حين تتشابه الوعود.. ماذا ينتظر المغاربة من انتخابات 2026؟

رغم اختلاف الأحزاب تصدرت القدرة الشرائية وغلاء الأسعار أولويات جميع البرامج الانتخابية استعدادا لانتخابات 2026- جيتي
لم يكن عبد الرحيم، الموظف الأربعيني، في عجلة من أمره وهو يغادر أحد المقاهي وسط العاصمة المغربية، الرباط، عقب انتهاء يوم عمله.

على شاشة التلفاز المتواجدة في زاوية المقهى، كانت قناة إخبارية تبث تغطية لاجتماع حزبي استعدادا للانتخابات التشريعية المقبلة، فيما كان الحاضرون يتابعون المشهد ببرود، قبل أن يقطع أحدهم الصمت بالقول: "كل انتخابات نسمع الكلام نفسه، وحياتنا لا تتغير".

لم تكن تلك العبارة مجرد تعليق عابر، حيث بدت انعكاسا لمزاج عام يتردد في أحاديث عدد من المغاربة مع اقتراب موعد انتخابات أيلول/ سبتمبر 2026، فبعد خمس سنوات اتسمت بارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار البطالة، وضغط القدرة الشرائية؛ عاشت الأحزاب السياسية مبكرا على إيقاع مرحلة إعادة التموضع، في محاولة لاستعادة ثقة ناخبين باتوا أكثر تشكيكا في الخطاب السياسي، وأكثر ميلا إلى تقييم الأحزاب انطلاقا من نتائجها لا من وعودها.

وفي خضم الحراك الانتخابي المبكر، رصدت "عربي21"  تقاطعت مختلف الأحزاب، سواء تلك التي تقود الحكومة أو التي تتموقع في المعارضة، في الأولويات المعلنة، إذ حضرت القدرة الشرائية، وغلاء الأسعار، وفرص الشغل، وإصلاح الصحة والتعليم، ناهيك عن مكافحة الفساد، باعتبارها أهم العناوين التي يسعى كل حزب إلى إقناع الناخبين بامتلاك الحلول الكفيلة بمعالجتها.

هذا التشابه، يطرح تساؤلا حول ما إذا كانت جميع الأحزاب تتفق على تشخيص المشكلات، فما الذي يجعل الناخب يميّز بينها؟ وهل يتعلق الأمر بصراع حول البرامج، أم بمعركة لاستعادة ثقة تآكلت تدريجيا خلال السنوات الأخيرة؟.

سباق مبكر.. ورسائل موجهة إلى الناخب

في الأشهر القليلة الماضية، ارتفعت وتيرة اللقاءات الحزبية والمؤتمرات الجهوية والجولات التواصلية، فيما كثّفت القيادات السياسية من خطاباتها الموجهة إلى الرأي العام، في وقت شرعت فيه وزارة الداخلية، الثلاثاء الماضي، في عقد اجتماعات تشاورية مع الأحزاب لاستكمال الترتيبات المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة.

في السياق نفسه، بدا واضحا أن السباق الانتخابي قد انطلق قبل أشهر من موعد الاقتراع، وأن الأحزاب اختارت فتح معركتها السياسية مبكرا، في محاولة لاحتلال موقع متقدم داخل النقاش العمومي، وكسب نقاط إضافية قبل بدء الحملة الانتخابية، بشكل رسمي.

هذا المشهد، وفقا لما رصدته "عربي21" يأتي في سياق سياسي واجتماعي يختلف عن انتخابات سنة 2021، فالأحزاب التي كانت تقدم نفسها آنذاك باعتبارها بديلا للإصلاح باتت اليوم مطالبة بالدفاع عن حصيلتها، فيما تحاول أحزاب المعارضة إقناع الرأي العام بأنها تملك تصورا أكثر قدرة على معالجة الاختلالات التي برزت خلال الولاية الحكومية الحالية.


