5 أعوام على "انقلاب" قيس سعيد.. هل أعاد تونس إلى نظام ما قبل الثورة؟

قيس سعيّد استولى على السلطة في مثل هذا اليوم من العام 2021- جيتي
تمر اليوم السبت، الذكرى الخامسة لإعلان الرئيس التونسي قيس سعيد إجراءاته الاستثنائية التي أقرها عقب اجتماع لمجلس الأمن القومي مساء 25 تموز/يوليو 2021، وهي الإجراءات التي اعتبرتها المعارضة السياسية وشخصيات وطنية "انقلابا" على الشرعية والديمقراطية، فيما وصفها سعيد بأنها "تصحيح للمسار" وإنقاذ للدولة من الفساد والأزمات.

وبموجب تلك القرارات، جمّد سعيد أعمال البرلمان المنتخب عام 2019، ورفع الحصانة عن جميع نوابه، وأقال رئيس الحكومة حينها هشام المشيشي، قبل أن يتبع ذلك بسلسلة خطوات أخرى أبرزها حل هيئات دستورية والمجلس الأعلى للقضاء، وتعليق العمل بدستور 2014، والحكم عبر المرسوم 117.

وفي عام 2022، أُجري استفتاء على دستور جديد منح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، لينتقل النظام السياسي في تونس من نظام برلماني معدل إلى نظام رئاسي يمنح مؤسسة الرئاسة نفوذا أكبر في إدارة الدولة.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تصدرت المشهد التونسي ملفات الملاحقات القضائية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والصراع حول مستقبل الديمقراطية والحريات، إذ ترى المعارضة أن البلاد انتقلت إلى حكم الفرد الواحد بعد تركيز السلطات في يد الرئيس، بينما يؤكد سعيد أن إجراءات 25 يوليو جاءت لإنقاذ الدولة ومحاسبة "الخونة والفاسدين"، وأن الحقوق والحريات مصونة، وأنه لا يتدخل في عمل القضاء.

أي حصيلة بعد خمس سنوات؟

يرى السياسي والقيادي في حركة "النهضة" رياض الشعيبي أن مرور خمس سنوات على أحداث 25 يوليو يسمح بتقييم التجربة "بعيدا عن الانفعالات والشعارات، وبالاحتكام إلى ما أفرزته من نتائج على مستوى الدولة والمجتمع".

وقال في تصريح خاص لـ"عربي21"، إن الرئيس قيس سعيد "نجح في إنهاء المنظومة السياسية التي أفرزتها الثورة، لكنه لم ينجح في بناء بديل قادر على معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة".

وأضاف أن المرحلة شهدت "تركيزا غير مسبوق للسلطة، وتراجعا للحريات العامة واستقلال القضاء، مقابل استمرار الأزمة الاقتصادية وتدهور القدرة الشرائية وتزايد شعور المواطنين بانسداد الأفق".

بدوره، قال المحامي والسياسي سمير بن عمر، المعتقل سابقا خلال عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، إن تونس بعد خمس سنوات من "الانقلاب المشؤوم" تعيش "أسوأ أزمة خانقة في تاريخها"، معتبرا أن البلاد لم تحقق إنجازات على مختلف المستويات.

وأضاف في تصريح خاص لـ"عربي21"، أن "الأدوية مفقودة، والغلاء يطال كل المواد، والتضخم في مستويات مرتفعة"، معتبرا أن "جمع السلطات بيد شخص واحد فاقم الأزمة".

وتابع: "هذه السلطة فشلت في مهامها وعليها أن ترحل، والشعب لم يعد يتحمل أكثر، فقد رُفع شعار لا رجوع إلى الوراء، لكن البلاد عادت إلى ما وراء الوراء، وباتت السلطة تغولية ونسفت المكاسب التي تحققت من حرية وإعلام وانتخابات نزيهة واستقلال القضاء".

العفو الدولية: أزمة غير مسبوقة في حقوق الإنسان

وبالتزامن مع الذكرى الخامسة لإجراءات 25 يوليو، طالبت منظمة العفو الدولية السلطات التونسية بإنهاء ما وصفته بـ"الحملة القمعية ضد حقوق الإنسان"، والإفراج عن جميع المحتجزين تعسفيا.

وقالت المنظمة إن تونس، بعد مرور خمس سنوات على ما وصفته بـ"استيلاء الرئيس قيس سعيد على السلطة"، تواجه "أزمة غير مسبوقة في مجال حقوق الإنسان".

وأكدت أن السلطات التونسية "صعّدت هجومها على الحقوق والحريات، مستهدفة منتقدين ومعارضين سياسيين وصحفيين ومحامين ونشطاء والمجتمع المدني، إضافة إلى مهاجرين ولاجئين تعرضوا لانتهاكات جسيمة".

واتهمت المنظمة سعيد باستخدام القضاء الجنائي "لإسكات الأصوات المعارضة"، مشيرة إلى أن السلطات "أحكمت السيطرة على القضاء عبر عزل قضاة وإعادة تشكيل مؤسسات قضائية رئيسية، ما أدى إلى تقويض استقلال القضاء وإضعاف المحاكمة العادلة".

