تبحث
إسرائيل
وسوريا مسارًا جديدًا في ظل التحولات السياسية التي شهدتها دمشق، مع بروز تساؤلات
حول مستقبل
هضبة الجولان والمنطقة الأمنية التي أقامتها إسرائيل داخل الأراضي
السورية.
وأكدت صحيفة هآرتس
العبرية أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام اختبار سياسي وأمني معقد بشأن مستقبل هضبة الجولان،
مشيرة إلى أن التوصل إلى اتفاق محتمل مع
سوريا قد يفتح الباب أمام صيغة تقوم على الاعتراف
بالسيادة السورية على المنطقة مقابل ترتيبات أمنية طويلة الأمد، في حال توفرت قيادة
مستعدة لاتخاذ قرارات وصفها التقرير بأنها "شجاعة".
وأشارت الصحيفة، في
تحليل للكاتب جاكي خوجي، معلق الشؤون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي، إلى أن تصريحات
الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مستقبلي مع إسرائيل أثارت
اهتمامًا واسعًا داخل إسرائيل، رغم أن حديثه لم يتضمن أي تنازل عن مطالبة دمشق بهضبة
الجولان.
وأضافت هآرتس أن تصريحات
الشرع جاءت خلال مقابلة مطولة مع قناة الجزيرة، تناول خلالها ملفات داخلية سورية، وعلاقاته
مع الأكراد، ومستقبل بلاده بعد مرور عام ونصف على توليه السلطة، إضافة إلى العلاقات
مع لبنان، التي قال إنه يسعى إلى تطويرها بعد سنوات طويلة من التدخل السوري في شؤونه.
ولفتت الصحيفة إلى
أن الشرع تحدث عن إسرائيل من زاوية إمكانية التوصل إلى ترتيبات حدودية قد تمهد لاتفاق
سلام، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن سوريا لن تتخلى عن حقها في مرتفعات الجولان، قائلاً:
"لن نبيع مرتفعات الجولان".
واعتبرت الصحيفة أن
تصريحات الرئيس السوري لم تحمل جديدًا كبيرًا، إذ سبق له منذ وصوله إلى السلطة أن تحدث
عن رغبته في تحقيق السلام مع إسرائيل، لكنها أوضحت أن أهمية هذه التصريحات تكمن في
أنها جاءت أمام الجمهور السوري بالدرجة الأولى، وليس كرسالة مباشرة للإسرائيليين.
وقالت هآرتس إن الشرع
يدرك أن غالبية السوريين لا ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها خيارًا مقبولًا في الوقت
الحالي، بسبب استمرار احتلال الأراضي السورية، والحرب في غزة، والضربات الإسرائيلية
في لبنان، ولذلك فإن الحديث عن السلام معها يمثل بالنسبة له رسالة سياسية محسوبة.
وأضافت أن أي اتفاق
سلام مع إسرائيل قد يكون مفيدًا للشرع على أكثر من مستوى، خصوصًا إذا ارتبط بإعادة
الجولان إلى سوريا، كما أن تصريحاته قد تكون موجهة أيضًا إلى الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، الذي يسعى الشرع إلى كسب دعمه.
المعضلة
الإسرائيلية الجديدة
وتابعت الصحيفة أن
أحد أبرز الملفات الخلافية بين دمشق وتل أبيب يتمثل في المنطقة الأمنية التي سيطر عليها
الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول
2024.
وأوضحت أن إسرائيل
فرضت سيطرتها على مساحة واسعة من الأراضي السورية إلى جانب هضبة الجولان، مشيرة إلى
أن المنطقة العازلة تمتد لنحو 75 كيلومترًا، ويصل عرضها في بعض المناطق إلى أكثر من
10 كيلومترات.
وأشارت إلى أن أحمد
الشرع طالب إسرائيل بالانسحاب من هذه المنطقة، معتبرًا أن الانسحاب يمكن أن يمهد لاتفاق
حدودي، ومن ثم الانتقال إلى مراحل سياسية أخرى.
لكن الصحيفة أكدت أن
إسرائيل تطالب في المقابل بضمانات أمنية واضحة قبل أي انسحاب، مشيرة إلى أن مسؤولين
إسرائيليين أبلغوا وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال محادثات مباشرة العام الماضي
بأن وجود قوات أخرى، مثل تركيا، داخل مناطق سورية يجعل الوضع أكثر تعقيدًا.
وأضافت أن الشرع طلب
من إسرائيل ترك ملف الأمن له، لكن القيادة الإسرائيلية لا تزال مترددة في منح الثقة
للحكومة السورية الجديدة، ولا ترغب في تسليم أمن حدودها بالكامل إلى طرف لا تزال تشك
في قدرته على السيطرة الكاملة على أراضيه.
المناطق العازلة
وأكدت هآرتس أن سوريا
دولة واسعة تضم أكثر من 20 مليون نسمة ومكونات عرقية متعددة، مشيرة إلى أن مناطق قريبة
من الحدود مع إسرائيل تضم قبائل عربية تمتعت بدرجة كبيرة من الاستقلال خلال السنوات
الأخيرة من حكم الأسد، ثم عززت نفوذها لاحقًا.
