من الأغنية إلى ورش الحكي.. كيف تعيد مصر تقديم ثورة يوليو للأجيال الجديدة؟

ثورة يوليو لم تكن مجرد تحول في نظام الحكم من الملكية إلى الجمهورية، وإنما كانت أيضاً بداية مرحلة أصبح فيها الجيش لاعباً مركزياً في إدارة الدولة والحياة السياسية.. غيتي
أعلنت الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر برنامجاً واسعاً من الفعاليات الثقافية والفنية والأدبية احتفالاً بالذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو، يتوزع على عدد كبير من المحافظات، ويجمع بين الحفلات الموسيقية والعروض الشعبية والمسرحية والورش الفنية ومعارض الكتب والأمسيات الشعرية والندوات التثقيفية والمسابقات وورش الحكي، في برنامج تسعى الهيئة من خلاله إلى تقديم قراءة ثقافية رسمية للثورة وتأثيراتها في المجتمع المصري، واستعادة سرديتها من خلال الفن والذاكرة الشعبية والأنشطة الموجهة إلى الأطفال والشباب.

وتقام الفعاليات برعاية وزير التعليم العالي والبحث العلمي، القائم بأعمال وزير الثقافة، الدكتور عبد العزيز قنصوة، وبإشراف الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، وبالتعاون بين الإدارة المركزية للشؤون الفنية والأقاليم والفروع الثقافية التابعة للهيئة.

وتنطلق الفعاليات مساء الأربعاء 22 يوليو بحفل لفرقة طنطا للموسيقى العربية في قصر ثقافة طنطا، قبل أن تتوسع في اليوم التالي لتشمل مسارح وقصور ثقافة ومراكز ثقافية وفضاءات عامة في عدد كبير من المدن والمحافظات.

الموسيقى العربية في واجهة الاحتفالات


تحظى الموسيقى العربية بمساحة واسعة في برنامج الاحتفالات، إذ تنظم الهيئة سلسلة من الحفلات التي تقدمها فرق موسيقية تابعة لها في القاهرة والأقاليم، بما يجعل الموسيقى أحد أبرز أدوات الاحتفاء بالمناسبة.

ويشهد الخميس 23 يوليو حفلات لفرق الموسيقى العربية في عدد من المحافظات، من بينها حفل فرقة القاهرة للموسيقى العربية بقصر ثقافة روض الفرج، وفرقة كفر الشيخ للموسيقى العربية في المركز الثقافي، فيما يستضيف مسرح 23 يوليو بالمحلة حفل فرقة غزل المحلة للموسيقى العربية.

وفي الإسكندرية، تقدم فرقة أبو قير للموسيقى العربية حفلاً في شارع الحضارات بمحطة الرمل، ضمن فعاليات «شارع الفن»، بينما تقدم فرق المنيا وبني سويف والفيوم حفلات في مسارح وفضاءات مختلفة، بينها مسرح محافظة المنيا والممشى السياحي ببني سويف ونادي نقابة الزراعيين بالفيوم.

كما تشمل العروض فرق القناطر والسلام ومحمد عبد الوهاب للموسيقى العربية، إلى جانب فرق فاقوس ومنيا القمح والمنصورة، فضلاً عن فرق أسيوط والوادي الجديد وبورسعيد والعريش وقنا والأقصر والمنوفية وسوهاج.

وتتواصل هذه السلسلة حتى الثلاثاء 28 يوليو، مع عرض لفرقة كفر الدوار للموسيقى العربية، في ختام البرنامج الفني المعلن.

وتكشف هذه الخريطة الواسعة عن محاولة لإخراج الاحتفال من نطاق المناسبات المركزية في العاصمة إلى المحافظات، عبر الاعتماد على الفرق المحلية التابعة لقصور الثقافة، بما يمنح المناسبة حضوراً في مساحات ثقافية وفنية متعددة.

الفن الشعبي والذاكرة الوطنية


ولا تقتصر الاحتفالات على الموسيقى العربية، إذ تشارك فرق الفنون الشعبية والإنشاد الديني والآلات الشعبية وكورالات الأطفال في عدد من الفعاليات.

وفي الإسماعيلية، يشهد قصر الثقافة احتفالية تتضمن عروضاً لفرقة الآلات الشعبية وفرقة الطفل للفنون الشعبية وفرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية، إلى جانب فريق كورال الموسيقى العربية.

وفي السويس، تستضيف جمعية أبناء أسوان احتفالية تشمل عروضاً لفرقة الآلات الشعبية وفرقة الطفل للفنون الشعبية، إلى جانب ورشة للرسم وأمسية شعرية.

أما شمال سيناء، فيشهد قصر ثقافة العريش احتفالية فنية تتضمن عرضاً لفرقة العريش للفنون الشعبية وفقرات استعراضية للموهوبين، بينما تقدم فرق الفنون الشعبية عروضاً في محافظات أخرى ضمن البرنامج العام.

وتعكس هذه الفعاليات حضور الفنون الشعبية باعتبارها إحدى الوسائل التي تعتمد عليها المؤسسة الثقافية الرسمية في استعادة الذاكرة الوطنية وربط المناسبات السياسية بالتعبيرات الفنية المحلية.

الثورة في الندوات والمحاضرات


وإلى جانب الفعاليات الفنية، يخصص البرنامج مساحة واسعة للندوات والمحاضرات التي تتناول ثورة 23 يوليو من زوايا سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

ففي الجيزة، تقام محاضرة بعنوان «ثورة 23 يوليو وآثارها الاقتصادية والاجتماعية»، بينما تتناول فعاليات أخرى موضوعات من بينها «من الملكية إلى الجمهورية»، و«ثورة يوليو وتصحيح المسار وبناء المستقبل»، و«ثورة يوليو والهوية المصرية»، و«ثورة يوليو وتحديات المستقبل».

وفي الفيوم، يناقش لقاء بعنوان «الأدب والثورة.. التحولات الثقافية بعد ثورة يوليو» العلاقة بين الثورة والمشهد الأدبي والتحولات الثقافية التي أعقبتها، بمشاركة الكاتب أحمد طوسون والكاتبة سهير ربيع.

وتتناول فعاليات أخرى قضايا مثل مكتسبات المرأة من الثورة، وأهداف الثورة، والتغيير الاجتماعي والاقتصادي، والتنمية الوطنية ومواجهة التحديات.

وفي الغربية، أقيمت محاضرة حول دور التراث الشعبي والفلكلور المصري في مقاومة الاحتلال، بينما تنظم دار الكتب بطنطا لقاء حول "ثورة يوليو وتحديات المستقبل".

وفي دمياط، تحمل إحدى المحاضرات عنوان "مفترق طرق.. تأملات في لحظة غيرت وجه التاريخ"، في محاولة لقراءة اللحظة التاريخية التي قادت إلى قيام الثورة وما ترتب عليها من تحولات.

الأطفال والشباب في قلب البرنامج


يولي البرنامج اهتماماً واضحاً بالأنشطة الموجهة إلى الأطفال والشباب، من خلال ورش الرسم والحكي والمسرح والكتابة الإبداعية والمسابقات الثقافية.

ففي القاهرة، يشهد قصر ثقافة عين حلوان احتفالية تتضمن فقرة غنائية وورشاً فنية ومسابقة ثقافية وعرضاً لمسرح العرائس.

وفي الجيزة، تشمل الفعاليات ورشاً فنية وورش حكي وعروضاً لمسرح العرائس، إلى جانب عروض العرائس القفازية في مركز طفل المنيرة الغربية.

كما تنظم مكتبة الطفل والشباب بسنورس في الفيوم احتفالية تتضمن ورشة للرسم وفقرة فنية للموهوبين ومعرضاً للكتب، فيما تقدم مكتبة الطفل والشباب العامة بطامية محاضرة حول "يوليو والهوية المصرية" يتبعها عدد من الورش الفنية.

وفي الإسكندرية، ينظم قصر ثقافة الشاطبي ورشة لتصميم اللوحات الفنية، بينما يقدم قصر الثقافة لاحقاً ورشة للكتابة الإبداعية للأطفال، تتضمن تدريبهم على كتابة قصص عن بطولات الجيش المصري.

ويحضر مسرح العرائس وورش الحكي كذلك في عدد من المحافظات، بما يعكس توجه البرنامج إلى تقديم المناسبة للأجيال الأصغر عبر وسائل تعليمية وفنية أكثر قرباً من عالمهم.

الثورة بوصفها موضوعاً أدبياً


يحضر الأدب والشعر أيضاً في برنامج الاحتفالات، من خلال أمسيات شعرية ولقاءات تتناول العلاقة بين الثورة والتحولات الثقافية.

وتشهد دمياط أمسية شعرية في مركز شباب عزبة البرج بمشاركة عدد من الأدباء، بينما تتضمن احتفالية السويس أمسية شعرية إلى جانب العروض الفنية.

وفي الأقصر، تجمع الفعالية المقامة في ساحة أبو الحجاج الأقصري بين عرض للموسيقى العربية وآخر لفرقة الطفل للفنون الشعبية وورشة فنية وأمسية شعرية، إلى جانب محاضرة بعنوان "23 يوليو بداية وحرية".