ومنذ شباط/فبراير 2023، شهدت تونس توقيف عشرات الشخصيات السياسية والإعلامية والحقوقية، بينهم معارضون ورجال أعمال ووزراء سابقون وصحفيون وناشطون، في ملفات عدة أبرزها قضايا "التآمر على أمن الدولة" و"أنستالينغو"، إضافة إلى ملفات أخرى صدرت فيها أحكام وصفتها المعارضة بأنها "ثقيلة".


هل عادت تونس إلى نظام ما قبل الثورة؟

حول ما إذا كانت تونس عادت إلى مربع النظام الذي أطاحت به الثورة عام 2011، قال سمير بن عمر إن "كل التونسيين باتوا في حالة سراح مؤقت"، معتبرا أن ذلك يؤشر إلى "جمهورية رعب أعادت ممارسات الأنظمة التي ثار عليها الشعب".

وأضاف أن المرحلة شهدت "عودة الدولة العميقة وعودة شخصيات كانت مرتبطة بنظام بن علي"، معتبرا أن ذلك يمثل أحد أسباب الأزمة الحالية.

في المقابل، يرى رياض الشعيبي أن المقاربة الأدق هي أن تونس "لم تعد إلى الماضي بحذافيره"، لكنها استعادت كثيرا من آليات الحكم التي ميزت الدولة السلطوية.

وقال إن ذلك ظهر من خلال "تغليب المقاربة الأمنية، وإضعاف المؤسسات الرقابية، وتهميش الأحزاب والقوى الوسيطة، وتركيز القرار في يد شخص واحد".

وأضاف: "هي ليست نسخة مطابقة للنظام السابق، لكنها تقترب منه في أساليب إدارة السلطة أكثر مما تقترب من روح دستور الثورة ومكتسباتها".

أما المحلل السياسي الأمين بوعزيزي، فرأى أن ما حدث في 25 يوليو 2021 "لم يكن مجرد تغيير في رأس السلطة أو تعليق لمسار دستوري، بل كان لحظة استعادة للدولة القومية المركزية التي خرج التونسيون ضد منطقها سنة 2011".

وقال في قراءة خاصة لـ"عربي21": "لا أتعامل مع المسألة باعتبارها عودة حرفية إلى دولة بن علي، فالتاريخ لا يكرر نفسه بالأشخاص، وإنما يعيد إنتاج نفسه بالبنى".

وأضاف أن "الذي عاد هو النموذج نفسه؛ دولة تحتكر السياسة، وتستعيد المجتمع بوصفه مجالا للإدارة والضبط والتأديب، لا باعتباره مصدر الشرعية والرقابة وصناعة القرار".

وأوضح أن الثورة كانت محاولة "لنقل مركز الثقل من الدولة إلى المجتمع، ومن السلطة إلى المواطنة، ومن منطق الوصاية إلى منطق المشاركة"، بينما أعاد مسار 25 يوليو "تركيز السلطة في المركز، وأضعف المؤسسات الوسيطة، وحول المجال العام تدريجيا من فضاء للتعدد إلى فضاء ينتج الإجماع حول السلطة".

الجيش و"الدولة العميقة"

وحول دور الجيش وما يعرف بـ"الدولة العميقة"، قال بوعزيزي إنه يتحفظ على القراءات التي تفسر الأحداث بالمؤامرة وحدها، كما يتحفظ على اختزالها في إرادة رجل واحد.

وأضاف أن ما حدث كان "لحظة التقت فيها مصالح مؤسسات الدولة المختلفة مع أزمة سياسية واجتماعية عميقة، فوجدت في 25 يوليو فرصة لإعادة ترميم مركزية الدولة التي اهتزت بعد الثورة".

وأشار إلى أن الجيش "بقي في الظاهر داخل حدوده المؤسسية، لكنه اضطلع بأدوار حاسمة في تنفيذ التحول الذي أعلن تلك الليلة"، فيما أظهرت الإدارة والبيروقراطية والأجهزة الأمنية والقضائية "قابلية كبيرة للانخراط في المسار الجديد".

من جهته، قال رياض الشعيبي إن أحداث 25 يوليو "ما كانت لتبلغ نتائجها لولا الدور الذي قامت به المؤسسة العسكرية في إنفاذ الإجراءات الاستثنائية وتأمينها"، لكنه أكد أن الجيش "لم يتحول بعد ذلك إلى طرف حاكم أو صاحب مشروع سياسي مستقل".

وأضاف أن أجزاء من الجهاز الإداري والأمني والقضائي "استعادت نفوذا ومساحات تأثير كانت قد تقلصت بعد الثورة"، دون أن يعني ذلك وجود مركز موحد يدير المشهد من وراء الستار.

وختم الشعيبي بالقول إن تونس "لا تحتاج إلى استعادة صراعات الماضي ولا إلى إعادة إنتاج الاستبداد
بأي عنوان، بل تحتاج إلى إطلاق مسار إصلاح وطني شامل يعيد بناء المؤسسات على أساس الشرعية الديمقراطية، ويحقق التوازن بين الحرية والاستقرار، ويضع الاقتصاد والتنمية في صدارة الأولويات".