تحالف "سني" جديد في الشرق الأوسط.. هل تتراجع إسرائيل إقليميا؟

الاتفاق يتضمن بندًا يلزم الدول الأعضاء بالتدخل تلقائيًا لمساعدة أي دولة عضو تتعرض لهجوم - الأناضول
يعيد اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان رسم بعض ملامح المشهد الأمني في الشرق الأوسط، مع تعزيز نفوذ أنقرة وامتلاك إسلام آباد قدرات نووية، بينما تبدو الرياض أكثر انفتاحًا على بناء ترتيبات أمنية جديدة، في تطور قد يحد من فرص اندماج إسرائيل في التوازنات الإقليمية.

وأكدت صحيفة "معاريف" العبرية أن اتفاق الدفاع المشترك الذي أُبرم بين السعودية وتركيا وباكستان يرسم ملامح واقع جديد في الشرق الأوسط، من شأنه أن يزيد صعوبة اندماج إسرائيل في المنطقة، مشيرة إلى أن الاتفاق يعزز مكانة تركيا الإقليمية، ويمنح باكستان دورًا خاصًا باعتبارها الدولة النووية الوحيدة بين أطرافه، بينما تبحث السعودية عن بدائل في المجال الأمني بعيدًا عن الاعتماد الكامل على واشنطن.

وأشارت "معاريف"، في مقال كتبه زلمان شوفال، السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة، إلى أن الاتفاق الدفاعي وُقّع الأسبوع الماضي بمبادرة رئيسية من السعودية، بهدف مواجهة التهديد الإيراني ووكلائه، موضحة أن أنقرة تنظر إلى الاتفاق، على الأقل من وجهة نظرها، باعتباره وسيلة لموازنة قوة إسرائيل ونفوذها.

وأكدت الصحيفة أن الاتفاق "لا يبشر بالخير لإسرائيل"، لأنه يرسخ واقعًا جديدًا في الشرق الأوسط يمكن أن يعيق مسار اندماجها الإقليمي.

وتابعت أن الاتفاق يمكن النظر إليه باعتباره إطارًا للتفاهم بين دول سنية في مواجهة الإسلام الشيعي، لافتة إلى أن اختيار مكة المكرمة، أقدس المدن الإسلامية، مكانًا لتوقيعه بدلًا من الرياض، عاصمة السعودية، يعكس هذه الدلالة.

وأوضحت "معاريف" أن الدول الثلاث تتشارك مجموعة من المصالح، من بينها ضمان حرية الملاحة في مضيق باب المندب، وهو أمر بالغ الأهمية للسعودية التي تحتاج إلى ضمان تدفق النفط من آبارها إلى الأسواق العالمية دون عوائق.

وأضافت أن باكستان، التي تواجه مشكلات اقتصادية خطيرة، تتمتع بوضع خاص داخل الاتفاق، باعتبارها الدولة الوحيدة بين الدول الثلاث التي تمتلك أسلحة نووية.

تركيا المستفيد الأكبر

ورأت الصحيفة أن تركيا تبدو المستفيد الأكبر من الاتفاق، ولا سيما على المستوى السياسي، موضحة أن أنقرة ترى فيه وسيلة لتعزيز موقعها داخل العالم السني باعتبارها واحدة من قيادات جماعة الإخوان المسلمين.

وأشارت إلى أن المكانة التي حصلت عليها تركيا من خلال "مجلس السلام" الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في غزة، إلى جانب الاتفاق الدفاعي الجديد، تساعد أنقرة على توسيع نفوذها في الشرق الأوسط، بما في ذلك علاقتها مع إسرائيل.

وتابعت أن تركيا تقترب أيضًا من توقيع اتفاقيات واسعة النطاق مع السعودية في مجال الصناعات العسكرية.

وأشارت "معاريف" إلى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية وصفت الاتفاق بأنه "حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط"، لكنها اعتبرت أن هذا الوصف ينطوي على مبالغة.

وأوضحت أن الاتفاق يتضمن بالفعل بندًا يشير إلى المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، التي تلزم الدول الأعضاء بالتدخل تلقائيًا لمساعدة أي دولة عضو تتعرض لهجوم، إلا أن الاتفاق الثلاثي، بخلاف حلف الناتو، لا يتضمن قيادة عسكرية موحدة أو آلية متفقًا عليها لتنفيذ الالتزامات المتبادلة.

