرابط إن الحزب، من وجهة نظره، «تلاعب بآمال المغاربة باسم الدين والمبادئ والأخلاق»، واعتبر أن الممارسة السياسية للحزب لم تكن منسجمة مع الصورة التي قدمها عن نفسه خلال سنوات المعارضة والوصول إلى السلطة.

كما انتقد المرابط ما وصفه بالتناقض بين الخطاب الذي قدم به بنكيران نفسه خلال مسيرته السياسية وبين ما آل إليه وضعه بعد توليه رئاسة الحكومة، متحدثاً عن استفادته من معاش بعد مغادرته المنصب، ومستخدماً ذلك في سياق انتقاده لتجربة الحزب.

وتندرج هذه الانتقادات ضمن سجال أوسع حول تجربة العدالة والتنمية في الحكم، إذ يرى مؤيدو الحزب أن وصوله إلى رئاسة الحكومة شكّل تحولاً مهماً في مسار الحياة السياسية المغربية، بينما يحمل منتقدوه الحزب مسؤولية قرارات اقتصادية واجتماعية اتخذت خلال ولايتيه الحكوميتين، ويعتبرون أن أداءه لم يرقَ إلى مستوى الوعود التي قدمها للناخبين.

ملف عبد الله باها يعود إلى الواجهة

وفي جانب آخر من حديثه، أثار المرابط قضية القيادي البارز في حزب العدالة والتنمية عبد الله باها، الذي توفي في حادث قطار عام 2014، عندما كان وزيراً للدولة وعضواً قيادياً في الحزب.

وقال المرابط إنه يستغرب استمرار بنكيران في نشر صور تجمعه بباها، معتبراً أن ذلك يثير لديه تساؤلات بشأن الرواية الرسمية لوفاة القيادي الراحل، ومعبراً عن تشكيكه في بعض تفاصيلها.

غير أن هذه التصريحات لا تقدم، بحد ذاتها، أدلة جديدة على ملابسات وفاة باها، كما أن التشكيك في الرواية الرسمية يحتاج إلى قرائن وأدلة مستقلة حتى يتحول من مجرد تساؤل أو موقف شخصي إلى معطى يمكن البناء عليه صحفياً.

وكانت وفاة باها في حادث قطار قد أثارت، في حينه، اهتماماً واسعاً داخل المغرب، نظراً إلى مكانته السياسية وعلاقته الوثيقة ببنكيران، إلا أن إعادة فتح الملف إعلامياً تظل مسألة مختلفة عن إثبات وجود وقائع جديدة بشأن ملابساته.

بنكيران في مواجهة انتقادات متزايدة

وتأتي تصريحات المرابط في وقت عاد فيه بنكيران إلى واجهة النقاش السياسي المغربي بقوة، مستفيداً من حضوره الشخصي داخل حزب العدالة والتنمية ومن قدرته على استقطاب الاهتمام الإعلامي، سواء من خلال مواقفه وتصريحاته أو عبر الخطاب السياسي الذي يعتمده في مواجهة خصومه.

وكان بنكيران قد استعاد قيادة الحزب بعد مرحلة من التراجع الكبير في أعقاب انتخابات 2021، التي مني فيها العدالة والتنمية بخسارة انتخابية قاسية أفقدته موقعه المتقدم في المشهد السياسي، بعد أن تصدر نتائج انتخابات 2011 و2016 وقاد الحكومة لولايتين متتاليتين.

ومنذ عودته إلى الأمانة العامة، عمل بنكيران على إعادة تنشيط خطاب الحزب واستعادة حضوره في الساحة السياسية، مستفيداً من قدرته على التواصل المباشر مع الجمهور، ومن خبرته الطويلة في المعارضة والحكومة.

ويحاول الحزب، في ظل اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، إعادة بناء صورته السياسية واستعادة جزء من قاعدته الانتخابية، في مواجهة أحزاب منافسة تسعى إلى الحفاظ على مواقعها أو توسيع نفوذها داخل البرلمان والحكومة.

