انطلقت أمس الأحد في العاصمة السورية دمشق
فعاليات الدورة الأولى من "
مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي"، برعاية
وزارة الثقافة السورية، وبمشاركة شعراء ومبدعين من
سوريا و14 دولة عربية، في
تظاهرة أدبية تسعى إلى إعادة الشعر إلى واجهة المشهد الثقافي في العاصمة السورية،
وفتح فضاء جديد للتواصل بين التجارب الشعرية العربية، تحت شعار "الشعر يبدأ
من دمشق"، في مهرجان يمتد على مدى ستة أيام ويجمع بين الأمسيات الشعرية
والندوات النقدية والحوارات الثقافية والفعاليات الفنية، مستلهما من المكانة
التاريخية لدمشق ودورها في تشكيل الذاكرة العربية، ومقدما القصيدة بوصفها مساحة
للحوار واستعادة الذاكرة وطرح أسئلة الحاضر واستشراف المستقبل.
الصالح: الشعر جزء من استعادة الدور الثقافي
لدمشق
وخلال حفل افتتاح المهرجان، أكد وزير
الثقافة السوري محمد ياسين الصالح أهمية الشعر بوصفه أحد أبرز أشكال التعبير
الثقافي العربي، مشددا على أن احتضان دمشق لمهرجان دولي بهذا الحجم يأتي في سياق
العمل على إعادة تنشيط الحياة الثقافية السورية وتعزيز حضور العاصمة في المشهد
الأدبي العربي.
وتحمل مشاركة الوزير في افتتاح الدورة
الأولى دلالة خاصة، إذ يأتي إطلاق المهرجان في مرحلة تسعى فيها المؤسسات الثقافية
السورية إلى إعادة بناء حضورها في المجال العام، واستعادة دور الفضاءات الثقافية
والفنية والأدبية في حياة السوريين، بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والاضطراب
الذي انعكس على مختلف جوانب الحياة الثقافية.
ومن هذا المنطلق، يبدو المهرجان محاولة
لإعادة الاعتبار إلى دمشق بوصفها مدينة للثقافة والأدب، وليس فقط عاصمة سياسية،
عبر استضافة أصوات شعرية متعددة من العالم العربي، وإتاحة المجال أمام الجمهور
السوري للتعرف إلى تجارب شعرية مختلفة، بعضها يطل للمرة الأولى على جمهور دمشق.
وأعلن وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، خلال
حفل افتتاح المهرجان، عن تكريم عدد من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي والشعري
العربي، تقديرا لإسهاماتهم الأدبية ومواقفهم ودورهم في خدمة الثقافة العربية؛ من
بينهم الشاعر اللبناني شوقي بزيع، تقديرا لموقفه الرافض لجرائم النظام السوري
السابق، والناقد السوري خلدون الشمعة، الذي يُعاد تكريمه في دمشق بعد نحو خمسين
عاما قضاها في المنفى، والناقد السعودي عبد الله الغذامي، لدوره الريادي في النقد
الأدبي العربي، إلى جانب الشاعرة الكويتية الشيخة سعاد الصباح، والشاعر والباحث القطري
حسن النعمة، والشاعر الكويتي مشعل الزعبي، فضلا عن الشاعر والأديب علي المسعودي،
الذي حمل في تجربته الأدبية هموم العرب ودمشق. كما أعلن الصالح عن الانتهاء من
الاستعدادات لإطلاق "جائزة البردة الشامية" في مجال المديح النبوي، و"جائزة
السيف الدمشقي للشعر العربي"، في خطوة تهدف إلى تعزيز حضور الشعر العربي
وتشجيع الإبداع والاحتفاء بالمنجز الأدبي، وربط الجوائز الجديدة بالمكانة
التاريخية والثقافية لدمشق ودورها في الحياة الأدبية العربية.
"الشعر يبدأ من دمشق".. شعار
يستدعي ذاكرة المدينة
اختارت وزارة الثقافة للمهرجان شعار "الشعر
يبدأ من دمشق"، وهو شعار يحمل في طياته إحالة إلى العلاقة التاريخية بين
المدينة والقصيدة العربية.
فدمشق، التي تعاقبت عليها حضارات
وإمبراطوريات وثقافات متعددة، ظلت حاضرة في المخيال العربي بوصفها مدينة للعلم
والأدب والفن، ومكانا تفاعلت فيه تجارب الشعراء والمثقفين على امتداد قرون.
وتستعيد الدورة الأولى من المهرجان هذه
الذاكرة لتطرحها في سياق معاصر، حيث لا تقدم القصيدة باعتبارها فنا منفصلا عن
الواقع، وإنما باعتبارها وسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن التحولات الإنسانية
والاجتماعية والسياسية.
وبحسب التصور الذي قدمته وزارة الثقافة
للمهرجان، فإن الشعر لطالما أدى دورا يتجاوز الجمال اللغوي والإيقاع، إذ كان
بمثابة «ديوان العرب» الذي يحفظ أخبارهم وقيمهم وتجاربهم، قبل أن تتولى الكتب
والمؤسسات الحديثة مهمة تسجيل التاريخ وتوثيقه.
ومن هنا، يأتي المهرجان ليعيد طرح السؤال
حول وظيفة الشعر في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه المجتمعات، وما إذا كانت
القصيدة لا تزال قادرة على أن تكون سجلا للذاكرة وفضاء للحوار الإنساني.
شعراء من 15 دولة عربية
وتشارك في المهرجان نخبة من الشعراء
السوريين والعرب، يمثلون تجارب واتجاهات مختلفة من بلدان عربية عدة، من بلاد الشام
والخليج العربي إلى العراق واليمن ودول المغرب العربي وشمال أفريقيا.
وتتيح هذه المشاركة الواسعة مساحة للتفاعل
بين مدارس شعرية متعددة، وبين تجارب تنتمي إلى بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة، ما
يمنح المهرجان فرصة لأن يتحول إلى منصة للحوار الأدبي، وليس مجرد سلسلة من
الأمسيات الشعرية.
ويقدم المشاركون خلال أيام المهرجان قصائد
بالفصحى وأخرى من الشعر النبطي، بما يعكس التنوع الذي تعرفه الخريطة الشعرية
العربية، فضلا عن تقديم نصوص وقصائد جديدة أمام الجمهور السوري، في محاولة لخلق
صلة مباشرة بين الشعراء والمتلقين.
ويأتي هذا التنوع في وقت يشهد فيه المشهد
الشعري العربي تحولات متسارعة، مع استمرار حضور القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة
والقصيدة الحديثة، إلى جانب الشعر النبطي، وتزايد النقاش حول علاقة الشعر بالمنصات
الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وتغير عادات القراءة والتلقي.
أكثر من قصائد.. برنامج ثقافي متنوع
ولا يقتصر برنامج المهرجان على القراءات
الشعرية، بل يتضمن محاضرات نقدية وندوات حوارية تتناول الشعر واللغة والثقافة
وأسئلة الإبداع، بمشاركة شعراء ونقاد ومثقفين.
ويعكس هذا الجانب رغبة في تقديم المهرجان
باعتباره ملتقى ثقافيا متكاملا، يفتح النقاش حول الشعر من زوايا متعددة، بدلا من
حصره في الأمسيات والإلقاء.
وتتناول الحوارات النقدية قضايا تتصل بمكانة
الشعر في الثقافة العربية، وتطور اللغة الشعرية، وتحولات القصيدة، ودور الشاعر في
المجتمع، فضلا عن العلاقة بين الإبداع والواقع.
كما تطرح هذه الندوات أسئلة حول مستقبل
الشعر العربي، في ظل التغيرات التي طرأت على أدوات النشر والتلقي، وانتقال جزء
كبير من الإنتاج الأدبي إلى المنصات الرقمية.
ويمنح الجمع بين الشعر والنقد مساحة للتفاعل
بين المبدعين والنقاد والجمهور، وهو ما يمكن أن يثري النقاش حول طبيعة القصيدة
العربية اليوم، ويكشف عن اتجاهات جديدة في الكتابة الشعرية.
الفن يرافق القصيدة
ويضم برنامج المهرجان أيضا فعاليات فنية
مرافقة للقراءات الشعرية، من بينها العزف الموسيقي والإنشاد وطقوس المولوية
والفنون التشكيلية.
ويعكس هذا الحضور للفنون المتنوعة رؤية تقوم
على التداخل بين أشكال التعبير الثقافي، حيث لا تقدم القصيدة في عزلة عن الموسيقى
والصورة والأداء، وإنما ضمن فضاء فني أوسع.
