نشرت صحيفة "
فايننشال تايمز" تقريراً أعدته راية الجلبي وأديتي بانداري قالتا فيه إن
إسرائيل تقوم بجهود مقصودة لتدمير الجنوب وجعله غير قابل للحياة.
وقالت إن بيت فادية بازي في بنت جبيل امتلأ في بداية كانون الثاني/يناير بالضحك والفرح على مدى ثلاثة أيام احتفالاً برأس السنة، وعندما رحل الجميع، أدركت أنها لم تصوّر قط المنزل الذي أنفقت عليه كل مدخراتها. ولكن في ذلك المساء، وهي تنظر إلى الجدران الزجاجية التي تحيط بالتلال المتموجة، شعرت بيقين أنها تراه للمرة الأخيرة.
وفي منتصف الطريق، استدارت، ورفعت هاتفها، والتقطت صورة. بعد ذلك بوقت قصير، عادت الحرب إلى
لبنان، فاجتاحت بنت جبيل وأفرغت البلدة من سكانها البالغ عددهم 30,000 نسمة.
تخشى بازي الآن أن تكون هذه الصورة هي كل ما تبقى لها. فمثل معظم البلدات الأخرى على طول الحدود الفعلية بين دولة الاحتلال ولبنان، دُمِّرت بنت جبيل - أولاً في الاشتباكات بين إسرائيل وحزب الله، ثم على يد القوات الإسرائيلية التي تحتل الآن أجزاءً واسعةً من
جنوب لبنان.
وقد انتشر النازحون اللبنانيون، بمن فيهم بازي ونحو مليون نازحٍ، في أنحاء البلاد، واضطروا إلى الاعتماد على صور الأقمار الصناعية بحثاً عن أي أثر لمنازلهم. لكن من بعيد، تبدو بنت جبيل والمناطق الحدودية الأخرى كآثار رمادية باهتة على تلال كانت تعج بقرى عريقة وبيوت حجرية تقليدية وبساتين زيتون، وكأنها سطح قمري من الخرسانة المدمرة.
وتقول بازي، التي نزحت من بنت جبيل على يد إسرائيل في طفولتها في ثمانينيات القرن الماضي، وتتوق للعودة إليها نهائياً، من شقتها المستأجرة في بيروت: "لا نرى سوى الدمار، بلون الرماد". ولا تزال غير متأكدة من حجم الأضرار التي لحقت بمنزلها. وتضيف: "لقد أصبحنا أسرى الأقمار الصناعية، أسرى الخرائط، ننتظر".
وكشف تحقيق مرئي أجرته "فايننشال تايمز" بالتعاون مع منظمة "لايتهاوس ريبورتس" الإخبارية عن دمار ممنهج في جنوب لبنان المحتل من قِبل إسرائيل، شمل عشرات الآلاف من المنازل والمدارس والأراضي الزراعية والغابات.
ويظهر تحليل صور الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة ولقطات موثقة أن معظم الأضرار وقعت بعد أن سيطرت قوات الاحتلال الإسرائيلية على القرى المهجرة في منتصف نيسان/أبريل.
وقد جعل هذا الأمر مساحاتٍ شاسعة غير صالحة للعيش ودمر الأنظمة الضرورية للحياة المدنية، من البنية التحتية للمياه والطاقة إلى الرعاية الطبية، وهو تكتيك تقول منظمات حقوقية وخبراء قانونيون إنه مصممٌ على ما يبدو لمنع عودة السكان.
وقالت كريستين بيكرلي، نائبة مدير أمنستي إنترناشونال: "إنه هجوم واسع النطاق وطويل الأمد ومنظم على شعب جنوب لبنان، وإذا سُويت كل شيء بالأرض، البنية التحتية الحيوية والرعاية الصحية، وإذا أُحرقت الأرض، فإنك تنشئ أراضٍ قاحلة فعلياً غير صالحة للعيش وتجعل من الصعب للغاية على الناس العودة إلى جنوب لبنان".
وتضيف الصحيفة أن الجنوب لطالما تعرض لوطأة القصف والاحتلال الإسرائيلي، حتى قبل صعود حزب الله. وبعد أسابيع من بداية الحرب الأخيرة، لجأ وزير الحرب يسرائيل كاتس إلى نهج مختلف، وهو النهج الذي استخدم بنتائج كارثية بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023: "نموذج رفح وبيت حانون"، في إشارة إلى التدمير الإسرائيلي الشامل لمدن في غزة. قال كاتس: "سيتم تدمير جميع المنازل في القرى اللبنانية القريبة من الحدود".
وادعى كاتس أنه نفذ تهديده و: "دمرنا جميع المباني في 24 قرية لبنانية، عمرها مئات السنين"، متباهياً بهدم ما يصل إلى 20,000 منزل، و"ليس منزلاً تلو الآخر، بل قرى بأكملها"، ويأتي هذا الدمار في ظل ما تزعم إسرائيل أنه محاولة لتفكيك بنية حزب الله في الجنوب.
وبدأت الحرب في الثاني من آذار/مارس، بعد أيام من شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران، ووفقاً للسلطات المحلية، فقد استشهد أكثر من 4,300 شخص في لبنان، وقتل أكثر من 30 جندياً ومستوطناً إسرائيلياً في المواجهات.
استمر القتال لأسابيع، لكن معظم الدمار الذي وثقته صحيفة "فايننشال تايمز" و"منظمة لايتهاوس" حدث بعد وقف إطلاق النار الأولي بين تل أبيب وبيروت في 17 نيسان/أبريل.
ورغم أن الهدنة لم تصمد، واستمرت بعض الاشتباكات حتى بعد وقف إطلاق النار الأخير في حزيران/يونيو، إلا أن القوات الإسرائيلية التي كانت قد أحكمت سيطرتها بالفعل واصلت قصفها بالقنابل الكهرومغناطيسية، والتفجيرات المتحكم بها عن بُعد، والجرافات، واستخدام الفوسفور الأبيض.
وتقول الصحيفة إن الاحتلال الإسرائيلي أصبح الآن راسخاً بعمق، والمنطقة الخاضعة لسيطرته محددة بما تسميه "الخط الأصفر"، تغطي هذه المنطقة حوالي 6 بالمئة من الأراضي اللبنانية، وتمتد حوالي 10 كيلومترات داخل اليابسة من الحدود غير الرسمية.
لكن على أرض الواقع، تُعدّ هذه الحدود غامضة، بلا حدود رسمية، ولا يوجد سوى نقطة تفتيش واحدة على الطريق الساحلي قرب الناقورة. وفي الأسبوع الماضي، أمرت سلطات الاحتلال سكان قرية تقع فوق الخط بالفرار، قبل أن تقصفها، وهو أول تحذير من نوعه منذ أسابيع.
وخلال رحلة إلى جزء من المنطقة المحتلة أواخر نيسان/أبريل، شاهدت "فايننشال تايمز" قرى بأكملها لم يبقَ منها إلا القليل من المباني: أسواق تاريخية، وساحات، وشوارع متعرجة تحولت إلى بحر من الخرسانة.
كما استمر دوي الانفجارات، على ما يبدو بسبب عمليات هدم المباني، طوال اليوم. ووفقاً للمجلس الوطني للبحوث العلمية، وهو معهد بحثي لبناني عام، تقع 62 قرية ومزرعة داخل الخط الأصفر، ويُمنع نحو 270,000 نسمة من العودة إليها.