الحقُّ ما نطق به جي دي فانس

حسين لقرع
جيتي
جيتي
شارك الخبر
بعد أن فشلت إدارة ترامب في تحقيق أهداف حرب الأربعين يوما وهي إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على تفكيك برنامجيه النووي والصاروخي وقطع العلاقة مع محور المقاومة، ها هي تقزّم أهدافها وتخفضها إلى هدفٍ واحد من دون أن تتمكّن أيضا من تحقيقه برغم تجديد ضرباتها العسكرية على إيران، وهو فتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية بكلّ حرّية وبلا رسوم عبور.

لقد مرّت الآن عشرة أيام على تجدُّد القصف الأمريكي لأهدافٍ إيرانية، عسكرية ومدنية، فضلا عن تشديد الحصار البحري، لإجبارها على فتح مضيق هرمز، لكنّ ليس هناك أيُّ مؤشر على أنّ إيران سترضخ وتفتح المضيق قريبا، بل إنّ شدة الضربات دفعتها إلى غلقه كليا أمام الملاحة العالمية وأعلنت أنها لن تسمح بمرور ناقلة نفط أو سفينة تجارية واحدة عبره إلا إذا سمحت أمريكا بتصدير النفط الإيراني وأوقفت عدوانها العسكري عليها واعترفت بحقها في فرض رسوم على السفن والناقلات المارة بالمضيق تحت غطاء خدمات التأمين والحفاظ على البيئة.

وإزاء الصمود الإيراني الكبير أمام الضربات العسكرية الأمريكية، بات واضحا أنّ ترامب قد وقع في مأزق حقيقي؛ فإمّا أن يسلّم لإيران بفرض رسوم خدمات ملاحية في المضيق، أو يواصل ضدّها حربا مفتوحة بلا نهاية ويصعب حسمُها، ما يحوِّلها إلى حرب استنزاف خطيرة ومكلفة لأمريكا وحلفائه الخليجيين والغربيين أيضا وليس لإيران وحدها، لاسيما إذا استُهدفت مصادر الطاقة الخليجية، وأغلق الحوثيون باب المندب، وتضاعفت أسعار النفط والوقود.

وممّا قوّى حجّة إيران في فرض الرسوم أنّ الرئيس ترامب، الشهير بطيشه ونزَقه، قد قدّم لها خدمة ذهبية لم تكن تحلم بها حينما أعلن قبل أيام أنّ الولايات المتحدة ستفرض رسوم عبور على كلِّ ناقلة نفط أو سفينة تجارية تمرُّ بمضيق هرمز تصل إلى 20 بالمائة من قيمة حمولتها مقابل تأمين الحماية لها. وتلقّف الإيرانيون هذا التصريح الطائش بفرحة عارمة، ليس لأنّ ترامب لن يستطيع تأمين عبور السفن والناقلات بالقوّة، بل لأنّ محاولته فرض رسوم عبور عليها أعطاها الحجّة التي كانت تبحث عنها لفرض هذه الرسوم، فهي أولى بها لأنّها دولة مُشاطِئة للمضيق في حين أنّ الولايات المتحدة تبعد عنه بـ12 ألف كيلومتر، فكيف تُنكر على إيران محاولتها فرض رسوم عبور على الناقلات والسفن المارَّة قربها وتحاول هي فرضَ هذه الرسوم في منطقةٍ بحرية لا علاقة لها بها جغرافيًّا؟! وكيف تُنكر عليها مخالفتَها للقانون الدولي الذي ينصّ على حرِّية الملاحة العالمية في جميع مضائق العالم، وتسمح هي لنفسها بمخالفة هذا القانون؟!

لذلك تراجع الرئيس الأمريكي عن قراره بعد 24 ساعة فقط من إعلانه، ليس لأنّ حلفاءه الخليجيين قد وعدوه باستثمارات كبيرة في الولايات المتحدة مقابل التراجع عن فرض الرسوم، كما زعم، بل لأنّ هناك من نبَّهه إلى مدى فداحة خطئه واستغلال الإيرانيين له للتشبُّث أكثر بفكرة فرض رسوم عبور وإن سمّوها خدمات ملاحية أو غيرها.

وحده نائبُ الرئيس الأمريكي جي دي فانس كان واقعيًّا وعقلانيًّا حينما صرَّح لقناة “فوكس نيوز” قبل أيام بأنّ الضربات الأمريكية على إيران لإجبارها على فتح مضيق هرمز غير مُجدية لأنّها ستتمكّن دائما من استهداف ناقلات النفط بالطائرات المسيَّرة رخيصة الثمن، ومن ثمّ فإنَّ الأزمة معها لا يمكن أن تُحلَّ إلا بالوسائل الديبلوماسية وحدها.

والخلاصة أنّ حرب الأربعين يوما (28 فيفري- 8 أفريل 2026) قد منحت إيران ورقة نفوذ إقليمي قوي، وهي مضيق هرمز، وهي تتّجه إلى كسب معركته وفرض السيطرة عليه وانتزاع اعتراف أمريكا بفرض رسوم على الناقلات العابرة له، ومن ثمّ كسب مداخيل كبيرة ستُفرِغ العقوبات الاقتصادية الأمريكية والغربية عليها من محتواها وتمنحها القدرة على التحكّم في 20 بالمائة من تجارة النفط العالمية، وقد كشفت صحيفة “غارديان” البريطانية منذ أيام أنّ هناك دولًا أوربية عديدة بدأت “تفكِّر” في دفع رسوم لإيران على خدمات الملاحة كدوريات الحراسة وتأمين السلامة البيئية بشرط أن تكون “طوعية” وتتوافق مع قواعد المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة.

وإذا حدث ذلك فسيكون ضربة مؤلمة جدا لترامب وبداية انتصار إيران وفرضها الأمر الواقع في هرمز، لذلك لم يُخطئ من وصف هذا المضيق بأنه أقوى من القنبلة النووية.

الشروق الجزائرية


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل