الاستيطان في ذروة حسم الصراع

ريما كتانة غزال
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
اليوم، الوضع العام لا يذهب سوى إلى التصعيد بما أوصل الصراع إلى مرحلة الذروة، ودولة الاحتلال لا تكتفي بهذا التفكيك، بل تسعى إلى تثبيت واقع سياسي جديد يجعل الوجود الإسرائيلي هو الأصل، والوجود الفلسطيني حالة خاضعة للاحتلال.

التصعيد الاستيطاني لم يعدْ مجرد موجة تشبه ما سبقها من أعمال استيطانية معهودة، بل أصبح يمثل مرحلة سياسية مختلفة تتجاوز ما سبقها، فمدى العدوانية التي وصل إليها المستوطنون في اقتحام المناطق الفلسطينية المصنفة «أ»، كما جرى في محيط محافظتي جنين ونابلس ليست حوادث أمنية عابرة، وإنما تعبير عن أن الوقت قد حان للانتقال إلى الحسم وفرض السيطرة الفعلية الشاملة على الأرض الفلسطينية.

تدريجيا، وبالنظر إلى طبيعة الممارسات الإسرائيلية، يتضح احتدام الصراع ووصوله إلى الذروة، الجغرافيا المقسمة بفعل الحواجز والبوابات والطرق الالتفافية والسيطرة التامة على الفضاء بواسطة 500 مستوطنة وبؤرة عملت على تفكيك الجغرافية وجعلها على شكل جزر معزولة، تعزل المدن والقرى عن بعضها البعض وإنتاج طبقات من الفصل العنصري. 

ولهذا السبب، لم تعد المناطق المصنفة «أ»، التي يفترض وفق اتفاق أوسلو أنها تخضع للإدارة الفلسطينية، تشكل بالنسبة للمستوطنين أو الحكومة الإسرائيلية أي خطوط حمراء. فالاقتحامات المتكررة، ومحاولات تنظيم مسارات استيطانية داخل هذه المناطق، والاعتداءات المنظمة على القرى الفلسطينية، كلها تعكس رسالة سياسية مفادها أن الاحتلال لم يعد يعترف حتى بالحد الأدنى من الترتيبات التي صنعتها الاتفاقيات السابقة.

ولعل أخطر ما يرافق هذا المشروع هو التحول المتعمد في الخطاب السياسي الإسرائيلي، حيث بات مصطلح «الضفة الغربية» يختفي ليحل محله اسم «يهودا والسامرة» الذي لا يمكن النظر إلى هذا التحول كتعبير عن اسم توراتي، بل كجزء من استراتيجية متكاملة في إطار تزوير المسميات السياسية والقانونية لتكريس مصطلحات الرواية الإسرائيلية وتصوير الوجود الفلسطيني كوجود طارئ.

إن ما جرى في قرية تل، بعد الهجوم الذي تعرض له الأهالي، الأسبوع الماضي، وتكراره في الأسبوع التالي، مثال وبرهان على تقديم النهج والخطة. فالمستوطنون عادوا لاستكمال اعتداءاتهم، منطلقين من المستوطنة القريبة «حفات جلعاد»، بهدف الانتقام من السكان وإرهابهم وهم على أرضهم. 

ورغم إعلان الجيش الإسرائيلي أنه لم يمنح موافقة رسمية على المسار الذي سلكه المستوطنون، إلا أن هذه الإعلانات لم تعد تقنع أحدا. فالخبرة الطويلة مع الاحتلال عدا المشهد المرئي يؤكدان أن المستوطنين يتحركون في ظل حماية الجيش، فالجيش يتدخل عندما يريد حماية المستوطنين، ويتراجع عندما يؤدي حضوره إلى إحراج سياسي، بينما يبقى الهدف واحدا: فرض وقائع جديدة على الأرض.

إن أخطر ما يجري، اليوم، ليس الاعتداءات اليومية بحد ذاتها، وإنما خلق واقع جديد بواسطة البناء المتواصل يصعب من أمر التراجع عنه لاحقاً. فقد شهدت الأعوام الثلاثة الأخيرة إقامة ما يقارب من مئتي بؤرة استيطانية جديدة، إلى جانب التوسع الكبير في البؤر الرعوية ساهمت في طرد ونزوح ثلاثمائة تجمع بدوي فلسطيني.
نحن أمام سياسة دولة متكاملة، تستخدم المستوطنين رأس حربة، والجيش قوة حماية، والقوانين أداة للشرعنة، والانتخابات منصة للمزايدة السياسية

التاريخ يكرر نفسه، لا يختلف النهج الحالي كثيرا عن المراحل الأولى للمشروع الصهيوني العام 1948، حين قامت الفكرة على الاستيلاء على الأرض وإحلال المهاجرين اليهود مكان أصحابها الفلسطينيين. فالاستيطان لم يكن يوما مجرد سياسة إسكان، بل كان الوسيلة الأساسية لصناعة الوقائع على الأرض والسيطرة بواسطة القوة العسكرية إلى ملكية للأرض، مستفيدا من اختلال موازين القوى لصالحه، ومن عجز المجتمع الدولي عن ترجمة أقواله إلى أفعال وإجراءات رادعة.

الهجمة الاستيطانية تأتي حاليا مع بداية الحملة الانتخابية الإسرائيلية، حيث أصبحت الضفة الغربية ساحة مفتوحة للمزايدة بين الأحزاب اليمينية وخاصة في ظل تراجع واضح في شعبية حكومة الاستيطان الحالية، وأصبحت الساحة الفلسطينية ساحة لكسب التأييد والأصوات لمن يقتل أكثر ويعذب بشكل أفدح في السجون ومن يوسع الاستيطان بصورة أكبر، ومن يغلق الطريق أمام أي إمكانية لقيام دولة مستقلة، باعتبار ذلك الطريق الأسرع لحصد الأصوات في مجتمع الاحتلال. وهكذا تتحول الانتخابات الإسرائيلية إلى موسم جديد من العقاب الجماعي للفلسطينيين، يدفعون ثمنه دما وأرضا وحرية.

إن ما يجري، اليوم، لا يترك مجالا للحديث عن تجاوزات مستوطنين أو عن أحداث أمنية كما تقدمها دولة الاحتلال إلى العالم. بل نحن أمام سياسة دولة متكاملة، تستخدم المستوطنين رأس حربة، والجيش قوة حماية، والقوانين أداة للشرعنة، والانتخابات منصة للمزايدة السياسية. والغاية النهائية واضحة: القضاء على إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وتحويل الاحتلال إلى واقع دائم يجري تسويقه بوصفه أمرا لا رجعة فيه.

إن المعركة الدائرة، اليوم، ليست على حدود مستوطنة أو طريق التفافي، بل على تعريف الأرض نفسها، وعلى المرجعية التي تحكمها: هل هي أرض فلسطينية محتلة ينطبق عليها القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، أم أنها حسب الرواية الإسرائيلية، «يهودا والسامرة» التي يحق لإسرائيل بسط سيادتها عليها؟ ومن هنا، فإن مواجهة المشروع الاستيطاني لم تعد دفاعا عن الجغرافيا الفلسطينية فحسب، بل دفاعا عن الحقيقة التاريخية التي يسعى الاحتلال إلى محوها تمهيدا لفرض الضم بوصفه أمراً واقعاً.

الأيام الفلسطينية


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل