تدخل المواجهة بين أمريكا وإيران مرحلة جديدة من الجمود، مع غياب التقدم الدبلوماسي واستمرار الضغوط
الاقتصادية الأمريكية، بينما يتمسك كل طرف بموقفه ويراهن على قدرة خصمه على
التراجع أولًا.
وأكدت صحيفة
"نيويورك تايمز" أن الولايات المتحدة وإيران دخلتا مرحلة من المواجهة المستمرة،
في ظل غياب أي تقدم دبلوماسي وعدم استئناف القتال، فيما بات كل طرف يعتقد أنه قادر
على تحمل الضغوط لفترة أطول، وسط مخاوف من عودة القتال أو استمرار حالة الجمود لفترة
أطول.
وأشارت الصحيفة، في
تقرير أعدته مراسلتها للشؤون
الإيرانية يغانة تورباتي، إلى أن جوهر الوضع الحالي يقوم
على حسابات، وربما حسابات خاطئة، من جانب الطرفين. فالمسؤولون الإيرانيون يرون أن مكاسب
الصمود أمام الضغوط الاقتصادية الأمريكية والحفاظ على السيطرة على
مضيق هرمز تفوق ما
يمكن أن تحصل عليه طهران مقابل تقديم تنازلات كبيرة في اتفاق تفاوضي، وفقًا لما يقوله
بعض المحللين.
وفي المقابل، تتابع
"نيويورك تايمز"، تراهن الولايات المتحدة على نجاح الحصار الاقتصادي ضد إيران
بعدما أخفقت الضربات العسكرية في تحقيق أهدافها. وفي يوم الأربعاء، تعهد الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب بفرض "عواقب اقتصادية وخيمة" على الدول التي تتعامل تجاريًا
مع إيران.
ورغم ذلك، أكدت الصحيفة
أن أيًا من الطرفين، الولايات المتحدة أو إيران، لم يحقق حتى الآن ما يسعى إليه.
وكان الاتفاق على وقف
إطلاق النار بين البلدين قبل شهرين يفترض أن يمهد الطريق أمام اتفاق أوسع خلال 60 يومًا،
يتناول البرنامج النووي الإيراني ورفع
العقوبات الأمريكية. لكن الموعد النهائي انقضى
هذا الأسبوع، فيما قال ترامب يوم الثلاثاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي إنه "لا
توجد محادثات أو حوارات" جارية أو مرتبة.
وتابعت الصحيفة أن
الطرفين يعيشان بدلًا من ذلك ما وصفته نيكول غراجيفسكي، الأستاذة المساعدة في مركز
الدراسات الدولية بمعهد العلوم السياسية في باريس، بـ"حالة من الترقب الدائم".
وقالت غراجيفسكي:
"لم يتغير الكثير جوهريا خلال الأشهر القليلة الماضية، باستثناء ترسيخ إيران لموقفها،
ومحاولات أمريكية متكررة، لم تكلل بالنجاح حتى الآن، لإيجاد مخرج ما".
وأشارت "نيويورك
تايمز" إلى أن طهران أعلنت هذا الشهر قائمة مطالب من واشنطن لإعادة فتح مضيق هرمز،
الذي يمتد على طول الساحل الجنوبي لإيران ويعد ممرًا رئيسيًا لجزء كبير من النفط العالمي.
وتشمل المطالب رفع
العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، ودفع تعويضات الحرب. وكانت شروط مماثلة قد طُرحت
سابقًا ضمن اتفاق محتمل بين الجانبين، وجاءت في مذكرة تفاهم وُقعت في يونيو الماضي،
قبل أن تنهار سريعًا.
وتابعت الصحيفة أن
إيران تتفاوض منذ عدة أسابيع مع سلطنة عمان بشأن إدارة المضيق مستقبلًا، لكن قائمة
المطالب تشير إلى أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق، ستواصل القوات الإيرانية تهديد
حركة الملاحة البحرية ومهاجمتها.
وأشارت إلى تعرض سفينتين
على الأقل لهجوم في المضيق خلال الأيام الأخيرة.