ويكشف هذا التنوع عن محاولة لربط الاحتفال بالمناسبة بسلسلة من الأشكال الثقافية، بحيث لا تبقى الثورة موضوعاً لمحاضرات التاريخ والسياسة فقط، وإنما تتحول إلى مادة للفن والشعر والكتابة والإبداع.

من القاهرة إلى سيناء والوادي الجديد


يمتد البرنامج إلى مناطق جغرافية واسعة، من القاهرة والجيزة والإسكندرية إلى محافظات الصعيد والدلتا وسيناء والوادي الجديد.

وفي جنوب سيناء، تتوزع الفعاليات بين سانت كاترين ودهب ورأس سدر وطور سيناء وطابا وشرم الشيخ ونويبع، وتشمل محاضرات ولقاءات تثقيفية وحفلات فنية ومعارض وفعاليات للأطفال.

ويستضيف مسرح قصر ثقافة طور سيناء حفلاً فنياً بمشاركة فريق كورال الطفل، إلى جانب معرض فني ومحاضرات، بينما يشهد قصر ثقافة شرم الشيخ حفلاً لفريق كورال الطفل، وتقام فعالية أخرى في بيت ثقافة نويبع.

أما الوادي الجديد، فيشهد قصر ثقافة الخارجة احتفالية تجمع بين عروض الفنون الشعبية والموسيقى العربية، بينما تتواصل الفعاليات في قصر ثقافة الطفل بالخارجة، وبيت ثقافة موط، وثقافة الجديدة، التي تستضيف محاضرات وورش حكي حول الثورة والثقافة والهوية المصرية.

وتبرز في هذا التوزيع الجغرافي مشاركة المحافظات الحدودية، ولا سيما سيناء والوادي الجديد، بما يمنح الاحتفالات طابعاً وطنياً شاملاً يتجاوز المراكز الثقافية الكبرى.

بين الاحتفال الرسمي وإعادة تقديم الذاكرة


وتقدم الهيئة العامة لقصور الثقافة هذه الفعاليات في إطار تعريف الجمهور بأسباب قيام ثورة 23 يوليو، وما تعتبره إنجازات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية أسهمت في تشكيل ملامح الدولة المصرية الحديثة.

وتحضر في عناوين الندوات والمحاضرات مفردات مثل "بناء المستقبل"، و"تصحيح المسار"، و"الهوية المصرية"، و"التنمية الوطنية"، وهي عناوين تضع الثورة ضمن سردية ممتدة تربط الماضي بالحاضر، وتقدمها بوصفها محطة تأسيسية في تاريخ الجمهورية المصرية.

وفي المقابل، فإن البرنامج، بحجمه وانتشاره، يعكس الدور الذي تلعبه المؤسسات الثقافية الرسمية في المناسبات الوطنية، حيث تتحول قصور الثقافة والمكتبات والمراكز الثقافية إلى فضاءات لإعادة إنتاج الذاكرة الوطنية عبر الموسيقى والفنون الشعبية والمسرح والندوات.

ويمنح هذا النمط من الاحتفال مساحة كبيرة للفن بوصفه أداة لاستعادة الأحداث التاريخية، سواء من خلال الأغنية الوطنية أو العروض الشعبية أو المسرح أو الفنون البصرية، في حين تتولى المحاضرات واللقاءات تقديم القراءة السياسية والاجتماعية للحدث.

احتفال يمتد إلى نهاية يوليو


ومن المقرر أن تتواصل الفعاليات على مدار أسبوع، لتشمل عشرات الأنشطة في المحافظات، وصولاً إلى 28 يوليو، بما يجعل الاحتفال بذكرى ثورة 23 يوليو واحداً من البرامج الموسمية الواسعة التي تنظمها الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وبين الحفلات الموسيقية والعروض الشعبية، والورش الفنية ومعارض الكتب، وندوات التاريخ والسياسة، والأمسيات الشعرية وورش الحكي، يحاول البرنامج تقديم الثورة من خلال أكثر من مدخل ثقافي وفني، مع التركيز بصورة خاصة على الأطفال والشباب.

وتبدو الفكرة الأساسية وراء هذا البرنامج هي نقل المناسبة من مجرد ذكرى تاريخية إلى حدث ثقافي متجدد، عبر استدعاء الثورة في الأغنية والفن والأدب والحكاية الشعبية، وإعادة طرح أسئلتها وتأثيراتها أمام أجيال لم تعش زمنها.

