الحكومة العراقية: الرواتب ستتأخر .. ماعلاقة إيران؟

أكدت اللجنة المالية النيابية أن الحكومة لم تجمع سوى 3 تريليونات دينار من رواتب شهر تموز - حساب وزارة المالية على إكس
تتفاقم مشكلة السيولة النقدية في العراق وسط مخاوف من صعوبة تأمين رواتب الموظفين خلال الأشهر المقبلة، وذلك بعدما أقدمت الحكومة العراقية على سحب كتل نقدية كبيرة من المصارف لتغطية نفقاتها الجارية، في وقت تعتمد فيه البلاد بشكل شبه كامل على عائدات النفط.

وفي اعتراف حكومي بعد سلسلة من التصريحات التي طمأنت العراقيين، أقر المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، الخميس، بوجود أزمة مالية حقيقية تمر بها البلاد، وأوضح أن المتطلبات الشهرية للعراق كبيرة جداً، مشيراً إلى أن آلية صرف الرواتب لن تكون كما في السابق.


 
وأكد العبودي خلال حوار تلفزيوني، أنه "سيكون هناك تأخير في الرواتب حتى تكتمل المبالغ وتوزع بالطريقة التي تتولاها وزارة المالية، التي تعاني من نقص السيولة، لاسيما مع استمرار تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الصادرات الإيرادية".

من جهته، قال النائب حيدر المطيري إن وزير المالية أبلغه بوجود عجز نقدي يُقدّر بنحو 3.3 تريليونات دينار، موضحاً أن الكلفة الشهرية للرواتب تبلغ 7.8 تريليونات دينار، في حين جرى صرف 3 تريليونات لبعض الوزارات، ولا يتوفر حالياً سوى 1.5 تريليون دينار.

وما زال العراق يتصدر قوائم الدول الأكثر فساداً في العالم بعد أكثر من عشرين عاماً على الغزو الأمريكي وتغيير النظام السياسي في البلاد، في وقت أكد فيه القاضي منير حداد أن حجم الأموال المنهوبة من العراق منذ عام 2003 وحتى الآن يتجاوز حاجز 2 تريليون دولار.

الحكومة السابقة أورثت الحالية ديوناً ثقيلة

من جهته، قال عضو اللجنة المالية النيابية، رياض التميمي، إن العراق يمر بأزمة اقتصادية شملت جميع مؤسسات الدولة، وأن الحكومة لن تتمكن من دفع الرواتب في ظل هذه الأزمة، موضحاً أن الحكومة لم تجمع سوى 3 تريليونات دينار من رواتب شهر تموز.

وأوضح التميمي أن العراق لم يشهد أزمة مماثلة من قبل، لافتاً إلى عدم تصدير النفط في شباط/فبراير الماضي، مبيناً أن "الحكومة السابقة سلمت الحالية مديونية حقيقية تبلغ 216 تريليوناً (110 تريليونات دين داخلي و106 تريليونات ديون للشركات والمقاولين) إضافة إلى 10 مليارات دولار دين خارجي".

على صعيد متصل، نقلت وسائل إعلام عراقية عن مصدر في وزارة المالية قوله إن تأخر صرف رواتب الموظفين خلال الفترة الأخيرة يعود إلى ترتيبات ومراسلات وإجراءات مالية جديدة لم تعتد عليها الجهات المسؤولة عن تمويل الرواتب، مبيناً أن الأشهر الماضية شهدت حالة من الإرباك الإداري.

وأوضح المصدر أن “آلية تمويل الرواتب كانت قبل اندلاع الحرب ضد إيران تسير وفق مسار واضح يبدأ من بيع النفط وتحويل عائداته إلى النظام المالي الدولي، ثم وصول الدولار إلى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، قبل تحويله إلى البنك المركزي العراقي، الذي يتولى بيع العملة وتوفير الدينار اللازم لوزارة المالية لصرف الرواتب”.

ويضيف أن “هذا المسار لم يعد يعمل بالشكل السابق بعد التطورات الأخيرة، إذ تغيرت أدوات توفير السيولة، وأصبحت تعتمد على مراسلات أكثر تعقيداً بين البنك المركزي والجهات الحكومية، الأمر الذي تسبب في بطء الإجراءات الفنية والإدارية، وانعكس بصورة مباشرة على توقيتات إطلاق التمويل”.

ورغم تأكيد المصدر تأمين رواتب شهر تموز/يوليو، إلا أنه أشار إلى أن المرحلة التالية ستكون مرتبطة بإقرار قانون الاقتراض الذي تعمل الحكومة والبرلمان على إنجازه، بما يوفر الغطاء القانوني لإدارة الالتزامات المالية خلال ما تبقى من العام.