تضارب محتمل في المصالح

ولفتت الصحيفة إلى أن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي يمكن أن تؤدي إلى تضارب في المصالح بين التزاماتها تجاه الحلف والتزاماتها بموجب الاتفاق الجديد.

وأضافت أن الاتفاق الثلاثي لا يحدد عدوًا مشتركًا بصورة واضحة، موضحة أن باكستان تعتبر الهند عدوًا محتملًا، بينما تعتبر تركيا اليونان عدوًا محتملًا، في حين لدى السعودية حسابات خاصة مع الحوثيين في اليمن.

وأشارت إلى أن حلف شمال الأطلسي كان يمتلك عدوًا مشتركًا واحدًا هو الاتحاد السوفيتي، بينما لا يتوافر عامل مماثل في الاتفاق الجديد، مضيفة أن قضية الحوثيين تخضع لاختبار حقيقي بعد الهجمات التي استهدفت الأراضي السعودية.

ماذا عن الولايات المتحدة؟

وتابعت "معاريف" أن أحد أهم الأسئلة التي يثيرها الاتفاق يتعلق بموقف الولايات المتحدة، باعتبارها حليفًا للدول الثلاث، متسائلة عما إذا كانت واشنطن قد شجعت الاتفاق واعتبرته مكملًا للترتيبات القائمة أو المحتملة مستقبلًا لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، أم أن الدول الموقعة، وفي مقدمتها السعودية، بدأت تفقد ثقتها في الولايات المتحدة فيما يتعلق بمصالحها الأمنية.


وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى الاتفاق النووي بين السعودية والولايات المتحدة، والذي اشترط تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.

وقالت إن الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية، يبدو مترددًا بين خيارين، الأول هو الاعتماد على العلاقات طويلة الأمد مع الولايات المتحدة رغم الشرط المتعلق بإسرائيل، والثاني هو الاكتفاء مؤقتًا بالعلاقات مع حليفتها النووية باكستان.

الإمارات ومصر والبحرين خارج الاتفاق

وأوضحت "معاريف" أن الإمارات العربية المتحدة ومصر والبحرين لم تشملها الاتفاقية الجديدة، رغم كونها من الحلفاء المقربين للولايات المتحدة.

وأضافت أن مصادر متعددة تشير إلى أن الإمارات تعمل أيضًا على بناء محور دفاعي يجمعها بإسرائيل والهند.

وأكدت الصحيفة أن الاتفاق الثلاثي لا يمكن بحثه بمعزل عن تأثيره المحتمل على خطط الاستعدادات الجيوسياسية الأوسع في الشرق الأوسط، وكذلك على العلاقات مع مناطق أخرى من العالم.

وفي هذا الإطار، أشارت إلى أهمية مسارات النقل التي تربط الهند بأوروبا عبر السعودية وإسرائيل وقبرص واليونان، معتبرة أن هذا المسار يتعارض مع مبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

وتابعت أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن كانت تعتبر هذا الملف، إلى جانب دمج إسرائيل في هذا المسار، من أهم مهامها.

خطط تتجاوز إسرائيل

وأشارت "معاريف" إلى أن إدارة ترامب تتبنى رؤية أكثر تقييدًا في هذا الملف، موضحة أنها ركزت، حتى خلال المفاوضات مع إيران، على ضمان حرية مرور النفط عبر مضيق هرمز.

وأضافت أن خطة كانت قد طُرحت في السابق لنقل الوقود بالتعاون مع إسرائيل عبر خط أنابيب عسقلان-إيلات، إلا أن حكومة التغيير عرقلتها ولم يُعاد تجديدها منذ ذلك الحين.

وخلصت الصحيفة إلى أن هذا المخطط قد يكون جزءًا من خطة أوسع وأكثر شمولًا تهدف إلى تعزيز الاتجاهات الإيجابية التي أوجدتها اتفاقيات أبراهام.

لكنها أشارت إلى أنه، في ظل هذا الاحتمال، يجري وضع خطط تتجاوز إسرائيل وتمنح الأولوية لتركيا والعراق وسوريا.

وأكدت أن الولايات المتحدة وأوروبا سيكون لهما رأي في هذا المسار، معتبرة أن التعامل مع هذه التطورات سيكون، من منظور الدبلوماسية الإسرائيلية، إحدى أهم المهام خلال المستقبل القريب.