هل تعيد غزة تشكيل مفهوم الإبادة الجماعية في القانون الدولي؟

مكافأة مرتكبي الإبادة بدل محاسبتهم قد تغير مستقبل القانون الدولي بأكمله- جيتي
في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، وما رافقها من ارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، تتصاعد التحذيرات من أن تداعيات ما يجري لن تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل قد تمتد لتعيد تشكيل مفهوم المساءلة في القانون الدولي، وتفتح الباب أمام سابقة قد تشجع دولا أخرى على ارتكاب جرائم مماثلة إذا اقترنت بالإفلات من العقاب وتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية.

وفي هذا الإطار، قال أستاذ دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة براون، عمر بارتوف، إن جرائم الإبادة الجماعية تنتهي، في معظم الحالات، بأحد مسارين: إما أن ينجح مرتكبوها في تحقيق أهدافهم، أو أن توقفهم قوة عسكرية وتتم مساءلتهم على ما ارتكبوه.

وأستذكر في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، وترجمته "عربي21"، أن الجيش الإمبراطوري الألماني بدأ عام 1904 حملة كادت أن تقضي على شعبي الهيريرو والناما في ما كان يعرف آنذاك بجنوب غرب أفريقيا الألمانية، وهي ناميبيا اليوم، عبر الطرد القاتل إلى الصحراء، والاحتجاز في معسكرات العمل القسري، والقتل المباشر، دون أن يتدخل أحد.

وأشار إلى أن المشهد كان مختلفا بعد هزيمة النظام النازي في الحرب العالمية الثانية، إذ جرت محاكمة مرتكبي إبادة اليهود والجرائم الجماعية الأخرى في نورمبرغ، كما انتهت جرائم إبادة جماعية أخرى بهزيمة عسكرية لمرتكبيها، كما حدث في كمبوديا عام 1979، ورواندا عام 1994، والبوسنة عام 1995، وهو ما أفضى إلى قدر من المحاسبة، مهما كان متأخرا أو غير مكتمل، وجعل إنكار تلك الجرائم مستحيلا.

ولفت إلى أن الدول التي ارتكبت جرائم إبادة جماعية وأفلتت من العقاب أو غابت مساءلتها لاحقا، واصلت الاستفادة من نتائج أفعالها الإجرامية، مبينا أن الهدف من استحداث مفهوم الإبادة الجماعية وتقنينه بعد الحرب العالمية الثانية كان منع استمرار هذه الديناميكية القائمة على الإفلات من العقاب وتحقيق المكاسب.

ورأى بارتوف أن ما شهده قطاع غزة، في ظل اتهام دولة الاحتلال الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية بارتكاب إبادة جماعية عقب أحداث السابع من أكتوبر، ينذر بمستقبل جديد لهذه الجريمة، قد يدفع دولا أو قادة آخرين إلى تبني سياسات إبادة جماعية وهم على يقين من أنهم لن يفلتوا من العقاب فحسب، بل قد يجنون منها فوائد أيضا، كما قد يمنح الدول والمنظمات الدولية التي التزمت سابقا بمنع الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها مبررا للتراجع عن هذا الالتزام.

وأشار إلى أنه منذ دخول وقف إطلاق النار الحالي في غزة حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر، وإقرار مجلس الأمن لخطة الرئيس ترامب ذات العشرين نقطة في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر، استشهد أكثر من ألف مدني فلسطيني في هجمات إسرائيلية، بينما بات جيش الاحتلال يسيطر على نحو 70 في المئة من القطاع، في حين يعيش مليونا فلسطيني، كانوا يقيمون سابقا في واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، داخل ثلث مساحة القطاع فقط، محاولين البقاء على قيد الحياة في مناطق مدمرة تفتقر إلى أبسط مقومات البنية التحتية الإنسانية.


