بعد شهور قليلة من إقرار قانون إعدام
الأسرى، يقترح وزير الأمن القومي الإسرائيلي إقامة ما بات يعرف إعلاميا بـ»
سجون التماسيح» للتأكيد على أن ما يجري في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ليس سلسلة إجراءات منفصلة، بل مشروع سياسي وأيديولوجي متكامل؛ يبدأ من إعادة تعريف الأسير الفلسطيني بوصفه إنسانا خارج القانون.
وقد يبدو الحديث عن سجون التماسيح أقرب إلى الخيال أو المبالغة في خطاب دعاوي لحملة انتخابية عنصرية، لكن التجربة مع اليمين الإسرائيلي المتطرف علمتنا أن أكثر الأفكار الإسرائيلية تطرفا تبدأ بصدمة الرأي العام، ثم تتحول إلى موضوع للنقاش، لتصبح تدريجيا سياسة مطبقة وقانونا نافذا.
لقد عرف التاريخ نماذج من الممارسات الفاشية في السجون، فقد نفذ النظام النازي في معسكرات الاعتقال سياسة تجريد الإنسان من إنسانيته وتحويله إلى كائن خارج القانون والأخلاق واستخدمت وسائل الإهانة والإذلال كجزء من العقوبة نفسها، كما شهد العالم استخدام وسائل الإذلال والضغط النفسي في سجن أبو غريب وغوانتانامو التي اعتبرت انتهاكا للقانون الدولي، كما سجل التاريخ الاستعماري استخدام الحيوانات كوسيلة للعقاب وترويع الشعوب الخاضعة للاحتلال الاستعماري.
وليس من قبيل المصادفة أن تأتي هذه الطروحات في ظل تصاعد غير مسبوق لخطاب الكراهية والتحريض، وفي سياق حرب الإبادة المستمرة على غزة، وما رافقها من تطبيع غير مسبوق للقتل الجماعي والتجويع والتهجير واستهداف المدنيين. فعندما يصبح قتل الأطفال محل تبرير سياسي، يصبح من السهل الانتقال إلى تبرير إذلال الأسرى وتجريدهم من إنسانيتهم.
إن جوهر اقتراح سجن التماسيح لا يكمن في وجود تماسيح من عدمه، وإنما في الرسالة التي يحملها: الفلسطيني ليس إنسانا يتمتع بحقوق يكفلها القانون الدولي، وإنما كائن يجوز ابتكار وسائل استثنائية لمعاقبته وإذلاله. وهذا هو أخطر أشكال العنصرية؛ لأنه لا يكتفي بحرمان الضحية من حقوقها، بل ينزع عنها صفة الإنسان نفسها.
التاريخ يعلمنا أن كل الأنظمة الاستعمارية والعنصرية بدأت بهذه اللغة. فقبل أن تتحول الجرائم إلى ممارسة يومية، كان لا بد من إنتاج خطاب يصور الضحية باعتبارها أقل قيمة من البشر الآخرين. هكذا فعلت جميع الدول الاستعمارية مع الشعوب الأصلية، وهكذا فعل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
المجتمع الذي يعتاد سماع مثل هذه الأفكار دون أن يهتز ضميره، هو مجتمع يجري تدريجيا تأهيله لتقبل ما هو أشد قسوة
اليوم، لم يعد خافياً على أحد رغبة اليمين الإسرائيلي في الانتقال من العقوبة إلى الانتقام، ومن إنفاذ القانون إلى الإذلال الممنهج ومن كي الوعي إلى إبادته. لذلك فإن مشروع سجون التماسيح لا ينبغي التعامل معه بوصفه تصريحا عبثيا أو دعاية انتخابية، بل باعتباره مؤشرا على التحولات العميقة التي أصابت المنظومة السياسية والأخلاقية في إسرائيل، حيث أصبحت الوحشية نفسها برنامجا حكوميا ينبغي فضحه والتشهير به.
إن المجتمع الذي يعتاد سماع مثل هذه الأفكار دون أن يهتز ضميره، هو مجتمع يجري تدريجيا تأهيله لتقبل ما هو أشد قسوة. فاليوم، يُطرح مشروع سجون التماسيح، وغدا قد يصبح واقعا أو يستبدل بوسيلة أخرى لا تقل وحشية. فالقضية ليست في شكل العقوبة، وإنما في انهيار الحاجز الأخلاقي الذي كان يفصل بين الدولة، مهما بلغت عدوانيتها، وبين الانتقام المجرد من أي قيمة إنسانية.
استنهاض شعبنا مسؤولية وطنية كبرى لمواجهة المشروع الصهيوني، لكن هذه المشاريع ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل مسؤولية المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية وكل المدافعين عن القانون الدولي. فالصمت على خطاب نزع الإنسانية هو الخطوة الأولى في الطريق إلى شرعنة تطبيع القتل واقتحام المستشفيات والمدارس والجامعات وحرق البيوت ودور العبادة وسرقة الماشية.
وختاما، ينبغي تعميم الوعي حول أن ما يجري، اليوم، بحق الأسرى الفلسطينيين ليس مجرد انتهاك لحقوقهم، بل اختبار لمدى قدرة العالم على الدفاع عن فكرة الإنسان نفسها، عندما يكون هذا الإنسان فلسطينيا.
الأيام الفلسطينية
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.