كيف أعادت سوريا توزيع وظائف مطاراتها بعد سقوط الأسد؟

أعاد مطار دير الزور فتح أبوابه أمام الرحلات المدنية بعد أكثر من عقد من الإغلاق- جيتي
لم تكن المطارات في سوريا منذ تولي عائلة الأسد الحكم، مجرد بنية تحتية مدنية، فتحت حكم حافظ الأسد ونجله بشار، تحولت مدرجات بعضها إلى منصات لإطلاق غارات قتلت مئات الآلاف من السوريين، وبعد أكثر من عام ونصف على سقوط النظام، استهدفت طائرات حربية مجهولة يرجح أنها اسرائيلية فجر اليوم الثلاثاء، مطار أبو الظهور العسكري بريف ادلب الشرقي بعدة غارات تسببت بأضرار مادية دون وقوع إصابات.

وحول الشكوك في مصدر الهجوم، كانت قد عبرت الصحافة العبرية كثيرا عن مخاوف متكررة من التموضع العسكري التركي تحديدا في قواعد سورية سبق أن كانت تحت سيطرة النظام السابق.

ونقلت صحيفة "معاريف" العبرية عن مصدر أمني إسرائيلي تحذيره، عقب الضربات التي استهدفت قاعدتي "تي4" وتدمر منتصف العام الماضي، من أن "كل قاعدة تركية في سوريا ستضر بحرية العمل الإسرائيلية"، موضحة أن سلاح الجو الإسرائيلي وجه ضرباته تحديدا نحو مدرجات الإقلاع والهبوط والأصول الاستراتيجية في الموقعين.


وكانت قد رجحت الصحيفة نفسها في وقت سابق أن تضطر دولة الاحتلال، في مواجهة احتمال ترسخ الوجود التركي في سوريا، إلى تشغيل سلاح بحريتها بوسائل قتالية إضافية، ووصفت هذا الاحتمال، في عنوان تقريرها، بأنه "سيناريو الكوابيس" الذي تستعد له دولة الاحتلال في مواجهة تركيا، مستندة إلى تقدير بأن نفوذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الرئيس السوري أحمد الشرع "كبير".

ومن هنا، تطرح تساؤلات كثيرة عن المطارات التي أُعيد تشغيلها، أيها استعاد طابعه المدني، وأيها لا يزال كقاعدة عسكرية تحضى بقلق بالغ من جانب الاحتلال الإسرائيلي؟.

دير الزور تخرج من نطاق العسكرة

في 6 آب/أغسطس 2026، أعاد مطار دير الزور فتح أبوابه أمام الرحلات المدنية بعد أكثر من عقد من الإغلاق، حيث استقبل في اليوم نفسه أول رحلة داخلية من دمشق وأول رحلة دولية مجدولة من الكويت، شغلتهما الخطوط الجوية السورية، وقاد وزير الخارجية أسعد الشيباني حفل الافتتاح، وقال: "تحول مطار دير الزور من موقع كان يحمل قنابل أسقطت على المنازل والمزارع، إلى رابط يصل المجتمعات داخل سوريا ويصل سوريا بالعالم الخارجي".

وظل المطار مغلقا أمام الحركة المدنية منذ عام 2012 حين اشتد القتال حوله خلال الثورة السورية، قبل أن يعاد استخدامه كقاعدة عسكرية تابعة لنظام الأسد انطلقت منها غارات على المناطق المحيطة.

وذكر موقع "ترافيلرز توداي" أن أعمال إعادة التأهيل في مطار دير الزور بدأت رسمياً في 4 شباط/فبراير 2026 تحت إشراف الحكومة الانتقالية السورية، وأُعلن اكتمالها في تموز/يوليو الماضي.