وقال مهرزاد بروجردي،
عميد كلية الآداب والعلوم والتربية بجامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا: "بعد أن
تعافت طهران من الصدمة الأولية للحرب، باتت عازمة على إظهار قوتها".
وأضاف: "ينبغي
فهم استغلال إيران لمضيق هرمز ونهجها المتشدد في المفاوضات المتوازية مع الولايات المتحدة
وسلطنة عمان في هذا السياق".
وأكدت "نيويورك
تايمز" أن خطاب ترامب شهد تذبذبًا خلال الأشهر القليلة الماضية بين التهديد بالإبادة
والحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق دبلوماسي.
وإذا كان الهدف من
هذا النهج هو دفع المسؤولين الإيرانيين إلى تقديم تنازلات، فإن الصحيفة أشارت إلى أنه
يبدو أنه حقق نتيجة عكسية، إذ يبدو أن المسؤولين الإيرانيين اقتنعوا بأن ترامب غير
مستعد لإعادة إشعال حرب يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، ولا تحظى بشعبية لدى
الرأي العام الأمريكي، خصوصًا قبل انتخابات التجديد النصفي.
ونقلت الصحيفة عن أليكس
فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، قوله: "يبدو أن إيران تعتقد
أن الولايات المتحدة ستمل في نهاية المطاف من مواجهة مكلفة ومفتوحة".
وفي الوقت نفسه، شددت
الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية على إيران. وقال جاريد كوشنر، صهر ترامب ومبعوثه،
لقناة "فوكس نيوز" يوم الاثنين إن المسؤولين الإيرانيين "لا يبدون أي
اهتمام بالقيام بأي شيء يفيدنا".
وعندما سُئل عن وضع
المفاوضات، أشار كوشنر إلى الحصار البحري الهادف إلى زيادة إضعاف الاقتصاد الإيراني،
باعتباره محور تركيز ترامب الحالي.
وفي يوم الثلاثاء،
قال ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي إن الحصار لا يزال قائمًا بالكامل، كما أكد
أن المضيق مفتوح بالكامل، رغم إشارة المسؤولين البحريين إلى الهجمات التي تعرضت لها
السفن خلال الفترة الأخيرة.
وقال وزير الخزانة
الأمريكي سكوت بيسنت، في مقابلة حديثة مع قناة "نيوزماكس"، إن وزارته تعتزم
تطبيق إجراءات "لم يسبق لها مثيل في تاريخ العزلة الاقتصادية" ضد أي دولة.
وأشارت "نيويورك
تايمز" إلى أن الحكام الإيرانيين سبق أن تمكنوا من تجاوز ضغوط اقتصادية دولية،
رغم موافقتهم على تقديم تنازلات بشأن برنامجهم النووي عام 2015، بعد تشديد العقوبات
خلال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.
وبالنظر إلى موقف طهران
حتى الآن، فمن المرجح أن يتحمل الشعب الإيراني التكلفة المباشرة للعقوبات، في وقت يعاني
فيه بالفعل من تضخم شديد ويواجه صعوبات في توفير السلع الأساسية.
وقال بروجردي إن إيران
"ستحاول، في مواجهة العقوبات الأمريكية، تحميل شعبها العبء الاقتصادي الناتج عنها
لأطول فترة ممكنة، رهانًا على أن واشنطن ستتراجع أولا".
وتابعت الصحيفة أن
المرشد الأعلى الإيراني، عين موالين متشددين له في مناصب عسكرية
رئيسية، في إشارة إلى نيته إبقاء البلاد في حالة تأهب قصوى.
وقال فاتانكا إن تجدد
الصراع يمكن أن يجر معه البنية التحتية الإقليمية للطاقة، والقواعد الأمريكية في الشرق
الأوسط، والشحن التجاري.
وفي الوقت الراهن،
أكدت "نيويورك تايمز" أن استمرار حالة الجمود يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا،
في ظل بقاء القضايا الأساسية دون حل، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز.
وقالت غراجيفسكي:
"كلما طال أمد هذا الوضع المعلق، ازداد رسوخا وازدادت صعوبة إيجاد مخرج يمكن لأي
من الطرفين تقديمه بصورة مختلفة عن كونه تنازلا".