إلى ذلك، وجد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة، نفسه مركّزا على الدفاع عن حصيلته، معتبرا أن السنوات الخمس الماضية شهدت تقدما في مجالات الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، والتعليم، والاستثمار، إلى جانب التزامه بمواصلة حماية القدرة الشرائية وتحسين الخدمات العمومية.

ووصف رئيس الحكومة والرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، الحصيلة الحكومية الحالية، بـ"المشرفة والمثيرة للاعتزاز"، مؤكدا أنّ: "هذه المكتسبات لا تستدعي الخوف من تقديمها والدفاع عنها مبكرا أمام المواطنين وفي وسائل الإعلام بكل ثقة".

وأضاف أخنوش، في كلمة له أمام الشبيبة التجمعية مساء الجمعة 26 حزيران/ يونيو 2026، بمدينة أكادير، بأنّ: "الحزب يمتلك برنامجا واقعيا وموضوعيا يرتكز بالأساس على تعزيز الإنصاف الترابي ودعم القدرة الشرائية المستدامة للأسر المغربية"، فيما وجّه عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، راشيد الطالبي العلمي، رسائل سياسية واضحة ومباشرة إلى "الخصوم والمنافسين"، مشيرا إلى قدرة الحزب على تصدر المشهد السياسي في المحطة الانتخابية المقبلة.

في المقابل، اختارت أحزاب المعارضة توجيه سهام النّقد إلى الأداء الحكومي، معتبرة أن الواقع الاجتماعي يعكس اتساع دائرة الفقر والهشاشة، واستمرار البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع ثقة المواطنين في المؤسسات؛ ما جعلها تقدم نفسها باعتبارها البديل القادر على تصحيح المسار. بينهم حزب التقدم والاشتراكية، الذي وجّه انتقادات لاذعة للحكومة الحالية، واصفا حصيلتها بـ"الفشل الذريع وغير المسبوق في الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين".

وبحسب تقرير المكتب السياسي للتقدم والاشتراكية، الذي وصل "عربي21" نسخة منه، فإنّ: "معدل البطالة في المغرب قد تجاوز 13 في المئة وطنيا، وقفز إلى 37 في المئة في صفوف الشباب". مشيرا بقلق إلى وجود ما يقارب 2.9 مليون شاب خارج منظومة العمل والدراسة والتكوين. فضلا عن انزلاق 3.2 مليون مواطن إلى ما دون عتبة الفقر أو الهشاشة، يعيش معظمهم (72 في المئة) في الوسط القروي.

التقرير نفسه، أكّد أنّ: "حوالي 8.5 مليون مغربي لا يزالون خارج منظومة التأمين الإجباري عن المرض"، فيما اتّهم نبيل بنعبد الله، وهو أمين عام الحزب، الحكومة، بتقديم أرقام غير دقيقة بخصوص العجز والمديونية؛ إذ أوضح أنّ: "العجز الحقيقي في الميزانية يصل إلى 6 في المئة إذا استُثنيت "التمويلات المبتكرة"، وليس 3.5 في المئة كما هو معلن".

أما أحزاب الأغلبية الأخرى، وفقا لما رصدته "عربي21" فإنّها قد وجدت نفسها في وضع أكثر تعقيدا، حيث تسعى إلى الدفاع عن مشاركتها في الحكومة، مع الحرص في الوقت نفسه على إبراز تميزها عن شريكها الرئيسي، في محاولة للحفاظ على رصيدها الانتخابي وعدم تحمل كلفة التقييم الحكومي بصورة جماعية.

في حديثه لـ"عربي21" أوضح الأستاذ الباحث في العلوم السياسية، حسن بلوان، أنّ: "تشابه البرامج الحزبية يرجع إلى مجموعة من الاعتبارات التي تتماهى فيها أحزاب المعارضة مع أحزاب الحكومة، إذ ينصهر الكل في البرامج والأوراش الكبرى للدولة المغربية وعلى رأسها المؤسسة الملكية، وبذلك تلتزم الأحزاب برهاناتها، فيصبح التنافس الانتخابي حول التنزيل المؤسساتي لهذه البرامج من موقع التدبير الحكومي".

