أعادت مشاهد عشرات آلاف المهاجرين وهم يعبرون نحو مدينة
سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، وما أعقبها من اتفاق عاجل بين الرباط ومدريد لإعادتهم، تسليط الضوء على مضيق
جبل طارق؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ولم تعد الأزمة مجرد ملف يتعلق بضبط الحدود، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية حدوده الخارجية، وإلى تذكير بالأهمية الاستراتيجية للمضيق الذي تتقاسم ضفتيه
المغرب وإسبانيا، فيما تحتفظ بريطانيا بالسيادة على جبل طارق.
"ثغرة قانونية"
تحوّلت سبتة، التي تشكل مع مليلية الجيبين الوحيدين للاتحاد الأوروبي على الأراضي الأفريقية، إلى واجهة المشهد بعد تدفقات غير مسبوقة للمهاجرين، إذ عبر نحو 40 إلى 60 ألف شخص إلى المدينة خلال أيام قليلة نهاية تموز/يوليو الماضي، في واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي شهدتها الحدود الجنوبية لأوروبا، قبل أن يعود أكثر من 48 ألفاً خلال 48 ساعة فقط.
كما حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من وضع إنساني بالغ التعقيد يواجه آلاف القاصرين غير المصحوبين بذويهم، بعد أن بلغت نسبة إشغال مراكز الإيواء المخصصة لهم نحو 1600 بالمئة من طاقتها التصميمية.
وخلّفت الأزمة حصيلة بشرية مأساوية؛ إذ تحدثت مصادر رسمية إسبانية عن سقوط ما لا يقل عن 67 قتيلاً غرقاً أو أثناء التدافع.
ولم تكن هذه الموجة مجرد تحرك عشوائي، بل جاءت استغلالاً لـ"ثغرة قانونية" فجّرها القرار الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية في 29 حزيران/يونيو الماضي، والذي منع السلطات من تنفيذ إجراءات "الإرجاع الساخن" بحق من يصلون إلى الشواطئ سباحة، وألزمها باتباع إجراءات الترحيل العادية، فيما أبقى على الإرجاع الفوري لمن يخترق السياج البري.
وبحسب ما أورده
المجلس العام للسلطة القضائية الإسباني، اعتبرت المحكمة أن وسائل المراقبة التقنية، مثل الكاميرات والطائرات المسيّرة، لا تُعد "حواجز مادية" يترتب على تجاوزها الإرجاع الفوري. ونتيجة لذلك، تحول المسار البحري إلى الخيار الأكثر جذباً، لتشجع شبكات تهريب البشر المهاجرين على الالتفاف سباحة حول كاسري الأمواج في منطقتي تاراخال وبنزو، حيث تقل المسافة عن كيلومتر واحد في بعض النقاط، بدلاً من محاولة اقتحام السياج الحدودي في سبتة أو مليلية.
وأكد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن شبكات التهريب روّجت عبر منصات التواصل الاجتماعي تفسيراً مضللاً للحكم، موحية بأن أي وصول عبر البحر بات محصّناً من الترحيل، رغم أن الحكم القضائي كان ضيقاً ومحصوراً بمسألة الإجراء لا بمنح حق البقاء.
مضيق لا تسيطر عليه دولة واحدة
وتستمد سبتة أهميتها من موقعها على ضفة مضيق جبل طارق، الذي يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 14 كيلومتراً، ولا يخضع لسيطرة دولة واحدة.
ففي الجنوب يمتد الساحل المغربي، وفي الشمال تقع إسبانيا، بينما تحتفظ بريطانيا بالسيادة على إقليم جبل طارق، ما يجعل المضيق واحداً من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ويحيط بالمضيق إرث طويل من النزاعات السيادية؛ فالمغرب لا يزال يطالب باستعادة سبتة ومليلية وعدد من الجيوب والجزر التي تديرها إسبانيا، وفي مقدمتها جزيرة ليلى (بيريخيل)، التي كادت أن تشعل مواجهة عسكرية بين الرباط ومدريد عام 2002، بعدما تبادل الطرفان السيطرة عليها قبل أن تنتهي الأزمة بوساطة أمريكية.
ويجعل هذا الواقع أي تحرك على ضفاف المضيق أو مياهه محاطاً بحساسية سياسية وأمنية كبيرة، تتداخل فيها مصالح المغرب وإسبانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
عسكرة المضيق و"الثكنة الرقمية"
ولا تقتصر أهمية المضيق على موقعه الجغرافي، بل تمتد إلى أبعاده العسكرية والاستخباراتية. فقد أشار موقع
Army Technology إلى أن جبل طارق يمثل قاعدة متقدمة لقدرات بريطانية في استخبارات الاتصالات (COMINT)، تتيح مراقبة حركة الاتصالات والإشارات في المنطقة، إلى جانب متابعة حركة السفن والقطع البحرية.
كما يضم الإقليم مرافق عسكرية قادرة على استقبال الغواصات النووية البريطانية والأمريكية، فيما يشكل المضيق ممراً أساسياً لحركة الأساطيل التابعة لحلف شمال الأطلسي بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، وهو ما يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز بكثير حدوده الجغرافية الضيقة.
وعلى خلاف مضائق أخرى، لا تستطيع أي دولة إغلاق مضيق جبل طارق أو فرض رسوم على الملاحة فيه، لأنه يخضع لقواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ومبدأ "المرور العابر"، الذي يكفل حرية الملاحة للسفن والطائرات.
شريان التجارة والطاقة
ولا تقل أهمية المضيق من الناحية الاقتصادية؛ إذ تعبره أكثر من 100 ألف سفينة سنوياً، بما في ذلك ناقلات النفط القادمة من الخليج، وسفن الغاز الطبيعي المسال من شمال أفريقيا والولايات المتحدة، إضافة إلى سفن الحاويات التي تربط موانئ آسيا وأفريقيا بأوروبا والأمريكيتين.
ويشير تقرير نشرته "
جامعة نافارا"، إلى أن أي اضطراب أمني في محيط سبتة أو المضيق ينعكس مباشرة على حركة ميناء الجزيرة الخضراء (Algeciras)، أحد أكبر موانئ أوروبا، والذي يمثل مركزاً رئيسياً لعمليات إعادة شحن البضائع وتوزيعها داخل القارة.
من باب المندب إلى جبل طارق
وفي الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بالتوترات في مضيقي هرمز وباب المندب، أعادت أزمة سبتة التذكير بأن مضيق جبل طارق لا يقل أهمية، وإن اختلفت طبيعة التحديات المحيطة به.
فهنا لا تُختبر فقط حركة السفن والتجارة العالمية، بل أيضاً قدرة أوروبا على حماية حدودها، وقدرة المغرب وإسبانيا على إدارة ملف شديد الحساسية، فيما تتقاطع مصالح القوى الدولية وحلف شمال الأطلسي مع واحدة من أكثر بوابات العالم ازدحاماً وحيوية.