"إسرائيل" تراقب أزمة سبتة.. المغرب يكشف نقطة ضعف أوروبا على حدودها مع أفريقيا

ترى أوساط إسرائيلية أن استقرار المغرب يمثل ركيزة أساسية لاستمرار التعاون الأمني والاقتصادي بين الرباط وتل أبيب- جيتي
سلطت الأوساط الإسرائيلية الضوء على التداعيات الجيوسياسية لأعمال الشغب التي اندلعت خلال عطلة نهاية الأسبوع في سبتة ومليلية، الجيبين الإسبانيين في شمال المغرب اللذين يشكلان الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا، معتبرة أن انهيار الحدود مع عبور أكثر من 50 ألف شخص في يوم واحد، أي نحو 70 بالمئة من سكان سبتة، بالتزامن مع الذكرى السابعة والعشرين لتولي الملك محمد السادس العرش، حول الحدث من أزمة إنسانية محلية إلى أزمة دبلوماسية واسعة النطاق، كاشفا عن نقطة ضعف أوروبا.

وفي هذا السياق، قالت الخبيرة الإسرائيلية في الجغرافيا السياسية والأزمات الدولية، عنات هوشبرغ-ماروم، إن الحادثة كشفت عمق الخلاف حول قضية السيادة وهشاشة العلاقة بين مدريد والرباط، موضحة أن عدم اعتراف المغرب بالسيادة الإسبانية على الجيوب الحدودية ومطالبته باستعادتها جعلاها موضع نزاع مستمر منذ عقود، مشيرة إلى أنه في مايو/أيار 2021، دخل نحو 8000 مهاجر إلى سبتة إثر توترات حادة بشأن قضية الصحراء الغربية، بعد أن سمحت إسبانيا بتلقي زعيم جبهة البوليساريو العلاج الطبي.

وأوضحت في مقال نشرته صحيفة "معاريف" أن الأزمة، إلى جانب إدارتها حالة الطوارئ العاجلة، أعادت إلى الواجهة مسألة الوضع الجيوسياسي للجيبين المندمجين في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمغرب.

وتقع على عاتق الرباط مسؤولية كبح موجات الهجرة، مع زيادة بنسبة 164 بالمئة في عمليات عبور الحدود غير الشرعية منذ بداية العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما تقدم إسبانيا، وبشكل غير مباشر الاتحاد الأوروبي، الدعم المالي والسياسي، وهي صيغة تجعل أوروبا عرضة لتقلبات حادة وتغييرات في السياسات من جانب المغرب.


وتجسد أزمة سبتة، الخاضعة للسيطرة الإسبانية منذ عام 1580، كيف يمكن لنقطة ضعف جغرافية صغيرة أن تتحول إلى أداة ضغط جيوسياسي كبير، وكيف يمكن استخدام موجات الهجرة كأداة ضغط سياسي واقتصادي في سياق صراعات إقليمية أوسع.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المنطقة نفسها، بل تتجاوزها إلى إحداث شرخ في الاتحاد الأوروبي، إذ إن قرار الحكومة الإيطالية إغلاق حدودها الجوية والبحرية مع إسبانيا، إلى جانب الدعوات في أوروبا للنظر في تجميد اتفاقية شنغن أو حتى طرد إسبانيا منها، يُظهر عمق الأزمة بين الدول.

وتزداد حساسية الوضع بالنظر إلى أن سبتة تقع على مضيق جبل طارق، وهو شريان تجاري رئيسي وأحد أكثر التقاطعات الجيوسياسية حساسية في العالم، وأي اضطراب في المنطقة يثير على الفور مخاوف بشأن الأمن الأوروبي، وسلاسل إمداد حلف الناتو، وسلامة الممرات الملاحية في البحر الأبيض المتوسط، لا سيما في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.

بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية

وترى هوشبرغ-ماروم أن الأزمة الحالية نتاج لتضافر عدة عوامل، من بينها نشاط شبكات تهريب البشر، والارتباك بشأن سياسة الهجرة الإسبانية، وارتفاع تكاليف المعيشة، ونقص الفرص الاقتصادية في شمال المغرب، وقد شكلت هذه الأزمة اختباراً سياسياً ودبلوماسيا غير مسبوق لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي يجد نفسه معزولاً بشكل متزايد.

وفي حين تتجه معظم دول الاتحاد الأوروبي نحو اليمين وتتبنى نهجا متشددا مستوحى من سياسات الهجرة العدوانية لإدارة ترامب، اتخذ سانشيز نهجا معاكسا بمنح الإقامة القانونية للعمال غير الشرعيين، بهدف تعزيز الاقتصاد وتوفير الرعاية لكبار السن في إسبانيا، وأدى هذا التناقض إلى جعل إسبانيا هدفا لانتقادات حادة من شركائها الأوروبيين.