وتابع بلوان بأنّ: "غياب الأطر الحزبية القادرة على إنتاج برامج واقعية وقابلة للتنفيذ يدفع أحزابا للاستعانة بنفس مراكز الدراسات والخبرة، ممّا يصعب التفريق بين البرامج السياسية لمجموعة من الأحزاب في الحكومة والمعارضة، ما يضرب مصداقية هذه البرامج وتتزايد الهوة بين الفاعل الحزبي والمواطن".

القدرة الشرائية.. الملف الذي وحّدت الخطاب

النقاش الذي سبق انتخابات 2026، كشف بشكل غير مباشر عن إجماع حزبي بخصوص أولوية فرضتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات القليلة الماضية، وهي القدرة الشرائية للمواطنين.
فمهما اختلفت المرجعيات الإيديولوجية أو المواقع السياسية، بدت الأحزاب وكأنها تتحدث باللغة نفسها حين يرتبط الأمر بغلاء الأسعار، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القوة الشرائية للأسر.

وبحسب ما اطّلعت عليه "عربي21" فإنّ هذا التحوّل البارز، لم يأت من فراغ، إذ فرضته معطيات ميدانية جلعت الوضع الاقتصادي يحتل صدارة انشغالات المغاربة. فارتفاع أسعار الطاقة، والتضخّم الذي طال مختلف المواد الأساسية، فضلا عن سنوات الجفاف المتتالية، والاضطرابات التي عرفتها سلاسل التوريد العالمية، كلها عوامل انعكست بصورة مباشرة على الحياة اليومية للأسر المغربية، لتصبح كلفة المعيشة هي: المعيار الذي يقيس من خلاله المواطن نجاح أو فشل السياسات العمومية.

ولذلك، فيما جعل حزب التجمع الوطني للأحرار حماية القدرة الشرائية على رأس التزاماته الانتخابية الجديدة، مع تعهّده بمواصلة إجراءات الدعم الاجتماعي وتحسين الأجور والارتقاء بالخدمات العمومية.

بسطت المعارضة المشهد من زاوية مختلفة تماما، فبالنسبة إليها، لا يمكن الحديث عن نجاح السياسات الاجتماعية في وقت ما تزال فيه القدرة الشرائية تتراجع، والبطالة عند مستويات مرتفعة، والأسعار تواصل الضغط على ميزانيات الأسر.

جرّاء ذلك، ركّزت أحزاب المعارضة على انتقاد الحصيلة الحكومية من بوابة الاقتصاد اليومي للمواطن، معتبرة أنّ المؤشرات التي تبرزها الحكومة لا تعكس حقيقة ما يعيشه المغاربة في الأسواق وأماكن العمل والمؤسسات العمومية.

كذلك، داخل مكونات الأغلبية الحكومية، برزت محاولات واضحة لإبراز هوية سياسية مستقلة عن الحصيلة الجماعية للحكومة. فقد أعلن حزب الأصالة والمعاصرة أن برنامجه الانتخابي سيضع الحفاظ على القدرة الشرائية في صدارة أولوياته، إلى جانب الصحة والتعليم، مؤكدا أنه سيقدم إجراءات جديدة تستجيب للتحولات الاقتصادية التي تعرفها البلاد.

من جهته، حزب الاستقلال، ركّز بدوره على ضرورة تحسين الأوضاع الاجتماعية وتعزيز العدالة المجالية والرفع من فرص الشغل، مع توجيه خطاب خاص نحو فئة الشباب التي تشكل الكتلة الانتخابية الأكبر.


وفي حديثه لـ"عربي21" أكّد عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، حسن حمورو، أنّ: "جميع الأحزاب مطالبة بمراجعة أدائها، وحزب العدالة والتنمية لا يضع نفسه خارج دائرة التقييم والمحاسبة، لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين من دفع كلفة الإصلاح واتخذ قرارات صعبة وهو يصارح المواطنين بحقيقتها، وبين من وعد بحل جميع المشاكل، ثم انتهى إلى تبرير الإخفاقات وتحميلها للظروف والإكراهات".