وأضاف أن المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب بدأت في منتصف كانون الثاني/ يناير، عقب وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى الإسرائيليين بالأسرى الفلسطينيين، وتهدف إلى نزع السلاح بالكامل وإعادة إعمار القطاع، على أن تتولى إدارة العملية هيئة فلسطينية انتقالية تكنوقراطية، تحت إشراف مجلس دولي للسلام يرأسه ترامب.

وعلى المدى الطويل، تحدثت الإدارة الأمريكية عن إنشاء "غزة الجديدة" كمشروع تبلغ قيمته مليارات الدولارات، مع خطط لبناء قاعدة عسكرية وبشرية رئيسية للقوات متعددة الجنسيات، وهو ما سيؤدي، بحسب الكاتب، إلى حصر الفلسطينيين في دور عمال البناء ومقدمي الخدمات للأثرياء الذين سيقيمون على الأرض التي كانت يومًا أرضهم.

كيف وصلنا إلى هنا؟

أجاب بارتوف بأن القيادة السياسية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي نفذت عملية في غزة أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 70 ألف شخص، كما اعترف جيش الاحتلال الإسرائيلي الآن، معظمهم من المدنيين، وإصابة ما يقرب من 200 ألف، فضلا عن التسبب في وفاة أعداد هائلة بصورة غير مباشرة نتيجة التدمير الكامل للمرافق الطبية والمساكن والبنية التحتية، إضافة إلى الحرمان من الغذاء والمياه النظيفة.

وأشار إلى أنه كتب في تموز/ يوليو 2025، وبصفته باحثا في دراسات الإبادة الجماعية، أنه يرى في ذلك محاولة متعمدة لتدمير الفلسطينيين في غزة، كليا أو جزئيا، وأن العملية بلغت الحد الذي يحدده تعريف جريمة الإبادة الجماعية الوارد في اتفاقية عام 1948.


واعتبر أن من غير المرجح أن تواجه دولة الاحتلال مساءلة عن أفعالها، موضحا أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وكذلك بحق أحد مسؤولي حماس الذي تبين لاحقا أنه استشهد.

وحاولت الولايات المتحدة تقويض المحكمة، بينما زار نتنياهو البيت الأبيض مرارا، في محاولة، بحسب التقارير، لإقناع ترامب بشن هجوم على إيران، ورأى أنه رغم احتمال إدانة دولة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا، فإن آثار أي حكم ستظل غير واضحة ما دامت دولة الاحتلال تحظى بدعم الولايات المتحدة في مجلس الأمن، الذي يُعد الذراع التنفيذية لمحكمة العدل الدولية.

وأشار إلى أن قادة الاحتلال الإسرائيلي، على الأرجح، لن يخضعوا للمساءلة، إلا إذا سلمتهم حكومة احتلال جديدة في وقت ما إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعدما تمتنع عن محاكمتهم داخل الأراضي المحتلة وتسعى إلى استعادة المكانة الدولية للدولة، وهو احتمال وصفه بالبعيد.

وأضاف أن خطة ترامب ذات العشرين نقطة تتجاوز فعليا أي مساءلة أو عقاب محتملين لمهندسي هذه الجريمة، من خلال الوعد بمستقبل مشرق لجميع الأطراف، في وقت يُتوقع فيه أن تتراجع الدعوات إلى إعادة قدر من الحياة الطبيعية للفلسطينيين، بينما تنشغل دولة الاحتلال وحلفاؤها ببناء مدينة مثالية، متسائلا: فما جدوى إثارة الاتهامات القديمة بينما يوشك عالم جديد جريء على الظهور؟.

ورغم أن دولة الاحتلال تواجه عزلة دولية متزايدة، إلى جانب تصاعد حالة الاستياء منها بين الأمريكيين من مختلف التوجهات السياسية، فإن بارتوف يرى أن الخطط المطروحة لـ"غزة الجديدة" قد تسهم في الحد من هذه الضغوط، أو حتى قلبها، عبر إقناع الرأي العام المنشغل بأزمات العالم بأن قضية غزة قد انتهت بطريقة ترضي جميع الأطراف.

