أسبوع المسرح والفكر في مصر.. عروض كثيرة وأسئلة غائبة عن غزة

على خشبات عدد من مسارح القاهرة، شهد الأسبوع الأول من المهرجان تقديم مجموعة من العروض التي تنوعت بين التجريب والدراما الاجتماعية والكوميديا والاستلهام الأدبي.. فيسبوك
على مدار أسبوع كامل، تحولت القاهرة إلى فضاء واسع للاحتفاء بالمسرح المصري، مع انطلاق فعاليات الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض، في دورة اختارت شعار "المهرجان القومي للمسرح في كل مصر"، ووسعت برنامجها ليشمل العروض المسرحية والندوات الفكرية والتكريمات وتوقيع الكتب وورش التدريب، بالتوازي مع برنامج مواز امتد إلى عدد من المحافظات.

ويأتي المهرجان بوصفه أحد أبرز المواعيد السنوية للمشهد المسرحي المصري، حيث يجمع تحت مظلته أنماطا متعددة من الإنتاج المسرحي، من عروض المؤسسات الرسمية والفرق الحرة والمستقلة إلى مشاريع الشباب والتجارب التجريبية، في محاولة لتقديم صورة عن حركة المسرح المصري في لحظة تتقاطع فيها الأسئلة الفنية مع التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تشهدها المنطقة.

واستهل المهرجان فعالياته بحفل افتتاح أقيم على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، بحضور وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، الدكتور عبد العزيز قنصوة، إلى جانب عدد من الفنانين والمسرحيين والمهتمين بالشأن الثقافي.

وشهد حفل الافتتاح تقديم العرض المسرحي "سفر"، من تصميم وإخراج الفنان وليد عوني، بمشاركة خريجي ورشة التعبير الحركي، في عرض حمل دلالات مرتبطة بهوية الدورة الجديدة ورسالتها في توسيع دائرة الحضور المسرحي خارج المركز الثقافي التقليدي، والانفتاح على مختلف محافظات الجمهورية.

ويعكس اختيار شعار "المهرجان القومي للمسرح في كل مصر" توجها نحو إعادة طرح قضية العدالة الثقافية، ومحاولة الوصول بالفن إلى جمهور يتجاوز جمهور العاصمة والمدن الكبرى، خصوصا في ظل استمرار النقاش حول مركزية القاهرة في الإنتاج الثقافي والفني، وحاجة المحافظات إلى بنية مسرحية مستقرة ومساحات منتظمة للتلقي والإبداع.

المسرح بين الخشبة والبحث الفكري


ولم يقتصر برنامج المهرجان على العروض المسرحية، إذ تضمن برنامجا فكريا متنوعا من الندوات والحوارات المتخصصة التي تناولت قضايا تتصل بعلاقة المسرح بالمجتمع، وبناء النص، وتطور أشكال العرض، وموقع الفنون الأدائية بين الجمهور والنخبة.

ومن بين أبرز الندوات التي شهدها البرنامج الفكري ندوة "مسرح المجتمعات المحلية"، التي ناقشت دور المسرح في التنمية الثقافية داخل المجتمعات المحلية، بمشاركة الشاعر والباحث الدكتور مسعود شومان، والمخرجين أحمد إسماعيل وأسامة عبد الرؤوف، والفنان شنودة عادل.

وتطرح هذه الندوة سؤالا يتجاوز حدود النشاط المسرحي إلى مفهوم أوسع يتعلق بوظيفة الثقافة في المجال العام، ومدى قدرة المسرح على أن يكون أداة للتواصل مع المجتمعات المحلية، لا مجرد نشاط فني موسمي. كما تفتح النقاش حول إمكانات المسرح في التعبير عن خصوصيات المناطق المختلفة، وتحويل قصص الناس وتجاربهم اليومية إلى مادة إبداعية قادرة على الوصول إلى الجمهور.

