تحقيق: كيف هرب حسام لوقا مدير مخابرات نظام الأسد من سوريا؟

حسام لوقا كان مدير المخابرات في عهد الأسد- إكس
كشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عن تفاصيل جديدة بشأن مصير حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي الأجهزة الأمنية في عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد ومدير جهاز المخابرات العامة.

وأشار التحقيق إلى أن خيوط التحقيق قادت إلى وجوده في روسيا بعد فراره من سوريا إثر سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024.

وعثرت "بي بي سي" داخل شقة فاخرة مهجورة في العاصمة دمشق، كانت تعود إلى لوقا، على صور تجمعه ببشار الأسد، إلى جانب شهادات ومستندات ودفتر يتضمن أسماء وعشرات أرقام الهواتف، قالت إن بعضها يعود إلى شخصيات مقربة من النظام السابق.


لوقا، الذي كان يُعرف بلقب "العنكبوت"، يعد أبرز رجال الأمن في نظام الأسد، وتولى رئاسة جهاز المخابرات العامة قبل سقوطه، كما يخضع لعقوبات من المملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.


من حمص إلى رأس المخابرات

بدأ صعود لوقا داخل الأجهزة الأمنية خلال سنوات الثورة السورية، إذ كان رئيساً لفرع الأمن السياسي في حمص، حيث تولى مسؤولية أمنية خلال المعارك والحصار الذي فرضته قوات النظام على مناطق في المدينة.

وقالت "بي بي سي" إن كثيرين ممن تحدثوا إليها ربطوا اسم لوقا بعمليات اعتقال واختفاء، فيما وصفه سكان في حمص بلقب "العنكبوت" بسبب شبكة العلاقات والأذرع التي امتدت، بحسب شهاداتهم، إلى داخل مجموعات الثوار.

وقال أحد سكان حمص للهيئة: "كانت أذرُعه تصل إلى كل مكان... كان عبقرياً في الشرّ. كان ثعلباً".

ومن أبرز الوقائع التي ارتبط اسم لوقا بها، وفق التحقيق، ما عُرف بـ"مجزرة العيد" في حي الوعر بمدينة حمص عام 2015، والتي قُتل فيها نحو 28 شخصاً، معظمهم من الأطفال.

وتحدث محمد طوقتلي، الذي قُتل نجله وائل وكان يبلغ من العمر سبع سنوات، عن ذلك اليوم قائلاً: "كانوا أطفالاً صغاراً. لقد صبغت دماؤهم أرض الجنينة".

وبحسب التحقيق، أشارت مجموعة حقوقية سورية وصحيفة معارضة في ذلك الوقت إلى مسؤولية لوقا عن تحديد أهداف النظام في المنطقة، كما أُشير إلى المجزرة في حيثيات العقوبات الأمريكية المفروضة عليه.

واصل لوقا صعوده داخل أجهزة النظام، حتى أصبح مديراً لإدارة المخابرات العامة قبل سقوط الأسد، ليصبح واحداً من أبرز المسؤولين الأمنيين في البلاد.

اختفاء ليلة سقوط الأسد

قال التحقيق إن لوقا اختفى عن الأنظار بعد سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، تاركاً وراءه أسئلة بشأن مكان وجوده ومصيره.

وفي الشقة التي تركها في دمشق، عثرت "بي بي سي" على دفتر يتضمن نحو 155 رقماً، بينها أسماء أطباء ومسؤولين عسكريين وأشخاص مقربين من النظام، إضافة إلى أفراد من عائلة لوقا.

وتمكنت الهيئة من تحديد 51 رقماً لا تزال تعمل، وحاولت الاتصال بأصحابها، إلا أن معظم المحاولات لم تؤد إلى معلومات مباشرة عن مكان لوقا.

لكن التحقيق وصل لاحقاً إلى حارسه الشخصي السابق، الذي أطلقت عليه "بي بي سي" اسم "محمود".

وقال محمود إن لوقا كان قد تعهد بالبقاء في دمشق والدفاع عنها مع اقتراب سقوط النظام، لكنه اختفى في اليوم التالي، وفق روايته، ومعه مبلغ مالي كبير أخذه من خزانة مكتبه.

كما أعطى الحارس السابق لـ"بي بي سي" رقم هاتف سائق سيارة لوقا، الذي يعتقد أنه أخرج المسؤول الأمني السابق من دمشق في ليلة سقوط النظام.