وقالت إن قدرة الحكومة
المركزية السورية على فرض سيطرتها الكاملة على المناطق البعيدة لا تزال محل تساؤل،
وهو ما يمثل أحد أسباب القلق الإسرائيلي.
وفي المقابل، أوضحت
الصحيفة أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأراضي السورية قد يتحول إلى عبء على
إسرائيل نفسها، لأنه قد يؤدي إلى احتكاكات مستمرة، أو حتى ظهور مقاومة مسلحة محلية
مع مرور الوقت.
وأضافت أن الجيش الإسرائيلي
يدير حاليًا ثلاث مناطق أمنية عازلة في سوريا وغزة ولبنان، معتبرة أن هذه المناطق قد
تكون مفيدة لفترة قصيرة، لكنها تحمل مخاطر كبيرة على المدى الطويل.
وأشارت إلى أن إنشاء
منطقة أمنية جديدة قد يجعل إسرائيل تعرف كيف تبدأ هذا المسار، لكنها لا تستطيع معرفة
نهايته أو الثمن الذي ستدفعه، محذرة من أن تحول المنطقة العازلة إلى ساحة نشاطات معادية
قد يؤدي إلى خسارة فرصة التوصل إلى اتفاق مع دمشق، دون تحقيق أمن دائم.
وأكدت الصحيفة أن المناطق
العازلة ليست بديلًا عن الحلول الدبلوماسية، مشيرة إلى أن أكثر الحدود استقرارًا بالنسبة
لإسرائيل هي الحدود مع مصر والأردن، بسبب وجود اتفاقيات سلام رسمية ومستقرة.
نموذج 67.. هل يكون
الجولان مقابل السلام؟
وقالت هآرتس إن دمشق
وتل أبيب لا تزالان بعيدتين عن الدخول في مفاوضات سلام فعلية، إلا أن تغير السلطة في
سوريا قد يفتح نافذة جديدة لم تكن موجودة سابقًا.
وأضافت أن فكرة
"التأجير طويل الأجل" طُرحت في الماضي كحل وسط، قبل أن تتراجع بسبب انعدام
الثقة بين الطرفين، موضحة أن هذا النموذج يقوم على إعلان إسرائيل اعترافها بأن الجولان
جزء من الأراضي السورية ذات السيادة، مقابل حصولها على حق استخدام المنطقة لفترة زمنية
طويلة وفق اتفاق محدد.
ورأت الصحيفة أن هذا
السيناريو قد يكون من أكثر الحلول واقعية إذا أراد الطرفان الوصول إلى سلام حقيقي،
لكنه يحتاج إلى قيادات مستعدة لاتخاذ قرارات صعبة.
وحذرت من أنه في حال
أصرت إسرائيل على الاحتفاظ بالسيادة الكاملة على الجولان، فمن المرجح أن تواجه رفضًا
قاطعًا من دمشق.
أحمد الشرع.. جهادي
سابق أم شريك محتمل؟
وفي الجزء الأخير من
تحليلها، تناولت الصحيفة الجدل داخل إسرائيل حول إمكانية الوثوق بالرئيس السوري أحمد
الشرع بسبب ماضيه السابق كقيادي جهادي مرتبط بتنظيم القاعدة في سوريا.
وأشارت إلى أن هذا
السؤال يُطرح عادة بطريقة مبسطة في الخطاب الإسرائيلي: هل هو عدو أم صديق؟ هل هو إرهابي
أم شريك محتمل؟
لكن الصحيفة قالت إن
تجربة شخصيات أخرى، مثل يحيى السنوار في قطاع غزة، تظهر أن بعض القادة قد ينتقلون من
العمل المسلح إلى أدوار سياسية، وهو ما يفرض تقييمهم بناءً على أفعالهم الحالية وليس
فقط ماضيهم.
وأكدت هآرتس أن الشرع
كان في السابق قائدًا لتنظيم القاعدة في سوريا، لكنه غادر هذا الدور، مشيرة إلى أنه
خلال السنوات الأخيرة اتخذ خطوات مختلفة، من بينها التعاون السري مع وكالة الاستخبارات
المركزية الأمريكية، ووجود قنوات اتصال بين رجاله وإسرائيل.
وأضافت أن الشرع بعد
وصوله إلى الحكم يواجه تحديات أكبر من مجرد إدارة السلطة، تشمل إعادة بناء دولة مدمرة،
وإنعاش الاقتصاد، وتوحيد جماعات عرقية وطائفية مختلفة داخل سوريا.
وأكدت الصحيفة أن الدخول
في مواجهة مع إسرائيل أو شن أعمال عدائية ضدها سيكون ضد مصالح النظام السوري الجديد،
خاصة في ظل فارق القوة الكبير بين الطرفين.
واختتمت هآرتس بالقول
إن القادة يتغيرون مع مرور الوقت، وإن الحكم على رئيس سوريا أو أي زعيم في المنطقة
يجب أن يستند إلى قراراته الحالية وليس ماضيه فقط، مشيرة إلى أن اختبار أي قائد هو
ما يفعله عندما يصبح مسؤولًا عن دولة ومصالح شعب كامل.