وتابع: "أما حصيلة الحكومة الحالية، فمن الصعب اعتبارها منسجمة مع الوعود الكبيرة التي رفعتها عند تشكيلها، حيث قدمت نفسها باعتبارها حكومة الكفاءات، لكن بعد خمس سنوات يجد المواطن نفسه أمام غلاء غير مسبوق، وتراجع في القدرة الشرائية، واستمرار البطالة، وتفاقم صعوبات الولوج إلى خدمات الصحة والتعليم، وتعثر ورش تعميم الحماية الاجتماعية، دون أن يلمس الإصلاحات الموعودة بالوتيرة والفعالية اللتين تم التبشير بهما".

وبحسب حمورو، فإنّ: "الناخب المغربي سيحسم اختياره في انتخابات شتنبر 2026 انطلاقا من ثلاثة ملفات أساسية: أولها القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، لأن معاناة الأسر أصبحت يومية، وثانيها التشغيل، خاصة في ظل تفاقم بطالة الشباب وحاملي الشهادات، وثالثها جودة الخدمات العمومية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، باعتبارهما معيارا حقيقيا لنجاح أي سياسة عمومية".

وختم حديثه لـ"عربي21" بالقول إنّ: "الرهان في الانتخابات المقبلة لن يكون على من يرفع الشعارات الأكثر جاذبية، بل على من يملك رصيدا من المصداقية، ويقدم تقييما صريحا للمرحلة، ويطرح بدائل واقعية وقابلة للتنفيذ، ويعيد للمواطن الثقة بأن صوته يمكن أن يصنع فرقا حقيقيا في السياسات العمومية".

بين حصيلة الحكومة ورواية المعارضة

مع انتقال النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى الأرقام، بدأت كل جهة تقدم قراءتها الخاصة للواقع الاقتصادي والاجتماعي. فالحكومة تؤكد أن المغرب حقّق تقدما في عدد من الأوراش الكبرى، مستندة إلى توسيع التغطية الصحية، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، وتحسّن بعض المؤشرات الاقتصادية، وارتفاع الاستثمارات، والنمو المسجل في قطاعات الصناعة والسياحة. وترى أن هذه النتائج تحققت رغم ظرفية دولية استثنائية طبعتها تداعيات الجائحة، والحرب في أوكرانيا، وارتفاع أسعار الطاقة، وتوالي سنوات الجفاف.

في المقابل، تعتمد أحزاب المعارضة على مؤشرات أخرى لإثبات أن هذه الإنجازات لم تنعكس بالشكل الكافي على حياة المواطنين. وتستشهد بارتفاع معدلات البطالة، واتساع دائرة الهشاشة، وتراجع ثقة الأسر، واستمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، معتبرة أن نجاح أي سياسة عمومية لا يقاس بحجم الأوراش المعلنة، ولكن كذلك بالأثر الذي تتركه في الحياة اليومية للمواطن.

الأستاذ الباحث في العلوم السياسية، حسن بلوان، أبرز في حديثه لـ"عربي21" أنّ: "تشابه البرامج الانتخابية لدى الأحزاب المغربية، تُرى من زاويتين"، مردفا: "الأولى هي ظاهرة سياسية صحية تعبر عن الانسجام والتناغم الحزبي حول الاستراتيجيات الكبرى للدولة المغربية، مما يوحي بإجماع وطني داخل المشهد السياسي المغربي".

"الزاوية الثانية لا تقتصر على البرامج الحزبية، وإنما تسائل جدوى الفواعل الحزبية نفسها، خاصة مع تزايد الهوّة بين هذه الأخيرة وفئات عريضة من المواطنين الشباب، ممّن أصبحوا في قلب السياسات العمومية، لكن بمطالب ورهانات وتطلعات كبرى فاقت وتجاوزت البرامج الانتخابية لمعظم الأحزاب المغربية، ما يؤثر على نسب المشاركة الانتخابية".