وتحمل الموسيقى، على وجه الخصوص، علاقة
تاريخية وثيقة بالشعر العربي، سواء من خلال الإيقاع الشعري أو الغناء أو الإنشاد،
بينما تفتح الفنون التشكيلية مجالا آخر للتفاعل بين الكلمة والصورة.
ومن شأن هذا التنوع أن يجعل المهرجان أقرب
إلى تظاهرة ثقافية شاملة، تستقطب جمهوراً أوسع من المهتمين بالشعر وحده، وتتيح
للزوار التعرف إلى الثقافة السورية في أبعادها المتعددة.
دمشق.. المدينة التي تستعيد قصيدتها
ويتجاوز اختيار دمشق لاستضافة المهرجان
الجانب الرمزي، إذ تحمل المدينة إرثا أدبيا وشعريا يمتد عبر قرون.
ففي الذاكرة الأدبية العربية، ارتبطت دمشق
بأسماء وتجارب شعرية كثيرة، وظلت موضوعا حاضرا في قصائد شعراء من عصور مختلفة.
ويستعيد المهرجان هذا الإرث من خلال برنامجه
الذي يتضمن جولات في أحياء دمشق القديمة، إلى جانب زيارات إلى مواقع تاريخية في
ريف دمشق، مثل معلولا وصيدنايا، فضلا عن زيارة محافظة درعا.
وتمنح هذه الجولات المهرجان بعدا يتجاوز
قاعات الندوات والمسارح، إذ تضع الشعراء المشاركين أمام المكان السوري نفسه، بما
يحمله من طبقات تاريخية وثقافية ودينية واجتماعية.
وبذلك، تتحول المدينة إلى جزء من برنامج
المهرجان، ويصبح المكان مكونا من مكونات التجربة الشعرية، بحيث لا يكتفي الشعراء
بقراءة قصائدهم أمام الجمهور، وإنما يعيشون فضاء دمشق ويتفاعلون مع تاريخها
ومعالمها.
المهرجان في سياق ثقافي سوري جديد
ويأتي إطلاق مهرجان دمشق الدولي للشعر
العربي في مرحلة تشهد فيها سوريا محاولات لإعادة ترتيب المشهد الثقافي، بعد سنوات
الحرب التي أثرت في المؤسسات الثقافية، وأضعفت حركة النشر، وأدت إلى تشتت أعداد
كبيرة من المثقفين والفنانين السوريين داخل البلاد وخارجها.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة المهرجان
باعتباره جزءا من محاولة أوسع لإعادة تنشيط الحياة الثقافية، وخلق مساحات للتفاعل
بين السوريين ومحيطهم العربي.
وتبرز أهمية هذه الخطوة في ظل الحاجة إلى
استعادة المؤسسات الثقافية لدورها في المجتمع، وفتح المجال أمام الحوار والتبادل
الإبداعي، وتعزيز حضور الفنون والآداب في المجال العام.
كما أن استضافة شعراء من دول عربية مختلفة
تتيح فرصة للتواصل بين التجربة السورية وتجارب عربية أخرى، بما يمكن أن يسهم في
بناء جسور ثقافية جديدة، وإعادة دمشق إلى خارطة الفعاليات الأدبية العربية.
الشعر كجسر بين التجارب العربية
ومن أبرز ما يميز المهرجان في دورته الأولى
أنه يضع الشعر في إطار عربي واسع، بعيدا عن الحدود الجغرافية والسياسية.
فالشاعر، في هذا السياق، لا يمثل بلده فقط،
وإنما يقدم تجربة إنسانية وثقافية يمكن أن تتقاطع مع تجارب شعراء آخرين من بيئات
مختلفة.
وتوفر الأمسيات والندوات فرصة للتعرف إلى
تحولات الشعر العربي في أقطار متعددة، ومقارنة الأساليب والموضوعات واللغات
الشعرية، بما يعزز التبادل الثقافي بين المشاركين.
كما يمكن للمهرجان أن يشكل مساحة للتعارف
بين أجيال مختلفة من الشعراء، وخصوصا إذا نجح في استقطاب الأصوات الجديدة إلى جانب
الأسماء المعروفة.
وهذا النوع من اللقاءات يمكن أن يفتح الباب
أمام مشاريع تعاون مستقبلية، مثل الإصدارات المشتركة والأنطولوجيات الشعرية
والترجمات والملتقيات الأدبية، بما يعزز حركة الشعر العربي خارج أطره المحلية.