حميميم وطرطوس: من قاعدة نفوذ روسية إلى "مركز تدريب مشترك"

على الساحل السوري، شهدت قاعدة حميميم الجوية تحولا من نوع مختلف، إذ توصلت دمشق وموسكو إلى مذكرة تفاهم أعلنتها وزارة الخارجية السورية في 9 آب/أغسطس 2026، تقضي بأن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية في مطار حميميم، فيما تعاد صياغة وظيفة المنشآت العسكرية لتتحول إلى "مراكز تدريب وتأهيل مشتركة" خلال مهلة أقصاها ثلاثة أشهر.

وكانت حميميم قد تحولت إلى مركز رئيسي لعمليات القوات الجوية الروسية منذ التدخل العسكري المباشر لموسكو في سوريا عام 2015 دعما للمخلوع بشار الأسد.

وأفادت وكالة "بلومبرغ"، في تقرير سابق بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بأن روسيا استأنفت رحلاتها العسكرية إلى حميميم بعد توقف دام ستة أشهر، استنادا إلى بيانات تتبع رحلات جوية، في مؤشر على تجدد حضورها العسكري في سوريا بعد فترة من الغموض أعقبت سقوط الأسد وحصوله على اللجوء في موسكو.

T4 (تياس): استهداف إسرائيلي مباشر لقطع الطريق على أي قاعدة تركية

في المقابل، تحوّلت قاعدة "تياس" الجوية العسكرية، المعروفة اختصاراً بـ"T4" والواقعة قرب تدمر في محافظة حمص وسط سوريا، إلى بؤرة توتر إقليمي مختلفة تماما، حين تدخلت دولة الاحتلال عسكريا بشكل مباشر لمنع أي تموضع تركي فيها من الأساس.


وكشفت وكالة "رويترز"، في تحقيق استقصائي بعد سقوط الأسد، أن فرقا عسكرية تركية كانت قد تفقدت قاعدتي "تياس" وتدمر في محافظة حمص، إضافة إلى المطار الرئيسي في محافظة حماة، لتقييم حالة المدارج والحظائر والبنية التحتية تمهيدا لاتفاق دفاعي مشترك مع دمشق كان من الممكن أن يفضي إلى قواعد تركية جديدة في وسط سوريا واستخدام تركي للمجال الجوي السوري، غير أن زيارة تفقدية أخرى كانت مقررة لقاعدتي "تياس" وتدمر في 25 آذار/مارس 2025 أُلغيت بعدما ضربتهما دولة الاحتلال قبل ساعات فقط من موعدها.

وأوضحت "رويترز" أن هذا التصعيد جاء رغم محاولات أنقرة طمأنة واشنطن بأن توسيع حضورها العسكري في سوريا "لا يهدف إلى تهديد إسرائيل"، في وقت ظلت فيه دولة الاحتلال، المتخوفة أصلا من صعود حكم إسلامي على حدودها، تضغط لدى الولايات المتحدة لكبح النفوذ التركي المتنامي في البلاد.

ونقلت صحيفة "جيروزاليم بوست" عن مسؤول إسرائيلي، وصفه لأي موطئ قدم عسكري تركي في سوريا بأنه "تهديد محتمل"، بعد تصاعد التوتر بين الطرفين منذ اندلاع حرب على غزة عام 2023، وتبادل اتهامات حادة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي وصف دولة الاحتلال بارتكاب "إبادة جماعية".

دمشق وحلب تفتحان الباب أمام التعافي

يعود مسار إعادة تشغيل المطارات السورية إلى الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام مباشرة، إذ استأنف مطار دمشق الدولي عملياته للمرة الأولى منذ سقوط الأسد في 18 كانون الأول/ديسمبر 2024، إذ إقلعت أول رحلة داخلية من دمشق إلى حلب على متن طائرة "إيرباص A320" عمرها 24 عاما، بينما حلقت طائرة تابعة لـ"الملكية الأردنية" فوق الأجواء السورية المفتوحة من جديد في طريقها إلى بيروت.