وأشار إلى أن نجاح رؤية خطة ترامب سيعني أن الحكومة الأمريكية، أو رجال أعمال أمريكيين يعملون بالنيابة عنها، سيبيعون حقوق التأجير والبناء على أراضٍ صودرت من سكانها، في وقت يُتوقع أن ترتفع فيه قيمة تلك الأراضي إلى مستويات هائلة.

وأضاف أن مجموعة من كبار رجال العقارات، وربما من بينهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف والرئيس ترامب نفسه، أو الشركات التي يروجون لها، سيحققون ثروات طائلة من خلال تحويل محو القطاع إلى فرصة استثمارية دولية. ولفت إلى أن الساحل سيهيمن عليه مشروع عقاري فاخر يضم أبراجًا متعددة الاستخدامات تبدو مخصصة للشراء الأجنبي والسياحة، بما يحقق أرباحًا للمطورين، بينما سيكون من شبه المؤكد أن الفلسطينيين لن يتمكنوا من تحمل تكاليف السكن على الأرض التي كانت يوما أرضهم.

واعتبر أن الخطة لن تقتصر على القضاء شبه الكامل على تاريخ غزة ومجتمعها، بل ستحولها أيضًا إلى اقتصاد سوق حرة للشركات الأجنبية التي تُعرض عليها، بحسب تعبير كوشنر، "فرص استثمارية مذهلة".

وتابع أن بناء ما وصفه ترامب بـ"الريفييرا" سيتطلب ضخ السعودية ودول الخليج أموالا طائلة، مقابل وعود بتعزيز الروابط الاستراتيجية والاقتصادية مع الولايات المتحدة بصورة أكبر. وأوضح أنه حتى الآن أبدت السعودية وقطر، إلى جانب تركيا ومصر وإندونيسيا، اهتمامًا بالمشاركة عبر الانضمام إلى مجلس السلام الذي يرأسه ترامب.

وأضاف أن دولة الاحتلال، مع ترسيخ هذا المجلس سيطرته وإعادة تطوير غزة، ستحقق خطوة إضافية نحو هدفها الطويل الأمد المتمثل في القضاء على آمال الفلسطينيين في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم.

ورأى بارتوف أن دولا أخرى ستجني بدورها فوائد من الامتناع عن محاسبة الاحتلال، موضحا أن ألمانيا، بصفتها ثاني أكبر مورد للأسلحة إلى الاحتلال بعد الولايات المتحدة، وقعت عقودا كبيرة لشراء التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، كما تدافع عن نفسها أمام محكمة العدل الدولية في مواجهة اتهامات نيكاراغوا لها بتسهيل الإبادة الجماعية في غزة عبر تمويل دولة الاحتلال ووقف المساعدات عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وهو ما يمنحها، بحسب الكاتب، مصلحة سياسية واقتصادية في إغلاق هذا الملف، مع الإشارة إلى أن ألمانيا نفت تلك الاتهامات.


وأضاف أن المملكة المتحدة يعتقد أنها استخدمت قواعدها العسكرية في قبرص لدعم دولة الاحتلال، بالتزامن مع سعيها إلى تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة، فيما تحاول فرنسا الحفاظ على نفوذها السياسي في المشرق والمضي قدما بعيدا عن مسألة الإبادة الجماعية في غزة، والتي قال الرئيس إيمانويل ماكرون إن "المؤرخين سيحددونها في الوقت المناسب".

وأشار كذلك إلى أن حكومة الاحتلال تحقق مكاسب مباشرة، إذ إنه على الرغم من إلغاء بعض الحكومات الأوروبية صفقات أسلحة وفرض عقوبات على شركات الدفاع الإسرائيلية ردا على العنف في غزة، فإن صناعة السلاح الإسرائيلية واصلت ازدهارها.

وذكر أن صادرات الأسلحة الإسرائيلية ارتفعت بنسبة 30 في المئة خلال العام الماضي مقارنة بعام 2024، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 19.2 مليار دولار، وفقا لموقع "كالكاليست" الإسرائيلي المتخصص في الأخبار المالية، الذي أفاد أيضا بأن اختبار أنظمة الأسلحة في غزة أثناء القتال يمثل عنصرا ترويجيا لتسويقها، حيث أن إحداث الدمار أصبح، بهذه الصورة، مصدرا للأرباح.