أسئلة القصيدة في زمن التحولات
في عالم عربي شهد خلال السنوات الماضية
حروبا وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، تطرح استضافة مهرجان شعري دولي في
دمشق سؤالا عن موقع الشعر في مواجهة الواقع.
هل تستطيع القصيدة أن تواكب التحولات الكبرى
التي يعيشها الإنسان العربي؟ وهل يمكن للشعر أن يتحول إلى مساحة للحوار حين تعجز
السياسة عن ذلك؟ وهل لا تزال اللغة الشعرية قادرة على التعبير عن التجارب
الإنسانية في زمن السرعة والمنصات الرقمية؟
هذه الأسئلة ستكون، بشكل أو بآخر، حاضرة في
أجواء المهرجان، سواء عبر الندوات النقدية أو القصائد التي سيقدمها المشاركون.
فالقصيدة العربية لم تعد تكتب فقط عن الحب
والطبيعة والحنين، وإنما أصبحت تحمل أيضا أسئلة الحرب واللجوء والمنفى والهوية
والعدالة والحرية، وتبحث عن لغة جديدة للتعبير عن عالم سريع التغير.
ومن هنا، فإن المهرجان يمكن أن يكون مناسبة
لإعادة النقاش حول وظيفة الشعر، ليس بوصفه ترفا ثقافيا، وإنما باعتباره أحد أشكال
التعبير عن الإنسان وذاكرته وأسئلته.
افتتاح دورة أولى.. وتحدي الاستمرار
يمثل إطلاق الدورة الأولى من "مهرجان
دمشق الدولي للشعر العربي" خطوة تأسيسية، لكن نجاحها الحقيقي سيقاس بمدى قدرة
المهرجان على الاستمرار والتحول إلى موعد ثقافي سنوي ثابت.
فالفعاليات الثقافية الكبرى تحتاج إلى تراكم
الدورات، وتطوير البرامج، وتوسيع دائرة المشاركة، وإتاحة مساحة أكبر للأصوات
الجديدة، حتى تتحول إلى مؤسسات ثقافية راسخة لا ترتبط بحدث عابر.
كما أن الحفاظ على مستوى نوعي في اختيار
الشعراء والباحثين والموضوعات سيكون عاملا أساسيا في ترسيخ مكانة المهرجان على
خريطة الفعاليات الشعرية العربية.
وإذا نجح المهرجان في بناء تقليد سنوي يجمع
الشعراء العرب في دمشق، فإنه قد يتحول مع مرور الوقت إلى منصة مهمة للتبادل
الثقافي، ومجالا لاستعادة الدور التاريخي للعاصمة السورية في الحياة الأدبية
العربية.
القصيدة تعود إلى دمشق
في دورته الأولى، يقدم "مهرجان دمشق
الدولي للشعر العربي" نفسه باعتباره أكثر من فعالية أدبية؛ إنه محاولة
لاستعادة الصلة بين المدينة والقصيدة، وبين الذاكرة الثقافية السورية والمشهد
العربي الأوسع.
ومن خلال شعار "الشعر يبدأ من دمشق"،
تستحضر وزارة الثقافة تاريخ المدينة بوصفها فضاءً للشعر والثقافة، بينما تسعى عبر
استضافة شعراء من 14 دولة عربية إلى فتح نافذة جديدة على التجارب الأدبية المعاصرة.
وبين القصائد الفصيحة والنبطية، والندوات
النقدية، والموسيقى والإنشاد والفنون التشكيلية، والجولات في دمشق القديمة
ومواقعها التاريخية، يحاول المهرجان أن يقدم صورة متعددة الأبعاد للثقافة، وأن
يجعل من الشعر نقطة التقاء بين الماضي والحاضر.
وفي النهاية، فإن قيمة الدورة الأولى لن
تتحدد فقط بعدد الشعراء المشاركين أو حجم الفعاليات، وإنما بقدرتها على تأسيس
تقليد ثقافي مستدام، يجعل من دمشق مرة أخرى محطة للحوار الشعري العربي، ويمنح
القصيدة مساحة لتقول ما لا تستطيع الوقائع وحدها قوله، ولتحفظ من الذاكرة ما قد
يضيع في زحام الأحداث.