منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، حاولت المقاومة
الفلسطينية أن تفصل بين نضالها الوطني وبين الصراعات الداخلية في
الدول العربية.
لم يكن ذلك تعبيراً عن عُزلة فلسطينية عن محيطها، بل عن إدراك مبكر لهشاشة موقع الفلسطينيين في هذا المحيط: فهم شعب بلا دولة، ولاجئون موزعون على أكثر من بلد عربي، وحركة تحرر تحتاج إلى السلاح والتمويل وحرية الحركة والعمل بين شعبها في المنافي والمخيمات.
لذلك كان مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول العربية محاولة لحماية القرار الوطني الفلسطيني من الوصاية، وحماية اللاجئين من الانتقام، وحماية العمق العربي الذي لا يستطيع الفلسطينيون الاستغناء عنه.
لكن المفارقة اليوم أن هذا العمق، الذي حاول الفلسطينيون الحفاظ عليه طويلاً، يتعرض لعملية تجريد متدرجة. فقد تراجع الدعم العربي الرسمي من موقع الإسناد السياسي والمادي إلى موقع الوساطة والنصيحة، ثم إلى التطبيع مع دولة
الاحتلال من دون ثمن فلسطيني واضح.
وبعد حرب الإبادة على غزة، انتقلت المسألة إلى مستوى أخطر: لم يعد المطلوب فقط تحييد الدول العربية عن فلسطين، بل تجريد الفلسطينيين من كل امتداد عربي شعبي أو مقاوم وقف معهم، وذلك تحت شعار الحفاظ على سيادة الدولة.
والسؤال هنا ليس إذا ما كانت
السيادة مهمة، بل: أي سيادة هذه التي لا تُستدعى إلا عندما يكون المطلوب تفكيك قوى الإسناد لفلسطين، بينما تغيب أمام الاحتلال، والتطبيع، والهيمنة الإسرائيلية؟
ليس المقصود هنا الحكم على مدى التزام المقاومة الفلسطينية بهذا المبدأ، فقد أثبتت تجارب السبعينيات أن الالتزام الكامل به كان شبه مستحيل عندما تكون حركة التحرر موجودة عسكرياً وسياسياً خارج أرضها. لكن فكرة «عدم التدخل» بحد ذاتها بقيت ملازمة للفلسطينيين بهدف الحصول على هذا الدعم العربي الذي تَحول، مع مرور الوقت، من دعم مادي مباشر بالسلاح والتمويل وحرية الحركة إلى دعم سياسي ودبلوماسي.
لعل أهم عناصر هذا الدعم السياسي كان المبادرة العربية للسلام التي تم تبنيها في القمة العربية المُنعقدة في بيروت العام 2002 والتي ربطت بشكل لا لبس فيه بين مبدأ التطبيع مع دولة الاحتلال، وبين انسحابها من جميع الأراضي العربية التي تحتلها منذ العام 1967.
المبادرة العربية للسلام قابلتها إسرائيل بإعادة احتلال مناطق واسعة من أراضي السلطة الفلسطينية في الضفة العام 2002 وبحرب على لبنان العام 2006 وبحصار اقتصادي خانق على غزة العام2007 وما تبعه من حروب وصلت ذروتها بحرب الإبادة نهاية العام 2023.
لكن الأهم من كل ذلك هو انتقال بعض العرب من موقع الداعم للفلسطينيين إلى موقع آخر تماماً.
بعضهم أصبحوا وسطاء بين دولة الاحتلال والفلسطينيين، وبعضهم الآخر اعتبر أن وظيفته القصوى تكمن في تقديم النصيحة للفلسطينيين، وبعضهم انتقل إلى التطبيع مع دولة الاحتلال بلا مقابل فلسطيني: بلا انسحاب من الأراضي الفلسطينية، وبلا وقف للاستيطان، وبلا مسار سياسي حقيقي ينهي الاحتلال.
لقد شكلت حرب الإبادة على الفلسطينيين في غزة نقطة تحول فارقة: كانت بمثابة شهادة على خسارة الفلسطينيين لعمقهم العربي الرسمي.
العالم، من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه، تحرك للتضامن مع الفلسطينيين وللمطالبة بوقف الإبادة، في الوقت الذي استمرت فيه بعض الدول العربية ترفض إنهاء العلاقات مع إسرائيل أو حتى طرد سفرائها وربط عودتهم بوقف حرب الإبادة.
اليوم تجري محاولة لتجريد الفلسطينيين من عمقهم العربي الشعبي تحت شعار الحفاظ على سيادة الدولة.
في لبنان، كما في أماكن أخرى مثل العراق، تجري محاولات مستميته للقضاء على حركات المقاومة التي وقفت مع الفلسطينيين في غزة.
بهذا المعنى، لم تعد القضية محصورة في تراجع الدعم العربي الرسمي للفلسطينيين، بل في محاولة إعادة تعريف معنى السيادة العربية نفسها. فكل قوة عربية تربط أمنها أو مشروعها السياسي بإسناد الفلسطينيين تُقدَم اليوم بوصفها خطراً على الدولة، لا بوصفها رداً على الاحتلال أو على عجز النظام العربي الرسمي.