حملة سياسية أم انتقاد إعلامي؟

وفي هذا السياق، تثير الانتقادات التي يوجهها المرابط إلى بنكيران سؤالاً حول طبيعة السجال المتصاعد حول الرجل: هل يتعلق الأمر بمراجعة سياسية وإعلامية لتجربته، أم أنه جزء من حملة أوسع تستهدف التأثير في صورة الحزب قبيل الانتخابات؟

وإذا كان من الصعب الجزم بوجود حملة منظمة من دون أدلة واضحة على ذلك، لكن من المؤكد أن عودة بنكيران إلى النشاط السياسي والإعلامي تزامنت مع ارتفاع مستوى الانتقادات الموجهة إليه، خصوصاً من خصومه السياسيين والإعلاميين، في ظل احتدام المنافسة على استحقاقات انتخابية مرتقبة.

وفي المقابل، فإن أنصار بنكيران يرون أن الانتقادات التي يتعرض لها تعكس، في جانب منها، استمرار حضوره وتأثيره، خصوصاً أن الرجل لا يزال قادراً على جذب اهتمام وسائل الإعلام وإثارة النقاش العام، حتى بعد سنوات من مغادرته رئاسة الحكومة.

أما منتقدوه فيعتبرون أن إعادة طرح ملف تجربته الحكومية وشخصيته السياسية أمر طبيعي في ظل اقتراب الانتخابات، وأن تقييم حصيلة الحزب يجب أن يتم من خلال السياسات والقرارات والنتائج، وليس من خلال الخطاب السياسي وحده.

سجال يتجاوز بنكيران

وتكشف تصريحات المرابط، في نهاية المطاف، عن طبيعة السجال المتجدد حول حزب العدالة والتنمية وزعيمه، وهو سجال لا يتوقف عند حدود الخلافات الشخصية أو الانتقادات السياسية، بل يمتد إلى أسئلة أوسع تتعلق بموقع الإسلاميين في الحياة السياسية المغربية، وحدود العلاقة بين المرجعية الدينية والعمل الحزبي، وتجربة الحزب في إدارة السلطة، ومستقبل التيارات الإسلامية في ظل التحولات التي شهدها المشهد السياسي خلال السنوات الأخيرة.

كما أن استحضار جماعة العدل والإحسان في هذا النقاش يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً حول العلاقة بين التيارات الإسلامية التي اختارت المشاركة السياسية وتلك التي فضلت البقاء خارج المؤسسات، وما إذا كان التقارب في المرجعية يمكن أن يؤدي إلى تقارب سياسي، أم أن اختلاف الخيارات والاستراتيجيات يجعل المسافة بين الطرفين أكثر عمقاً من أي تشابه فكري.

وبينما يستعد المغرب لمرحلة انتخابية جديدة، يبدو أن بنكيران سيظل واحداً من أكثر الشخصيات السياسية قدرة على إثارة الجدل واستقطاب الاهتمام، سواء من خلال مؤيديه أو خصومه. ومن المرجح أن تتزايد حدة السجالات حول تجربته ومواقف حزبه كلما اقترب موعد الانتخابات، خصوصاً أن العدالة والتنمية يسعى إلى استعادة حضوره السابق، في حين تعمل بقية القوى السياسية على منع الحزب من استعادة الموقع الذي احتله خلال العقد الماضي.

وفي انتظار اتضاح ملامح المشهد الانتخابي، تبقى تصريحات علي المرابط جزءاً من سجال سياسي وإعلامي متصاعد حول بنكيران وحزبه، لكنها، في الوقت نفسه، تطرح أسئلة تحتاج إلى نقاش قائم على الوقائع والأدلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باتهامات شخصية أو بالتشكيك في روايات رسمية، حتى لا تختلط الانتقادات السياسية المشروعة بادعاءات لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل.

من هو علي لمرابط؟

علي لمرابط صحفي وكاتب مغربي اشتهر بكتاباته وانتقاداته للسلطة والحياة السياسية في المغرب، ويُعد من أبرز الأسماء الصحفية التي ارتبطت بالجدل حول حرية الصحافة والتعبير في البلاد. عمل في عدد من وسائل الإعلام المغربية والدولية، وأصدر صحفاً ساخرة عُرفت بانتقاداتها اللاذعة للمسؤولين والشخصيات السياسية، ما جعله عرضة لملاحقات ومنع من ممارسة الصحافة في المغرب لفترات.

كما واصل نشاطه الإعلامي من خارج البلاد، وظل حاضراً في النقاشات المتعلقة بالشأن المغربي، من خلال مقالاته وتصريحاته ومقابلاته، محافظاً على خطاب نقدي تجاه السلطة والأحزاب والشخصيات السياسية، ومن بينها عبد الإله بنكيران وحزب العدالة والتنمية.