العراق يعيد رسم خريطة تصدير النفط بعيدا عن هرمز.. 5 أطراف أمام معادلة جديدة

يدخل مشروع خطوط الأنابيب العراقية مرحلة جديدة بمشاركة شركات أمريكية وقطرية- جيتي
في خضم حرب لا تزال تعيد تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، يبدو أن العراق قرر أن يرسم مشروع شبكة جديدة للطاقة في المنطقة بعيدا عن مضيق هرمز والصراع الجاري فيه.

وبين ليلة وضحاها، انتقل المشروع النفطي المتلكئ لعقود، إلى مرحلة التنفيذ الفعلي بمشاركة شركات أمريكية كبرى وبرعاية سياسية مباشرة من واشنطن.

ويطرح هذا التحول جملة من التساؤلات حول دلالاته الفعلية على موازين القوى بين خمسة أطراف إقليمية ودولية دفعة واحدة، وما الذي يمكن أن يترتب عليه من تغيرات في حسابات هذه الأطراف.

وتعرضت معظم صادرات النفط العراقية للاضطراب في الأشهر الأخيرة بعد توقف حركة الشحن عبر مضيق هرمز، مما حال دون مغادرة ناقلات النفط موانئ البصرة، وقد دفع هذا الاضطراب الحكومة العراقية إلى تسريع خططها طويلة الأمد لإنشاء طرق تصدير إلى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر.

وأعلن العراق اتفاقية مع ائتلاف شركات بقيادة عملاق النفط الأمريكي "شيفرون"، إلى جانب شركة "تي آي كابيتال" الأمريكية وشركة "يو إس إس" القطرية، لتنفيذ خطوط أنابيب استراتيجية جديدة تتفرع نحو منافذ بحرية مختلفة: بانياس السوري والعقبة الأردني وجيهان التركي، بكلفة 15 مليار دولار وطاقة تصميمية تبلغ مليوني برميل يوميا، بحسب ما أعلنه وزير النفط العراقي باسم محمد خضير.

وراء الأرقام الهندسية لهذا المشروع، تختبئ إعادة ترتيبات جيوسياسية عميقة لموازين القوى بين خمسة أطراف إقليمية ودولية في آن واحد: إيران وتركيا وسوريا والأردن وإقليم كردستان، تحت مظلة أمريكية صريحة الأهداف.

إيران.. الهدف المعلن لهذا التحول

يصف السفير الأمريكي توم باراك، المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق، في تدوينة عبر منصة إكس، الاتفاقيات الجديدة "يكمن مستقبل العلاقات الأمريكية العراقية في الاستثمار والتجارة والفرص الاقتصادية، وليس الأمن فحسب، فالعراق، بموقعه الاستراتيجي في قلب الشرق الأوسط، يتمتع بموقع فريد يُمكّنه من ربط المنطقة من خلال تعزيز التكامل مع دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا وسوريا والأردن وآسيا الوسطى والبلقان والقوقاز، خطوط أنابيب جديدة للطاقة، وسبل جديدة للتقدم، عراق أكثر ازدهارا يعني منطقة أكثر استقراراً، وفرصا حصرية للشركات الأمريكية".



ولا تخفي واشنطن أن هذا هو جوهر الحسابات الجيوسياسية للمشروع؛ فمنذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من الإمدادات النفطية العالمية، بات وضوحاً أن اعتماد بغداد شبه الكامل على منفذ تصدير جنوبي واحد يمنح طهران ورقة ضغط جيوسياسية مباشرة على اقتصاد بلد تعتمد موازنته العامة بأكثر من 90% على العائدات النفطية.

ويرى ياسر المالكي، محلل شؤون الخليج في نشرة "ميس" (MEES) المتخصصة، أن خطا عراقيا سورياً معاد ترميمه "سيقلل من اعتماد العراق على هرمز ويُضعف قدرة إيران على استخدام تعطيل المضيق كمصدر نفوذ استراتيجي".


وفي المقابل، حذرت شبكة "سي إن بي سي" الأمريكية، نقلا عن محللين، من أن هذا التفاؤل قد يكون سابقا لأوانه، إذ إن البنية التحتية الجديدة نفسها "تبقى عرضة للخطر"، في وقت لا يزال فيه إنتاج العراق متراجعا بأكثر من 50 بالمئة منذ اندلاع الحرب، من 4.2 مليون برميل يومياً إلى 1.9 مليون فقط بحلول حزيران/يونيو.

تركيا.. منافس تحت ضغط الوقت

يمثل هذا التنويع أكبر تهديد مباشر لموقع تركيا التفاوضي التاريخي بصفتها المنفذ شبه الوحيد لنفط شمال العراق نحو المتوسط، إذ خاض العراق نزاعا قانونيا طويلا مع أنقرة بين عامي 2014 و2018 بشأن صادرات إقليم كردستان غير المصرح بها، انتهى بتحكيم دولي ألزم تركيا بدفع 1.5 مليار دولار لبغداد، وأدى إلى وقف خط جيهان بالكامل في آذار/مارس 2023 قبل إعادة تشغيله جزئيا في آذار/مارس 2026 بمعدل 250-300 ألف برميل يوميا فقط.