وفي سياق متصل، ناقشت ندوة "رحلة البحث عن الحكاية" تطور الكتابة المسرحية وأساليب بناء النص، بمشاركة الكتاب محمد زناتي ومحمد علي إبراهيم ومحمد أباظة، وأدارها الناقد محمد علام.

ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ظل أزمة متكررة يواجهها المسرح العربي عموما، تتمثل في البحث عن نصوص قادرة على التقاط التحولات الاجتماعية والإنسانية الجديدة، وعلى إنتاج حكايات تنطلق من الواقع من دون أن تقع في المباشرة أو الشعاراتية.

كما استضاف المهرجان ندوة بعنوان "المسرح الراقص بين الشعبي والنخبوي"، أدارتها الكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم، وشارك فيها المخرج ومصمم الاستعراضات وليد عوني والدكتورة رجوى حامد.

وتناول المشاركون العلاقة بين الرقص الحديث والجمهور، وإشكالية النخبوية، وإمكان استلهام الفنون الشعبية لبناء لغة حركية أكثر قربا من المتلقي، في نقاش يعكس واحدة من القضايا الأساسية التي تواجه الفنون الأدائية، وهي كيفية التوفيق بين التجريب الفني والقدرة على التواصل مع الجمهور الواسع.

تكريم الرموز والاحتفاء بالذاكرة المسرحية


وشكل الاحتفاء برموز الإبداع جزءا أساسيا من برنامج الدورة، إذ نظم المهرجان ندوات لتكريم الفنانة والإعلامية إسعاد يونس، والنجمة شهيرة، والفنان أحمد ماهر، إلى جانب الاحتفاء بالكاتب والسيناريست وليد يوسف.

ورافق تكريم وليد يوسف نقاش حول كتاب «وليد يوسف.. صانع الفرص البديلة»، للناقد باسم صادق، أدارته الناقد أحمد خميس الحكيم، فيما شهد البرنامج الثقافي تكريم المخرج المسرحي صبري ناصف، أحد مكرمي الدورة، بالتزامن مع توقيع كتاب «صبري ناصف.. الحارس الأمين لمسرح الفلاحين»، للدكتور إيهاب الشربيني.

ويعكس هذا الجانب من المهرجان اهتماما بتوثيق الذاكرة المسرحية، وهي مسألة تبدو ضرورية في ظل غياب أرشيف شامل ومستدام يحفظ تاريخ المسرح المصري وتجاربه وأسماء العاملين فيه، خصوصا أولئك الذين اشتغلوا بعيدا عن الأضواء والمنصات الكبرى.

فالاحتفاء بالمسرحيين لا يقتصر على تكريم الأشخاص، بل يمثل أيضا محاولة لإعادة قراءة تاريخ المسرح من خلال تجاربه المتنوعة، وربط الأجيال الجديدة بالمسارات التي تشكلت عبر عقود من العمل المسرحي.

عروض متنوعة وتجارب مستقلة


وعلى خشبات عدد من مسارح القاهرة، شهد الأسبوع الأول من المهرجان تقديم مجموعة من العروض التي تنوعت بين التجريب والدراما الاجتماعية والكوميديا والاستلهام الأدبي.

ومن بين العروض المشاركة "تصبحي على خير يا ماما" للفرق الحرة والمستقلة، و"شنب البنات" المشارك عن وزارة الشباب والرياضة، و"هل هذا لير؟" لصندوق التنمية الثقافية، إلى جانب "المضطر يركب القطر"، الذي قدم تجربة مستقلة حظيت باهتمام نقدي.

كما استقبل برنامج "عروض على الهامش" عرض "فتاة المترو"، الذي يمثل إحدى ثمار مشروع المهرجان لدعم النصوص الفائزة وورش التدريب، واستقطب حضورا جماهيريا منذ تقديمه للمرة الأولى.

وتكشف هذه العروض عن تنوع في الأشكال والاتجاهات المسرحية، غير أن هذا التنوع يطرح في الوقت نفسه سؤالا حول طبيعة القضايا التي تتناولها هذه التجارب، ومدى اقترابها من التحولات العميقة التي يعيشها الجمهور المصري والعربي.

أرقام تعكس اتساع المشاركة


وتشير أرقام الدورة إلى حجم المشاركة في فعالياتها، إذ استقبلت مسابقة العروض 126 عرضا، تأهل منها 35 عرضا للمسابقة الرسمية وثلاثة عروض على الهامش.

كما تلقت مسابقة التأليف 216 نصا مسرحيا، إلى جانب 40 مقالا نقديا و22 بحثا نظريا، فيما تضمن البرنامج 23 ندوة فكرية و11 ورشة تدريبية.

وتقدم هذه الأرقام صورة عن حيوية الحركة المسرحية المصرية، وعن استمرار وجود قاعدة واسعة من الكتاب والمخرجين والممثلين والباحثين الراغبين في إنتاج أعمال جديدة والمشاركة في المشهد المسرحي.

لكن كثافة المشاركة لا تعني بالضرورة أن المسرح نجح في ملامسة كل القضايا التي تشغل الجمهور، إذ يبقى التحدي الأهم هو تحويل هذا النشاط الكمي إلى إنتاج نوعي قادر على بناء علاقة حقيقية مع المجتمع، وعلى طرح الأسئلة التي يواجهها الناس في حياتهم اليومية.

المسرح وسؤال الواقع.. أين القضايا الكبرى؟


ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إلحاحا الذي يمكن طرحه في سياق مهرجان قومي للمسرح، وفي ظل الظروف التي تمر بها المنطقة: هل يطرح المسرح المصري الأسئلة التي تشغل الناس فعلا؟

فالمسرح، تاريخيا، لم يكن مجرد مساحة للترفيه أو الاحتفاء الجمالي، بل كان في تجارب كثيرة مرآة للمجتمع، ومنبرا لمساءلة السلطة والظلم والفقر والحرب والهوية والحرية والعدالة.

غير أن المتابع للمشهد المسرحي العربي، ومنه المصري، قد يشعر أحيانا بأن ثمة مسافة آخذة في الاتساع بين الخشبة والواقع، وبين القضايا التي يعيشها الناس والقضايا التي تجد طريقها إلى النصوص والعروض.

وفي مقدمة هذه القضايا، تبرز القضية الفلسطينية، وما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة من قتل ودمار وتجويع وتهجير، وما خلفته الحرب من أسئلة إنسانية وأخلاقية وسياسية تتجاوز حدود فلسطين نفسها.

وبينما حضرت غزة في الشعر والرواية والفن التشكيلي والموسيقى والسينما العربية بدرجات متفاوتة، يبدو حضورها في المسرح أقل من حجم القضية وتأثيرها، وهو ما يفتح نقاشا ضروريا حول أسباب هذا الغياب.

هل يخشى المسرحيون من الاقتراب من الموضوعات السياسية المباشرة؟ هل تحولت بعض المؤسسات المسرحية إلى فضاءات أكثر انشغالا بالتقنيات الجمالية والتجريب الشكلي من انشغالها بأسئلة الإنسان والمجتمع؟ أم أن المسرح يجد صعوبة في تحويل الأحداث الكبرى، مثل حرب غزة، إلى أعمال فنية تتجنب الخطابية والمباشرة وتنتج في المقابل رؤية جمالية وفكرية عميقة؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية التجريب المسرحي، ولا من ضرورة الاهتمام بالتقنيات الجديدة، لكنها تعيد التذكير بأن التجريب الحقيقي لا يعني الانفصال عن الواقع، وأن التجديد في الشكل لا ينبغي أن يأتي على حساب تجديد الأسئلة.

