يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي
تصعيده العسكري بشكل كبير في قطاع
غزة، رغم الإعلان عن اتفاق جديد مع حركة "حماس" يتضمن أكثر القضايا حساسية وهو سلاح المقاومة الفلسطينية، والذي اعتبره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمثابة "اتفاق تاريخي".
وشهدت الأيام القليلة الماضية تصعيدا عسكريا مكثفا واستمرارا لعمليات الاغتيال والقصف والتدمير والسيطرة على المزيد من مساحة القطاع المدمر بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية، حيث ارتفع عدد الشهداء أمس الأحد لنحو 19 شهيدا، علما أن الاحتلال منذ إعلان وقف إطلاق النار ودخوله حيز التنفيذ في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لم يتوقف عن خرق الاتفاق بكل السبل وفي كافة الاتجاهات، وهو الآن يسيطر عسكريا على أكثر من 65 في المئة من مساحة القطاع.
الإبادة مستمرة
وحول التصعيد العسكري الإسرائيلي الحاصل في قطاع غزة بالتزامن مع إعلان "مجلس السلام" عن "خارطة طريق" لإنهاء الحرب على القطاع والاتفاق مع حركة "حماس" بشأن قضية سلاح المقاومة، أوضح الخبير الفلسطيني في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت، أن "ما ترمي إليه إسرائيل من وراء هذا التصعيد، هو إيصال رسالة واضحة مؤداها أنها لن تتراجع عن استراتيجيتها الجديدة ضد قطاع غزة، والتي يقف في مركزها استمرار العمليات العسكرية العدوانية ضد ما تعتبره أنه يهدد أمنها".
وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "ما أعلن حتى الآن، أنه تم الاتفاق على تطبيق خريطة طريق تنقل قطاع غزة إلى اليوم التالي، وحيال ذلك أبرزت إسرائيل إصرارها على عدم التخلي عن استراتيجيتها وعن احتلالها لنسبة كبيرة من مساحة قطاع غزة إلا في حال نزع سلاح حركة "حماس"، ما يثبت أنها تؤيد خريطة الطريق في الظاهر وتحت ضغط الولايات المتحدة، أما في الواقع، فهي تواصل سياستها العدوانية التي يبدو أنها لا تقف عند حدود".
وأشار شلحت إلى أن "مثل هذه المقاربة الإسرائيلية أكدها أكثر من مصدر إسرائيلي رسمي وكان في مقدمهم وزير الأمن يسرائيل كاتس، في إشارة واضحة إلى أن الحرب العدوانية على غزة سوف تستمر".
من جانبه، أوضح المختص في الشأن الفلسطيني والإسرائيلي، مأمون أبو عامر، أن "الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين
نتنياهو لم تصدر حتى اللحظة أي بيان رسمي يوضح موقفها من هذا الاتفاق الذي أعلن عنه الرئيس ترامب، فالرد الإسرائيلي على الاتفاق المعلن، يسير في الاتجاه المعاكس".
وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "ما يجري هو رد ميداني على الأرض من قبل جيش الاحتلال، حيث زاد من عمليات القصف المكثف والاغتيالات عن وتيرتها المعتادة في الأيام السابقة، وتضاعف عدد الشهداء حتى وصل أمس 19 شهيدا، وهذا واقع خطير يذكرنا بأيام الحرب قبل إعلان وقف إطلاق النار، وهذا رقم غريب بالنسبة لمعادلة وقف إطلاق النار".
ونوه عامر إلى أن "التصعيد الإسرائيلي يمكن تفسيره في عدة اتجاهات، الأول؛ رسالة لمن أصدر البيان بقبول الاتفاق وخاصة ما أعلنه زعيم التيار الإصلاحي في حركة "فتح" محمد دحلان، أنه جرى الاتفاق مع جاريد كوشنر أن هناك التزام إسرائيلي بالاتفاق ووقف إطلاق النار ابتداء من أمس الأحد، وهذا أغضب نتنياهو بشكل كبير، لأنه لا يريد أن يظهر أمام الجمهور الإسرائيلي بأنه يتلقى الأوامر من واشنطن، وهو يريد أن يظهر بأنه صاحب القرار النهائي، لذلك هو بالغ في التصعيد في القطاع، كي يؤكد أنه صاحب القول الفصل بشأن غزة، وأن لا أحد يمكنه أن يملي عليه ما لا يريد".
الورقة الثقيلة
أما الاتجاه الثاني، فهي "رسالة إلى الإدارة الأمريكية، أن "تل أبيب" غير معنية بهذا الاتفاق، لكن من الناحية العملية، نتنياهو لا يستطيع بعد إعلان ترامب عن الاتفاق أن يدخل في مواجهة أو صدام مع الإدارة الأمريكية، هو يسعى إلى تحسين موقفه في الشارع الإسرائيلي، وأيضا يستغل المعارضة الإسرائيلية للاتفاق من أجل فرض شروطه، والتي من أهمها بحسب ما سرب؛ أن يتم تسليم السلاح وتدميره قبل الانسحاب من غزة، وهذا يختلف عن ما تم الاتفاق عليه، والذي يعتمد الصيغة التبادلية في التنفيذ (خطوة مقابل خطوة)".
ولفت المختص إلى أن "نتنياهو يريد أن يرجع إلى الصيغة الأحادية التي تقلب هرم الاتفاق حسب الرؤية الإسرائيلية"، مستبعدا أن "يحصل نتنياهو على كل ما يريد، علما أن الإدارة الأمريكية في المرحلة الحالية غير معنية بالصدام مع نتنياهو وحلفاء الاحتلال واللوبي الصهيوني في واشنطن، ترامب لن يقبل أن يذله نتنياهو كما لا يمكنه فرض شروطه الكاملة عليه".
وفي ظل هذا الواقع، "يبحث نتنياهو عن صيغة تظهره أنه صاحب "النصر الكامل"، عبر إدخال بعض التعديلات، كما أنه يسعى لتأخير تنفيذ بعض بنود الاتفاق خاصة الانسحاب من المنطقة البرتقالية إلى المنطقة الصفراء التي تمنحه سيطرة في حدود 53 في المئة من مساحة القطاع، وفيما بعد سيناور حتى الانتخابات الإسرائيلية (أكتوبر المقبل)، لأنه من الصعب عليه أن يتخذ في هذا التوقيت (قبيل الانتخابات) خطوات دراماتيكية تثبت فشله في تحقيق "النصر الكامل" الذي سبق وأن تحدث عنه".
وأفاد أبو عامر، أن "نتنياهو يمكنه تقديم بعض الإنجازات ونصر تم تحقيقه في بعض الجوانب، وفي ذات الوقت لا يريد أن يصطدم مع الإدارة الأمريكية، وهذا أمر مقبول في قطاع من الشارع الإسرائيلي".
ولفت إلى أن "قطاع غزة لا يشكل تهديدا حقيقيا كما هو مفهوم في الشارع الإسرائيلي، حسب استطلاعات الرأي في إسرائيل، فقط 6 في المئة يرون أن القطاع يشكل تهديدا لإسرائيل، وبالتالي لم يعد القطاع هو الورقة الثقيلة في انتخابات الكنيست، لكنها ورقة توظيف سياسي، ونتنياهو يحاول توظيفها في مجال الانتصار، وحتى لو نفذ عملية عسكرية كبيرة في القطاع فلن تفيده كثيرا، لذلك يبقى خياره الأفضل هو البحث عن صيغة توافقية مع إدارة ترامب، وذلك من موقع الرفض وليس القبول".