نحو 11 تريليون دينار.. مستحقات رواتب شهرية

وسبق أن كشف وزير الصحة، عبد الحسين الموسوي، عن أزمة مالية خانقة تعصف بقطاع الصحة، قائلاً "فلوس ماكو"، وأن الحكومة يتركز همُّها الأساس من الأول إلى نهاية الشهر على تأمين الرواتب التي تبلغ نحو 11 تريليون دينار، في وقت لم يتجاوز فيه إجمالي صادرات العراق النفطية خلال 4 أشهر مبلغ 2 تريليون دينار.

وأوضح الموسوي أن البنى التحتية للمستشفيات "تعبانة"، وأن شركة "كيماديا" أوقفت توريد الأدوية المتعاقد عليها مع العراق بسبب المستحقات المالية المتراكمة، واصفاً أوضاع بعض المستشفيات بـ"البائسة".

"زعماء الصدفة".. أفلسوا العراق

بدوره، حمّل القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية، عدنان الدنبوس، ما سماهم بـ"زعماء الصدفة"، الذين حكموا العراق بعد عام 2003، مسؤولية ما تمر به البلاد اليوم من ضائقة مالية وصعوبة في تأمين الرواتب نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وفي حوار متلفز، اتهم الدنبوس السياسيين بعدم الأخذ بنظر الاعتبار مساعي تنويع الواردات العراقية غير النفطية، والاعتماد على النفط بوصفه المصدر الأساس للإيرادات.


 
كما عبّر الدنبوس عن عتبه الشديد على "الجارة إيران"، لعدم سماحها للنفط العراقي بالمرور عبر مضيق هرمز، ومساهمتها في خنق العراق اقتصادياً، مشيراً إلى أن العراق يعاني منذ قرون بسبب موقعه الجغرافي.

وأضاف أن إيران كانت، في يوم من الأيام، إحدى الدول التي احتلت العراق، والآن لديها تأثير كبير جداً على الاقتصاد العراقي، لافتاً إلى الاعتقاد الذي ساد بعد عام 2003 هو أن الإيرانيين إخوة للعراقيين، وأن الحكومة الإيرانية تولي الوضع في العراق اهتماماً، لكن ما جرى هو مزيد من خنق العراق.

مزيد من الاقتراض

ويتجه مجلس النواب إلى إقرار قانون الاقتراض والمنح لسنة 2026، في ظل غياب قانون الموازنة العامة، بهدف توفير الغطاء القانوني الذي تحتاجه الحكومة للجوء إلى الاقتراض وتمويل النفقات الأساسية خلال المرحلة المقبلة.

وبحسب المعلومات المتداولة داخل اللجنة المالية النيابية، فإن مشروع القانون نوقش مع وزارة المالية، ومن المؤمل أن تتبناه اللجنة تمهيداً لعرضه على البرلمان، إذ يتضمن منح مجلس الوزراء ووزارة المالية صلاحيات أوسع للاقتراض الداخلي والخارجي لتأمين صرف الرواتب وتسيير شؤون الدولة.

وكشف نائب في اللجنة المالية أن مشروع القانون لا يحدد مبلغاً معيناً للاقتراض، موضحاً أن التقديرات الأولية تشير إلى أن الحكومة قد تتجه للحصول على ما بين 10 و15 تريليون دينار من مصادر داخلية وخارجية إذا اقتضت الحاجة.

وأضاف أن “مصادر التمويل الداخلية أصبحت محدودة بعد استنفاد أغلب المصارف الحكومية والتجارية لقدرتها على شراء حوالات الخزينة، ولم يبقَ عملياً سوى البنك المركزي الذي سبق أن وفر مبالغ كبيرة خلال الأشهر الماضية، ما يجعل مساحة التمويل الداخلي أكثر ضيقاً مقارنة بالفترات السابقة”.

كما أشار إلى أن “الحكومة تعول أيضاً على فتح قنوات تمويل خارجية مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، فضلاً عن قطر والإمارات، عبر صيغ تجمع بين القروض والاستثمارات والمشاريع الاستراتيجية”.

وأوضح أن “القانون يمنح الحكومة صلاحية التفاوض على هذه الأدوات التمويلية وفق السقوف التي يحددها وزير المالية ورئيس مجلس الوزراء، من دون أن يلزمها بقيمة اقتراض محددة مسبقاً، وذلك بهدف تمرير نحو 3 أشهر”.