وفي مطلع كانون الثاني/يناير 2025، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السوري استئناف الرحلات الدولية من مطار دمشق اعتبارا من الأسبوع التالي.

وبحسب ما نقلته وكالة "رويترز"، ونقلت عن رئيس الهيئة السابق أشهد الصليبي طمأنته شركات الطيران العربية والدولية بأن "مرحلة إعادة تأهيل مطاري حلب ودمشق" بدأت فعلياً بمساعدة شركاء الهيئة، تمهيداً لاستقبال رحلات من مختلف أنحاء العالم.

ومطار حلب الدولي، استأنف حركة الطيران في 18 آذار/مارس 2025، بعدما فُتح ممر جوي جديد باتجاه البحر المتوسط شمال البلاد ساعد على إحياء الحركة التجارية عبر مطار المدينة الشمالية.

وكانت الخطوط الجوية السورية تستعد لتشغيل رحلات جديدة إلى موسكو والمدينة المنورة اعتبارا من منتصف آب/أغسطس 2026، في مؤشر إضافي على استمرار زخم تعافي قطاع الطيران، ولا تزال شركات طيران أوروبية وآسيوية وأمريكا الشمالية الكبرى غائبة، حيث أن استمرارية هذا الانتعاش ستبقى مرتبطة باستقرار الأوضاع الأمنية الإقليمية.

قاعدة الشعيرات

برزت قاعدة الشعيرات الجوية في محافظة حمص كواحدة من أبرز المواقع التي استعادت بعض قدراتها، حيث شهدت القاعدة أول الطلعات لطائرات سو-22 في أيلول/ سبتمبر 2025.


واستمرت هذه الطلعات التدريبية لاحقا، بما في ذلك تحليقات فوق شمال سوريا وإدلب، في نجاح محدود في إصلاح الطائرات والمدارج ومرافق الصيانة الأساسية، مما جعل القاعدة مركزا رئيسيا للحفاظ على قدرة تشغيلية رمزية لسلاح الجو الجديد.

كويرس.. قاعدة خالد بن الوليد

في شرق حلب، أعيد تفعيل قاعدة كويرس الجوية، التي باتت تعرف بقاعدة خالد بن الوليد. استُخدمت هذه المنشأة ككلية جوية أساسية، حيث جرى في يوليو 2026 تخريج أكثر من ألف صف ضابط في حفل تخللته عروض جوية بطائرات تدريب من طراز L-39 ومروحيات مي-24. شملت الأعمال إصلاح الحظائر والمرافق، مما جعل القاعدة محوراً رئيسياً لإعادة بناء الكوادر الجوية بعد سنوات من الاستنزاف.

مطار المزة العسكري.. كابوس السوريين

أعلنت هيئة الطيران المدني السوري عمر الحصري، منتصف العام الماضي، اتخاذ قرار بتحويل مطار المزة العسكري في العاصمة دمشق إلى مطار مدني بسعة 30 مليون مسافر سنويا.

وطالما شكل مطار المزة كابوسا للسوريين، إذ استخدمه نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد لقصف المدنيين على مدار 14 عاما من عمر الثورة على حكمه، لا سيما في مناطق بمحافظات دمشق وريف دمشق ودرعا والقنيطرة جنوبا، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وموجات نزوح كبيرة.

مطار القامشلي.. من قاعدة روسية إلى إدارة مدنية سورية

خضع مطار القامشلي الدولي، الواقع قرب الحدود التركية شمال شرقي سوريا، لإدارة عسكرية روسية منذ سنوات الحرب، قبل أن تنسحب القوات الروسية منه في كانون الثاني/يناير 2026 في إطار اتفاق وقف إطلاق نار بين الحكومة السورية وقوات "قسد" الكردية، فيما تولت الهيئة العامة للطيران المدني السوري رسميا إدارة مطار القامشلي في 21 شباط/فبراير 2026، تمهيداً لإعادة تشغيله أمام الرحلات المدنية.