هنا يصبح شعار السيادة أداة انتقائية: يُستخدم ضد القوى التي تواجه إسرائيل
وهنا يصبح شعار السيادة أداة انتقائية: يُستخدم ضد القوى التي تواجه إسرائيل، ولا يُستخدم بالوضوح نفسه ضد الاحتلال الإسرائيلي للأرض، أو ضد انتهاك الأجواء، أو ضد تحويل التطبيع إلى سياسة أمر واقع بلا أي مقابل فلسطيني.
على شاشة الجزيرة، كما على شاشات التلفزيونات الأخرى، لا يتوقف أنصار التطبيع أو حتى التحالف مع دولة الاحتلال عن القول إن حزب الله ورط الدولة اللبنانية في معركة إسناد غزة، وإنه هو من تسبب في احتلال إسرائيل للأراضي اللبنانية، وإن عليه أن يدفع ثمن ذلك بتجريده من سلاحه وعناصر قوته من أجل الحفاظ على سيادة الدولة.
من يقرأ اتفاق الإطار بين الدولة اللبنانية وإسرائيل لا يرى فيه تأكيداً لسيادة لبنان بقدر ما يرى محاولة لإخضاع هذه السيادة للرقابة الإسرائيلية.
فلا يوجد في الاتفاق تعهد واضح بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية حتى لو تخلى حزب الله عن سلاحه، كما أن المناطق التي يُفترض أن تنسحب منها إسرائيل لصالح الدولة اللبنانية من أجل نزع سلاح الحزب هي، في الأصل، مناطق لم تتمكن إسرائيل من احتلالها.
والأخطر أن إسرائيل هي التي ستراقب أداء «الدولة» في نزع سلاح الحزب، وهي التي ستقرر إذا ما كانت الدولة قد أنجزت مهامها أم لا.
يقول بعضهم إن أكبر إنجاز في هذا الاتفاق هو تأكيده على أن لبنان هي دولة صاحبة سيادة لأنه يفصلها عن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ولأنه يمنع إيران من التدخل في الشأن اللبناني.
السيادة في نظر هؤلاء تتحقق عندما تستولي عليها إسرائيل، وتختفي إذا تدخلت إيران لدعم المقاومة ضد الاحتلال. هذا المنطق لا يؤدي إلى سيادة الدولة بل إلى تسيد إسرائيل على الدولة.
وفي العراق يجري الحديث عن ضرورة إنهاء ظاهرة الفاعلين من خارج مؤسسات الدولة ويقصدون بذلك عدداً من التنظيمات المنضوية في إطار الحشد الشعبي بذريعة أن الدولة بلا سيادة بوجودهم لأنهم حلفاء لإيران.
لنفترض أن في ذلك بعضاً من الصحة. لكن هل الدولة التي تنتهك إسرائيل أجواءها وتقيم القواعد العسكرية فيها سراً أو علنا كما في كردستان، هي صاحبة سيادة. ولماذا تصبح السيادة مسألة عاجلة ومقدسة فقط عندما يتعلق الأمر بتجريد كل من يدعم الفلسطينيين ويقف معهم، بينما تتراجع قيمتها أمام انتهاكات إسرائيل أو أمام الهيمنة الأجنبية؟
لقد قبل الفلسطينيون طويلاً بمعادلة صعبة: ألا يتدخلوا في الشؤون الداخلية للدول العربية حفاظاً على عمقهم العربي، وعلى سلامة اللاجئين، وعلى استقلال قرارهم الوطني. لكن ما يجري اليوم يكشف أن هذه المعادلة لم تعد قائمة كما كانت. فالعمق العربي الرسمي تراجع، وبعضه انتقل إلى التطبيع أو الوساطة المحايدة بين الضحية والجلاد، بينما يجري الآن استهداف ما تبقى من عمق عربي شعبي ومقاوم بذريعة السيادة.
ليست المشكلة في الدفاع عن سيادة الدولة، بل في تحويل السيادة إلى مفهوم انتقائي لا يُستدعى إلا عندما يكون المطلوب نزع عناصر القوة التي تُسند الفلسطينيين. فالسيادة التي تقبل بالاحتلال الإسرائيلي، وبالرقابة الإسرائيلية، وبالتطبيع من دون انسحاب أو وقف للاستيطان، ثم ترى الخطر فقط فيمن يدعم فلسطين، لا تنتج دولة مستقلة بقدر ما تنتج دولة منزوعة الإرادة.
من هنا، فإن محاولة تجريد الفلسطينيين من عمقهم العربي هي، في الوقت نفسه، تجريد للعرب من معنى سيادتهم، وتحويل فلسطين من قضية تحرر عربية جامعة إلى عبء يُراد عزله والتخلص منه.
الأيام الفلسطينية
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.