من "مسرح المجتمعات المحلية" إلى "مسرح قضايا المجتمع"


وإذا كان المهرجان يرفع شعار الوصول إلى "كل مصر"، فإن التحدي الأهم ربما يتمثل في أن يصل المسرح أيضا إلى كل قضايا مصر والعالم العربي، وأن يتحول مفهوم "المجتمعات المحلية" من مجرد توزيع جغرافي للعروض إلى إعادة اكتشاف حكايات الناس وأسئلتهم ومخاوفهم.

فالمجتمع المصري يعيش تحولات واسعة تتعلق بالاقتصاد، والطبقات الاجتماعية، والهجرة، والبطالة، والعنف الأسري، والتحولات في القيم، وأزمات التعليم والصحة، فضلا عن أسئلة الحرب والسلام والهوية العربية.

وهذه القضايا لا ينبغي أن تكون مادة للصحافة وحدها، بل يمكن للمسرح أن يعيد إنتاجها بلغة فنية تجعل الجمهور يرى نفسه على الخشبة، ويعيد التفكير في واقعه من خلال الفن.

ومن هنا، فإن نجاح أي مهرجان قومي لا يقاس فقط بعدد العروض أو الندوات أو المشاركين، وإنما بقدرته على فتح نقاش عام حول وظيفة المسرح ودوره في المجتمع.

غزة.. الغائب الحاضر


يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: أين غزة في المسرح العربي؟ ففي الوقت الذي يعيش فيه الفلسطينيون واحدة من أقسى مراحل تاريخهم الحديث، وفي الوقت الذي تحولت فيه غزة إلى قضية عالمية تتفاعل معها الجامعات والشارع والفن والأدب، لا يزال حضورها المسرحي محدودا مقارنة بحجم المأساة.

ولعل مسؤولية المسرح هنا ليست تقديم خطاب سياسي مباشر أو تحويل الخشبة إلى منبر دعائي، بل ابتكار لغة فنية قادرة على التعبير عن الإنسان الفلسطيني، وعن معنى فقدان البيت، والانتظار، والموت، والنجاة، والذاكرة، والمنفى، وعن الأسئلة الأخلاقية التي تطرحها الحرب.

إن المسرح الذي لا يقترب من قضايا عصره يخاطر بأن يتحول إلى فن منفصل عن مجتمعه، حتى لو كان متقدما من الناحية التقنية والجمالية. والمسرح الذي لا يرى معاناة الناس، أو لا يمنحها مساحة للتأمل، يفقد جزءا من جوهر وظيفته التاريخية بوصفه فنا يقوم على المواجهة الحية بين الإنسان والإنسان.

ولذلك، فإن الاحتفاء بالدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري ينبغي أن يترافق مع نقاش نقدي أوسع حول مستقبل المسرح ووظيفته. فالمطلوب ليس فقط أن يكون المسرح "في كل مصر"، بل أن يكون أيضا مع كل الناس، وأن يصغي إلى أسئلتهم ومخاوفهم وقضاياهم، وأن يجد طريقه إلى الملفات الكبرى التي تشغل الوعي العربي، وفي مقدمتها فلسطين وغزة.

وإذا كانت الأرقام تعكس اتساع حركة الإنتاج والمشاركة، فإن السؤال النوعي يبقى قائما: هل ينتج المسرح ما يكفي من الأسئلة الكبرى بقدر ما ينتج من العروض؟

فالمسرح القومي، في النهاية، لا ينبغي أن يكون مجرد احتفال بالمسرح، بل مناسبة لمراجعة دوره، ومساءلة علاقته بالمجتمع، والبحث عن موقعه في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه حياة الناس بوتيرة تفوق أحيانا قدرة الفن على اللحاق بها.

ومن هنا، ربما يكون التحدي الحقيقي للدورات المقبلة هو الانتقال من سؤال "كم عرضا قدمنا؟" إلى سؤال أكثر عمقا: "ما الذي قلناه للناس، وما الأسئلة التي تركناها معلقة في وعيهم؟".