من لبنان إلى روسيا

ركز التحقيق بعد ذلك على الوجهات المحتملة التي يمكن أن يكون لوقا قد فر إليها، ومن بينها لبنان.

وقال مصدر رفيع في الحكومة اللبنانية لـ"بي بي سي" إن لديه معلومات تفيد بأن لوقا مرّ عبر لبنان مستخدماً جواز سفر روسياً باسم مختلف، قبل أن يتجه إلى روسيا.

وفي لبنان، تمكنت الهيئة من الوصول إلى شخص كان اسمه مدوناً في دفتر لوقا، وقال إن بحوزته رقم هاتف خاصاً به.

وبحسب التحقيق، كان الرقم يحمل مفتاح الاتصال الدولي الروسي، فيما عثرت "بي بي سي" في شقة لوقا على مؤشرات إلى علاقاته في موسكو، بينها جوائز حصل عليها من المخابرات الروسية، ورسالة معايدة بالعام الجديد من مسؤول روسي رفيع المستوى.

كما أفاد الشخص الذي كشف الرقم بأنه أجرى اتصالاً بلوقا، بحضور فريق التحقيق، وطرح عليه أسئلة تتعلق بمعلومات شخصية لا يُفترض أن يعرفها إلا هو.

وبحسب "بي بي سي"، جاءت إجابات المتحدث صحيحة، ما عزز اعتقادها بأن الشخص الموجود على الطرف الآخر من الاتصال هو حسام لوقا.

وعندما حاول الصحفيون التحدث معه مباشرة، رفض ذلك، وقال: "لا يمكنني المجازفة بالحديث عبر الهاتف في موقفي هذا".

وعندما سُئل عما إذا كانت السلطات الروسية تمنعه من الحديث، أجاب: "لا يمكنني الحديث. لا يمكنني الإفصاح. عليكم أن تتفهموا ذلك".

كما رفض ترتيب لقاء خارج روسيا، قائلاً إن ذلك "صعب"، قبل أن ينهي الاتصال.

الهاتف يقود إلى ضواحي موسكو

حصلت "بي بي سي" لاحقاً على رقم هاتف آخر قيل إنه يعود إلى لوقا، وكان مسجلاً في سوريا ومرتبطاً بحسابات على منصات التواصل والتراسل.

وقالت إنها تمكنت خلال أحد الأيام من تحديد موقع الهاتف في منطقتين من ضواحي موسكو.

وأشارت إلى أن المنطقتين لا تتمتعان بمستوى الرفاهية الذي يقيم فيه بشار الأسد في روسيا، ولا يشبهان المنطقة التي كان لوقا يعيش فيها خلال حكم الأسد.

وبعد محاولات عدة للتواصل معه، لم تتمكن "بي بي سي" من مقابلته شخصياً، وقالت إن روسيا تمنع الصحفيين الدوليين من الاقتراب من عدد من مسؤولي النظام السابق الموجودين على أراضيها.

مذكرة اعتقال ودعوى في سوريا

في المقابل، قال النائب العام السوري حسن التربة لـ"بي بي سي" إن الحكومة السورية أقامت دعوى قضائية ضد حسام لوقا، بتهم تتضمن "القتل العمد، والتعذيب، والقتل الناتج عن التعذيب".

وأضاف التربة أن أمراً باعتقال لوقا صدر بالفعل، وأنه "قد جرى تعميم هذا الأمر محلياً فيما يجري العمل على تعميمه دولياً"، مشيراً إلى أن الإدارة السورية تعمل على تعقب المتهمين وطلب تسليمهم.

ولم ترد الحكومة الروسية على طلبات "بي بي سي" للتعليق على وجود لوقا في روسيا أو على إمكانية ترحيله إلى سوريا.

أما محمد طوقتلي، والد الطفل وائل الذي قتل في حي الوعر، فقال إنه لا يزال يأمل في مثول لوقا وغيره من كبار مسؤولي نظام الأسد أمام العدالة.

وقال: "أنا ساخط على كل مَن كانوا مع النظام وجهازه الأمني... لقد كانوا جميعاً يقفون ضدنا".
وأضاف الأب المكلوم: "وائل كان مجرّد طفل في السابعة من العمر... كل ما كان يهمّه هو أن يلعب ويفرح".