مع تزايد اعتداءات المتدينين اليهود على الأرمن في القدس.. دعوات مسيحية لردع الاحتلال

تراجع عدد الأرمن في القدس خلال العقود الأخيرة أثار مخاوف بشأن مستقبل وجودهم في المدينة- جيتي
تتواصل السلوكيات العنصرية التي يرتكبها المتدينون اليهود ضد المسيحيين الفلسطينيين، لاسيما المقيمين في القدس المحتلة، من خلال الاعتداء عليهم، وتدنيس أماكنهم المقدسة، ورشق منازلهم بالحجارة، فيما تلتزم حكومة الاحتلال والشرطة والرأي العام بالصمت الكامل، تعبيرا عن التواطؤ الرسمي.

أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة نبراسكا-لينكولين بالولايات المتحدة، بادروس دار ماتوسيان، أكد أن "السلوكيات اليهودية المعادية للمسيحيين تكشف عن معايير مزدوجة يعيشها الأرمن في القدس منذ سنوات، مما يكشف عن تصاعد العداء تجاههم، وتسبب باهتمام دولي غير مسبوق لما يعانونه الأرمن منذ سنوات طويلة، وآخرها ما جسّدته حادثة قيام ستة يهود متدينين بالبصق على البوابة المقدسة لكاتدرائية القديس يعقوب في الحي الأرمني، ورشق منازلهم بالحجارة، مما اعتبر مناخًا من الإفلات من العقاب، وتصرف الجناة دون خوف حقيقي".

وأضاف في مقال نشره موقع "زمان إسرائيل"، وترجمته "عربي21" أنه "على مدى عقود، عانى الأرمن في القدس من المضايقات والترهيب والتمييز من قبل الحريديم والقوميين اليهود، وشملت البصق على رجال الدين، وتدنيس الأماكن المقدسة، والسب، والاعتداءات الجسدية، ونظرًا لموقع الحي الأرمني المجاور للحي اليهودي، أصبح الأرمن من أكثر المجتمعات المسيحية ضعفًا في البلدة القديمة، ويشمل الاضطهاد الذي يتعرضون له جميع أشكال العداء ذات الدوافع الدينية".


وأوضح أنه "على مدى عقود، وبعد وقوع حوادث في الحي الأرمني، كانت الشرطة الإسرائيلية تعتقل المشتبه بهم، وتقتادهم لأقرب مركز، ولأن أجزاءً كبيرة من المنطقة مغطاة بكاميرات المراقبة، تستطيع السلطات عادةً تحديد ملابسات الحادث، لكن في معظم الحالات، يُطلق سراح المشتبه بهم بعد فترة وجيزة، ويُزعم أن الشرطة في كثير من الأحيان تكتفي بتوجيه إنذار، أو منع مؤقت من دخول البلدة القديمة أو القدس لفترة محدودة، وعقب الحادث الأخير، مُنع المشتبه بهم من دخول القدس لمدة 15 يوماً فقط".

وأشار إلى أنه "يتضح بشكل متزايد أن هذا النهج لا يردع مرتكبي الجرائم المتكررة، ويبدو أن العديد من الجناة يعتقدون أنهم لن يواجهوا أي عواقب حقيقية لأفعالهم، كما أن المناخ السياسي الحالي في إسرائيل، الذي يتسم بالنفوذ القوي للأحزاب القومية واليمينية، يزيد من حدة قلق المسيحيين، ويعتقد الكثيرون أن المستوطنين المتطرفين والجماعات القومية المتطرفة يشعرون الآن بمزيد من الأمان والجرأة".