أزمة الثقة.. الاختبار الأصعب

إذا كانت الأحزاب السياسية تخوض اليوم سباقا محموما بغية إقناع الناخبين ببرامجها الانتخابية، فإن المعركة الحقيقية تبدو أكثر تعقيدا من مجرد الفوز بأكبر عدد من المقاعد. فقبل أشهر قليلة من فتح صناديق الاقتراع، لا تواجه الأحزاب خصوما سياسيين فقط، وإنّما إرثا ثقيلا من تراجع الثقة في العمل الحزبي، وهي أزمة لا ترتبط بحزب دون آخر، بقدر ما أضحت سمة عامة للمشهد السياسي المغربي.

ورصدت "عربي21" نتائج عدد من الدراسات واستطلاعات الرأي المنجزة خلال الأشهر الأخيرة، التي تشير إلى أن العلاقة بين المواطن والأحزاب تمر بمرحلة دقيقة، بينهم تقرير ميداني أنجزته جمعية "المواطنون"، وشمل نحو ثلاثة آلاف مستجوب من مختلف جهات المملكة، أبرز أن غالبية المشاركين عبروا عن ضعف ثقتهم في المؤسسات المنتخبة، فيما أكد أغلبهم أنهم لا يشعرون بوجود علاقة حقيقية تربطهم بالأحزاب السياسية، كما اعتبر معظمهم أن المنتخبين لا يلتزمون بالوعود التي يقدمونها خلال الحملات الانتخابية.


من جهتها، مؤسسة "أفروبارومتر"، أوضحت في دراسة لها، تراجعا ملحوظا في مستويات الثقة في الأحزاب السياسية، وارتفاع نسبة المواطنين الذين لا يشعرون بأي انتماء حزبي، مقابل استمرار البطالة وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية ضمن أبرز أولويات المواطنين. وبحسب متابعين، فإنّ هذه الأرقام، تعكس تحولا في نظرة الناخب المغربي، الذي بات يقيم الأداء السياسي انطلاقا من النتائج الملموسة، لا من الشعارات الانتخابية أو الانتماءات الإيديولوجية.

وتذهب عدد من الدراسات الحديثة، إلى أن انتخابات 2026 لن تكون مجرد منافسة دورية على مقاعد مجلس النواب، وإنما محطة ستختبر قدرة الأحزاب على ترميم ما تصفه بـ"فجوة الثقة" بين المواطنين والفاعلين السياسيين. فالمؤشرات التي أفرزتها استطلاعات الرأي لا تعكس فقط تراجعا في صورة الأحزاب، وإنما تشير أيضا إلى ارتفاع سقف انتظارات المواطنين، الذين أصبحوا يقارنون بين الخطاب والنتائج، وبين البرامج وما تحقق منها، أكثر مما يقارنون بين المرجعيات الفكرية أو الشعارات الانتخابية.

ومع حلول المساء، كان عبد الرحيم قد أنهى حديثه مع أصدقائه وغادر المقهى. وقبل أن يبتعد، التفت إلى شاشة التلفاز التي ما تزال تبث أخبار الجولات الحزبية، ثم قال مبتسما: "سنسمع الكثير من الوعود خلال الأشهر المقبلة؛ لكن يوم التصويت لن يحسمه من يتحدث أكثر، وإنّما من ينجح في إقناع الناس بأن هذه المرة ستكون مختلفة".

وبين الخطاب السياسي الذي يتصاعد يوما بعد آخر، والناخب الذي ينتظر ما يبدد شكوكه، تتجه الأنظار إلى انتخابات قد لا تحسم فقط هوية الحزب الذي سيقود الحكومة المقبلة، لكنها ستحدد كذلك ما إذا كانت الأحزاب المغربية قادرة على استعادة ثقة فقدت جزءا مهما منها خلال السنوات الأخيرة، أم أن صناديق الاقتراع ستكشف اتساع الفجوة بين ما يعد به السياسيون وما ينتظره المواطنون.