وعلى الجبهة الأمريكية، تواجه مدريد أيضا جبهة مفتوحة ضد واشنطن، إذ أثار رفضها الاستجابة لنداءات الرئيس الأمريكي بالانضمام إلى التحالف الدولي خلال أزمة هرمز غضبا شديدا في الإدارة الأمريكية، كما أن هجمات دونالد ترامب الكلامية على سانشيز تُظهر إسبانيا كحلقة ضعيفة في الغرب.

وفي ظل عزلة سانشيز في القارة الأوروبية وغياب الدعم الأمريكي، يجد نفسه مضطرا لإدارة واحدة من أخطر أزمات الهجرة في العقد الماضي، عالقاً بين مركزين للقوة.


أما المغرب، فتُمثل التطورات فرصة سانحة له، إذ تدرك الرباط ضعفها السياسي وتفهم أن ممارسة الضغط على الحدود تكتيك دبلوماسي فعال للغاية ضد كل من أوروبا والولايات المتحدة، ويأتي ذلك في وقت لا يزال فيه الحدث نفسه يشكل تحدياً إنسانياً واختباراً لأمن الحدود.

تداعيات مباشرة على دولة الاحتلال

وتحمل هذه التطورات تداعيات مباشرة على الاحتلال، لا سيما في ظل مكانة المغرب في الساحة الأوروبية الإسلامية، والتوترات مع إسبانيا، والحساسية المحيطة باتفاقيات أبراهام، كما تبرز الأزمة أهمية المغرب كواحد من أقوى الاقتصادات في أفريقيا، ومركزا لوجستيا وصناعيا، خاصة في قطاعي السيارات والطيران، بفضل ميناء طنجة المتوسط، حيث يبلغ ناتجه المحلي الإجمالي 182.3 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن ينمو بنسبة 4.8 بالمئة في عام 2025.

وينظر إلى المغرب، باعتباره مركزا يربط أفريقيا بأوروبا والبحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، كشريك مستقر وعملي ومؤيد للغرب.

وأي ضرر يلحق بمكانته لدى إسبانيا أو أي ضغط عليه لاتخاذ موقف دفاعي متشدد قد يدفع بعض فئات الشعب المغربي إلى تبني خطاب مناهض للغرب، وهو تحول قد يقوض التوازن الدقيق في العلاقات بين الرباط والقدس ويضر بالمساحة الدبلوماسية لدولة الاحتلال والولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته، يواصل المغرب ترسيخ مكانته كقوة إقليمية في مجال الطاقة المتجددة، كما يتضح من اتفاقية التمويل التي أبرمها البنك الدولي بقيمة 265 مليون دولار في يوليو الماضي، وذلك في الوقت الذي يشهد فيه تحولاً رقمياً وتحديثاً شاملاً للبنية التحتية استعداداً لكأس العالم 2030.

بحكمة وتكتم

وتعتبر الخبيرة أن استقرار الحكومة المغربية المستمر يعد رصيدا استراتيجيا بالغ الأهمية لدولة الاحتلال، وشرطا أساسياً لتعزيز العلاقات والتعاون الأمني والسياحي والاقتصادي والتكنولوجي بين البلدين، فمنذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، شهد حجم التبادل التجاري الثنائي قفزة هائلة بلغت نحو 300 بالمئة، ليصل إلى 227.5 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2025، إلى جانب توسع ملحوظ في المشاريع المشتركة في مجالي الابتكار والاستثمار.

ومع ذلك، فإن الاضطرابات الداخلية، كصعود التيار المحافظ، أو الإحباط الاجتماعي، أو الضغط الشعبي المحيط بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، قد تُقلص هامش المناورة أمام الرباط وتُشدد موقفها تجاه دولة الاحتلال.

وفي المقابل، إذا استمرت القيادة المغربية في اعتبار التطبيع وسيلة لتعزيز مكانتها الدولية، وجذب الاستثمارات الأجنبية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، وتوطيد دورها الإقليمي، فقد تتوسع الشراكة وتتعمق.

وبالنسبة لدولة الاحتلال، يعد المغرب ركيزة أساسية في شمال أفريقيا وشريكا استراتيجيا ذا أهمية متزايدة.


وتتطلب إدارة المخاطر بمسؤولية رصدا دقيقا للديناميات الداخلية في المغرب والتوترات الإقليمية، بما في ذلك مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، إلى جانب تعديل الرسائل الدبلوماسية، وتنويع قنوات التعاون، والحفاظ على مستوى عالٍ من الحساسية تجاه الرأي العام المحلي.

وبحسب الكاتبة، قد يؤدي تفاقم الأزمة إلى تسريع تعزيز اليمين في القارة وتفاقم الخطاب حول قضية الهجرة، مما قد يؤثر بشكل غير مباشر على طبيعة الخطاب الأوروبي تجاه دولة الاحتلال وعلى تعقيد الساحة السياسية.