واعتبر أن استمرار إفلات دولة الاحتلال من العقاب سيتيح لمواطنيها اليهود مواصلة تجاهل الإبادة الجماعية، وهو ما ستكون له تداعيات تشمل تدهور أخلاقيات دولة الاحتلال وقيمها، وتآكل سيادة القانون، وتصاعد عنف الشرطة الداخلي ضد المواطنين الفلسطينيين واليهود في الدولة، فضلا عن تقويض ما تبقى من الديمقراطية الإسرائيلية.

وفي المقابل، سيواصل سكان غزة، إلى جانب حرمانهم من أي عدالة أو مساءلة عن معاناتهم، العيش في ظروف مأساوية تحت إشراف عسكري، مع آفاق مستقبلية محدودة للغاية.

كما لفت إلى أنه منذ إعلان وزير الحرب يسرائيل كاتس، في تموز/ يوليو الماضي، أن دولة الاحتلال تخطط لإقامة "مدينة إنسانية" في جنوب قطاع غزة، لم تزد الأوضاع الميدانية إلا سوءا.

وأضاف أنه من الممكن تصور تنفيذ خطة ترامب بمساعدة قوة دولية مدعومة بعناصر أمن فلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، بهدف حصر السكان داخل تلك المدن، بحيث لا يغادرونها إلا لتقديم الخدمات للأثرياء المقيمين فيما يُعرف بـ"غزة الجديدة"، بينما يُرجح أن تُقام مستوطنات يهودية جديدة مزدهرة في الأجزاء الواسعة من القطاع التي ستظل تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي.

وأوضح أن ترامب أعلن أن مجلس السلام الذي يقود هذا التحول سيتعاون في مرحلة لاحقة مع الأمم المتحدة، إلا أن كثيرين يخشون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف المنظمة الدولية.

وأضاف أن من نتائج هذا التحول في النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب، إفراغ القانون الإنساني الدولي والمحكمتين الدوليتين اللتين أُنشئتا لحمايته من مضمونهما، بما يضمن أن تظل آمال تقديم صانعي القرار الإسرائيليين إلى العدالة بعيدة المنال، ويوجه في الوقت ذاته رسالة إلى دول أخرى مفادها أن الإفلات من العقاب سيظل ممكنا.


وأشار إلى أن البعض قد يعتبر حالة غزة استثنائية بسبب المكانة الدولية الخاصة التي تتمتع بها دولة الاحتلال نتيجة تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة واعتمادها على إرث المحرقة، وقد يرى أن دولا أخرى لا يمكنها توقع المكافأة، بل ربما العقاب، إذا ارتكبت إبادة جماعية، إلا أن ما يحدث اليوم يمثل سابقة استثنائية قادرة على تقويض الأساس الذي قامت عليه فكرة الإبادة الجماعية بوصفها جريمة يعاقب عليها القانون الدولي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وحذر بارتوف من أنه إذا مضت الخطط الجاري إعدادها لغزة نحو التنفيذ، فقد تنظر بعض الدول إلى الإبادة الجماعية باعتبارها امتدادا مشروعا ومربحا للسياسة بوسائل أخرى.

وأضاف أنه، في الحد الأدنى، قد تصبح الدول التي ستستفيد بصورة أو بأخرى من الإبادة الجماعية أقل استعدادًا لمحاسبة مرتكبيها مستقبلا، رغم أن رافائيل ليمكين، الذي صاغ مصطلح "الإبادة الجماعية" عام 1944 وناضل من أجل اعتماد اتفاقية منع الجريمة والمعاقبة عليها بعد أربع سنوات، كان يأمل تحديدًا في الحيلولة دون الوصول إلى مثل هذه النتيجة، معتبرًا أن ذلك قد يكون مستقبل الإبادة الجماعية.