وبذلك، فإن احتفالات الذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو لا تقتصر على استعادة حدث وقع قبل أكثر من سبعة عقود، وإنما تقدم، وفق رؤية المؤسسة الثقافية الرسمية، محاولة لإعادة بناء الصلة بين الذاكرة الوطنية والمشهد الثقافي المعاصر، من خلال برنامج واسع يضع الفن في قلب الاحتفال، ويجعل من قصور الثقافة والمكتبات والمراكز الفنية مساحات لاستحضار تاريخ الجمهورية المصرية وتقديمه للأجيال الجديدة.

لماذا يستمر الاحتفاء بثورة يوليو؟


لكن هذا الاحتفاء الرسمي الواسع بذكرى ثورة 23 يوليو يفتح، في الوقت نفسه، باباً لأسئلة نقدية تتجاوز البرنامج الاحتفالي نفسه، وفي مقدمتها سؤال حول أسباب استمرار المؤسسة الثقافية الرسمية في ترسيخ سردية الثورة بوصفها لحظة تأسيسية إيجابية في تاريخ الدولة المصرية، من دون إتاحة مساحة موازية لمناقشة آثارها السياسية طويلة المدى.

فثورة يوليو لم تكن مجرد تحول في نظام الحكم من الملكية إلى الجمهورية، وإنما كانت أيضاً بداية مرحلة أصبح فيها الجيش لاعباً مركزياً في إدارة الدولة والحياة السياسية، وهو مسار استمر لعقود طويلة وأعاد تشكيل علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة والمجتمع والاقتصاد. ومن هذه الزاوية، يرى منتقدون أن الاحتفاء المتواصل بالثورة، خصوصاً من خلال المؤسسات الثقافية الرسمية، يرسخ قراءة أحادية للتاريخ تركز على ما تعتبره الثورة من إنجازات اجتماعية واقتصادية، بينما تقلل من مساحة النقاش حول التحول الذي أدخل المؤسسة العسكرية في قلب بنية الحكم، وما ترتب على ذلك من آثار على الحياة السياسية والمدنية.

كما يطرح هذا الاحتفاء سؤالاً آخر حول قدرة المؤسسات الثقافية الرسمية على تقديم تاريخ الثورة بوصفه موضوعاً للنقاش، لا مجرد مناسبة للاحتفال. فثورة يوليو، مثل غيرها من التحولات الكبرى، تحمل جوانب متعددة ومتناقضة؛ فقد ارتبطت بإعادة توزيع الثروة وتوسيع قاعدة التعليم والصعود الاجتماعي لفئات واسعة، لكنها ارتبطت كذلك بإلغاء التعددية الحزبية وتقييد المجال السياسي، وبناء نظام شديد المركزية، وصولاً إلى ترسيخ دور المؤسسة العسكرية في الدولة.

ومن ثم، فإن إعادة تقديم الثورة إلى الأجيال الجديدة عبر المحاضرات وورش الحكي والعروض الفنية تثير تساؤلاً بشأن طبيعة الذاكرة التي يجري إنتاجها: هل الهدف هو الحفاظ على سردية وطنية رسمية غير قابلة للنقاش، أم فتح المجال أمام قراءة تاريخية أكثر تعدداً تسمح للأجيال الجديدة بفهم الثورة في سياقها، بما لها وما عليها؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل استمرار حضور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية المصرية بعد عقود من ثورة يوليو، الأمر الذي يجعل استدعاء ذكراها ليس مجرد فعل ثقافي أو تاريخي محايد، بل جزءاً من نقاش أوسع حول طبيعة الدولة المصرية الحديثة، وحدود العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، وموقع المجتمع المدني والأحزاب والمؤسسات المنتخبة في إدارة الشأن العام.

ومن هذه الزاوية، ربما لا تكمن المشكلة في الاحتفال بذكرى ثورة يوليو بحد ذاته، وإنما في غياب التعدد في قراءة هذه الذكرى. فالمجتمع الذي يريد بناء ذاكرة وطنية ناضجة يحتاج إلى أن يرى تاريخه بكل تعقيداته، وأن يتيح المجال لطرح الأسئلة حول التحولات التي صنعت الدولة الحديثة، لا أن يكتفي بإعادة إنتاج رواية واحدة عنها. وفي حالة ثورة يوليو، فإن الاحتفال الحقيقي بالتاريخ قد يبدأ من القدرة على مناقشة إرثها السياسي، بما في ذلك السؤال عن الكيفية التي انتقلت بها مصر من نظام ملكي إلى جمهورية ارتبط فيها الجيش بصورة غير مسبوقة بمركز السلطة، وما إذا كان هذا الإرث لا يزال حاضراً في بنية الدولة المصرية حتى اليوم.