المغرب وفرنسا يعززان شراكتهما باتفاقيات جديدة وتمهيد لمعاهدة صداقة تاريخية

باتت فرنسا تراهن بصورة متزايدة على المغرب بوصفه شريكاً محورياً في شمال أفريقيا والساحل، خاصة بعد تخليها عن سياسة الموازنة التقليدية بين الرباط والجزائر.. وكالة المغرب العربي
أكد المغرب وفرنسا، الخميس، عزمهما المضي في تعزيز شراكتهما الاستراتيجية، خلال أعمال الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين حكومتي البلدين، الذي انعقد في العاصمة المغربية الرباط، بمشاركة رئيسي الحكومتين وعدد من الوزراء، وسط مؤشرات على انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة جديدة قد تُتوَّج بتوقيع معاهدة صداقة غير مسبوقة.

وشهد الاجتماع، الذي ترأسه رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش ونظيره الفرنسي سيباستيان لوكورنو، توقيع 14 اتفاقية تعاون في مجالات اقتصادية وثقافية وصناعية، من بينها اتفاق يتعلق بإنشاء لجنة ثنائية للصناعات الدفاعية، دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن مضامين الاتفاقات.

وقال أخنوش، في تصريح للصحفيين عقب اختتام الاجتماع، إن الشراكة المغربية الفرنسية "تندرج اليوم في إطار رؤية استراتيجية مشتركة، قائمة على تقارب سياسي واضح، وثقة متجددة، وطموح مشترك لتقديم أجوبة عن التحديات الكبرى لعصرنا"، معتبراً أن العلاقات الثنائية تشهد مرحلة جديدة من التطور.

من جهته، وصف رئيس الوزراء الفرنسي حصيلة الشراكة التي أُطلقت عام 2024 بأنها "استثنائية وإيجابية"، مؤكداً أن باريس ترغب في الارتقاء بهذه العلاقة إلى مستوى أعلى عبر إبرام "معاهدة صداقة فريدة من نوعها"، ستكون الأولى التي توقعها فرنسا مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي.

وأوضح لوكورنو، الذي وصل إلى الرباط مساء الأربعاء برفقة وفد حكومي يضم 12 وزيراً، بينهم وزير الخارجية جان نويل بارو ووزير الداخلية لوران نونيز، أن هذه المعاهدة المرتقبة يُنتظر توقيعها خلال زيارة مرتقبة للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى باريس، من دون الإعلان عن موعدها.

تحسن العلاقات بعد أزمة طويلة

ويأتي هذا الاجتماع في سياق التحسن اللافت الذي شهدته العلاقات المغربية الفرنسية منذ صيف عام 2024، عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعم بلاده للسيادة المغربية على الصحراء، في تحول كبير في الموقف الفرنسي من النزاع، أنهى سنوات من الحذر الدبلوماسي، لكنه تسبب في توتر مستمر بين باريس والجزائر.

وتعزز هذا التقارب بزيارة رسمية أجراها ماكرون إلى الرباط في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، أنهت نحو ثلاث سنوات من الفتور بين البلدين، على خلفية أزمة التأشيرات واتهامات متبادلة بالتجسس، وأسفرت حينها عن توقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات الاستثمارية والاقتصادية.

ويرى مراقبون أن الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء مثّل نقطة تحول في العلاقات الثنائية، ورسخ انتقالها من شراكة تقليدية إلى تحالف استراتيجي يشمل ملفات الأمن والاستثمار والطاقة والدفاع، فضلاً عن التنسيق في القضايا الإقليمية، خاصة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

الأمن والساحل في صدارة الأولويات

وأكد لوكورنو، خلال افتتاح الاجتماع، أن بلاده تسعى إلى توسيع التعاون مع المغرب في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب، مشيراً إلى وجود "مصالح مشتركة" في القارة الأفريقية، ولا سيما في منطقة الساحل التي تشهد تصاعداً في نشاط الجماعات المسلحة وتراجعاً للنفوذ الفرنسي خلال السنوات الأخيرة.

ويأتي هذا التوجه في ظل إعادة صياغة باريس لسياستها الأفريقية، بعد انسحاب قواتها من عدة دول في الساحل، واعتمادها بصورة متزايدة على شراكات مع دول تعتبرها مستقرة وذات نفوذ إقليمي، وفي مقدمتها المغرب.

عودة ملف "بيغاسوس"

وتزامن الاجتماع الوزاري مع عودة الجدل حول قضية برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس"، بعدما نشرت صحيفة لوموند وإذاعة فرانس أنتر ومنظمة "فوربيدن ستوريز" تحقيقاً جديداً أعاد طرح الاتهامات التي وُجهت إلى المغرب عام 2021 باستخدام البرنامج للتجسس على شخصيات مغربية وفرنسية، من بينها الرئيس إيمانويل ماكرون.

وأعاد التحقيق إلى الواجهة واحدة من أبرز القضايا التي ألقت بظلالها على العلاقات بين البلدين قبل المصالحة السياسية في عام 2024، إذ سبق أن نُسب إلى المغرب استخدام البرنامج ضد مسؤولين فرنسيين، بينهم سيباستيان لوكورنو عندما كان وزيراً في حكومة ماكرون.

وتنفي السلطات المغربية باستمرار هذه الاتهامات، وسبق أن اعتبرتها "ادعاءات لا أساس لها"، كما لم يصدر عنها أي تعليق رسمي على التحقيق الجديد أو توقيت نشره بالتزامن مع انعقاد الاجتماع الوزاري.

وفي المقابل، تجنب المسؤولون الفرنسيون الموجودون في الرباط التعليق على القضية، فيما نقلت وكالة فرانس برس عن مصدر مقرب من الرئيس ماكرون قوله إن "هدفنا هو تعزيز الشراكة والثقة مع المغرب"، في إشارة إلى رغبة باريس في عدم السماح لهذا الملف بالتأثير على مسار العلاقات الثنائية.

شراكة تتجاوز الاقتصاد

ويعكس الاجتماع الوزاري رغبة مشتركة في توسيع مجالات التعاون بين البلدين لتشمل، إلى جانب الاقتصاد والاستثمار، ملفات الدفاع والصناعات العسكرية والثقافة والتعليم والهجرة والطاقة، فضلاً عن التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية.

وباتت فرنسا تراهن بصورة متزايدة على المغرب بوصفه شريكاً محورياً في شمال أفريقيا والساحل، خاصة بعد تخليها عن سياسة الموازنة التقليدية بين الرباط والجزائر، وهو ما جعل العلاقات المغربية الفرنسية تدخل مرحلة غير مسبوقة من التقارب السياسي والاستراتيجي، رغم استمرار بعض الملفات الخلافية في الظهور بين الحين والآخر.