ومطلع الشهر الجاري، وقع البلدان اتفاقا بعمر عام واحد فقط لضمان استمرار تشغيل الخط عقب انتهاء الاتفاق السابق في 26 تموز/يوليو، بحسب ما أعلنه وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار في تدوينة على منصة إكس.

ولم تكتف أنقرة بمراقبة الموقف، إذ تحركت بمحاولة استباقية عبر اقتراح توسعة لخط كركوك-جيهان تمتد جنوبا حتى البصرة بسعة 1.5 مليون برميل يوميا.

سوريا: من العزلة إلى مركز ثقل إقليمي مدعوم أمريكيا

يمثل هذا المشروع، بالنسبة لدمشق ما بعد الأسد، أكبر مكسب جيوسياسي واقتصادي فردي حتى الآن؛ فقد كان خط "كركوك-بانياس" الأصلي، المكتمل عام 1952 بطول 895 كيلومترا، يخدم لعقود تصدير نفط كركوك عبر سوريا نحو أوروبا، قبل أن يتوقف لأسباب سياسية وأمنية طويلة الأمد.

وبرعاية أمريكية مباشرة، وقعت الشركة السورية للبترول مذكرتي تفاهم مع كل من شركة نفط البصرة العراقية وائتلاف "شيفرون"، في خطوة وصفتها السفارة الأمريكية في بغداد بأنها "خطوة تاريخية" و"حيوية" لتعزيز الأمن والاستقرار عبر الترابط الإقليمي.

ويرى المحلل المستقل في الشأن الشرق أوسطي سرهنك حمه سعيد، في تصريح لموقع "ميدل إيست آي"، أن هذا التحول يعكس تغيرا جوهرياً في نظرة بغداد لدمشق، قائلاً: "بدأ العراق يرى سوريا بنظرة مختلفة. قبل الحرب، كان هناك تشكك، لكن واقع الحرب أوضح أن العراق يحتاج إلى سوريا".


وبعيدا عن الأثر الاقتصادي، يحمل هذا التقارب رسالة سياسية مزدوجة: فهو يكرس شرعية الحكم الجديد في دمشق كشريك اقتصادي موثوق لدى واشنطن وبغداد معا، بينما يمنح سوريا نفوذا جيوسياسيا متجددا كممر عبور إقليمي لم تكن تملكه في ظل النظام السابق المتحالف مع طهران.

الأردن.. حلم مؤجل منذ الثمانينيات

لم يكن مسار "البصرة-العقبة" فكرة جديدة أفرزتها أزمة هرمز الأخيرة، بل مساعي أردنية عراقية تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأ العراق آنذاك يبحث عن منفذ تصدير بديل خلال الحرب مع إيران.

وأعيد إحياء المشروع رسميا عام 2013 حين وقع البلدان اتفاقا إطاريا لبناء خط بطول يقارب 1700 كيلومتر، قبل أن يصطدم لأكثر من عقد كامل بسلسلة عقبات متلاحقة حين سيطر تنظيم "الدولة" على محافظة الأنبار التي يفترض أن يمر عبرها الخط عام 2014، ثم تعثر اقتصادي وضغوط سياسية في عهد رئيس الوزراء حيدر العبادي، ثم محاولة فاشلة أخرى من رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي عام 2020 بالتعاون مع الأردن ومصر، أحبطتها تهديدات فصائل موالية لإيران

وقدرت الحكومة الأردنية كلفة المشروع ما بين 7 و9 مليارات دولار، على أن يمنح المملكة حق شراء 150 ألف برميل يوميا لتكريرها في مصفاة الزرقاء، فيما يصدَّر الباقي إلى مصر والأسواق العالمية، بحسب موقع "غلوبال إنرجي مونيتور".

ومن الناحية الجيوسياسية، يمنح إحياء هذا المسار عمّان، التي لطالما وقفت على هامش معادلات الطاقة الإقليمية الكبرى ووصفها العاهل الأردني عبدالله الثاني بأنه مشروع يوفر لبلاده "مصدرا موثوقا للدخل واستقرارا في الأسعار وأمنا للطاقة" في مواجهة تكاليف طاقة متصاعدة كانت من أسباب اضطرابات شعبية سابقة.

إقليم كردستان:=.. الطرف الأضعف في المعادلة الجديدة

على النقيض من الأطراف الأخرى التي تكسب نفوذا أو تحافظ عليه، يبدو إقليم كردستان الخاسر الأكبر جيوسياسيا من هذا التحول، إذ اقترحت تركيا نفسها، توسعة لخط جيهان "تتجاهل تماماً" شبكة الأنابيب الكردية القائمة، بينما تفضل بغداد، في مراحل سابقة من الأزمة، إعادة تشغيل الخط القديم لنقل نفط كركوك مباشرة "دون المرور بإقليم كردستان"، بعدما رفضت وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم طلبا من الحكومة الاتحادية لاستئناف التصدير عبر خط الإقليم لتعويض توقف الصادرات الجنوبية.

التقاطع بين رغبة بغداد باستعادة السيطرة المركزية على قرار التصدير، ومحاولة أنقرة تجاوز الإقليم بمقترحها التوسعي، يضع أربيل في موقع دفاعي غير مسبوق إزاء ملف كان يمثل تاريخيا أحد أهم أوراق استقلالها المالي والسياسي عن بغداد.