وأضاف أن "الواقع يؤكد أن هذه ليست حوادث معزولة ارتكبها عدد من الأفراد، بل هي نمط متكرر من النشاط يقوم به ناشطون دينيون متطرفون ومستوطنون، مما يجعل الحياة أكثر صعوبة على الجالية الأرمنية في القدس، وقد أثار فشل إسرائيل في الاستجابة بشكل كافٍ لهذه الظاهرة مخاوف مفهومة لدى الجالية الأرمنية بشأن التزامها بحماية الأقليات الضعيفة، ويثير استمرار الهجمات تساؤلات جدية حول فعالية إنفاذ القانون والردع ضد نمط مستمر من المضايقات والترهيب والتجريد من الإنسانية والاعتداءات على أقلية دينية عريقة".

وأوضح أنه "عندما لا يُحاسب من يرتكبون الجرائم بشكل متكرر، يزداد احتمال تكرار العنف، وكذلك الشعور بالإفلات من العقاب الذي يشجع على وقوع المزيد من الحوادث، لكن هذه ليست مشكلة تخص الجالية الأرمنية فحسب، حتى بعض أقرب أصدقاء إسرائيل، بمن فيهم مسيحيون إنجيليون بارزون في الولايات المتحدة، بدأوا يتساءلون عما إذا كانت إسرائيل تبذل ما يكفي لحماية المجتمعات المسيحية".


ولفت إلى أنه "رغم ادعاءات إسرائيل بحماية الأماكن المقدسة للأديان التوحيدية الثلاثة، لكن هذا الادعاء يضعف في كل مرة يُبصق فيها على شخصيات دينية، أو تُخرب فيها كنائس، أو يُهدد فيها المصلون، دون أي عواقب تُذكر على المسؤولين عنها، مما يستدعي من الحكومة الإسرائيلية، والشرطة، تبني تدابير أكثر فعالية للقضاء على هذه الظاهرة، وتطبيق القوانين الخاصة بحماية النظام العام والحرية الدينية، ومكافحة جرائم الكراهية بشكل حازم، وإذا لم تردع العقوبات الحالية مرتكبي الجرائم المتكررة، فعلى صانعي السياسات النظر بتشديدها".

وأضاف أن "فرض عقوبات جنائية رادعة، بما فيها السجن في القضايا الخطيرة، والتعويض المالي للضحايا في الحالات المناسبة، سيرسل رسالة واضحة مفادها أن التحرش بدافع ديني لن يُتسامح معه، مما يتطلب من مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، وبيتسيلم، وجمعية الحقوق المدنية في إسرائيل، وغيرها من منظمات حقوق الإنسان، للتحقيق في الحوادث المتكررة، ومتابعة التطورات عن كثب، والعمل على تحسين حماية الجالية الأرمنية في القدس".


وأكد أن "هناك مسئولية تقع على عاتق وسائل الإعلام العالمية في هذا الشأن، فلو وقعت أحداث مماثلة في لوس أنجلوس أو تورنتو أو نيويورك، لحظيت بتغطية إعلامية واسعة على الصعيدين الوطني والدولي، لكن الأحداث المماثلة في البلدة القديمة بالقدس لا تحظى عمومًا إلا بتغطية محدودة، وفي ظل الحرب في غزة، وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، والتوترات الإقليمية الأوسع نطاقًا، ظلّت المضايقات المستمرة التي تتعرض لها الجالية الأرمنية بعيدة عن دائرة الضوء الدولي".

وأضاف أن "مسؤولية تقع على عاتق إسرائيل مسؤولية قانونية وأخلاقية لحماية جميع المجتمعات الخاضعة لولايتها، بما فيها الأقليات الدينية والعرقية، ويطرح الوضع الراهن تساؤلات صعبة: هل تتمتع الفئات الضعيفة بالفعل بالحماية الكافية، الجواب القاطع لا".

وختم قائلا إن "القدس تُعدُّ من أكثر مدن العالم إثارةً للجدل، ويواجه المجتمع الأرمني فيها تحديًا وجوديًا حقيقيًا، فقد تناقص عدد أفرادهم في العقود الأخيرة، مما يُثير مخاوف بشأن مستقبلهم في المدينة، مما يهدد التنوع الديني والثقافي والتاريخي الفريد للقدس للأجيال القادمة".