لماذا امتدت جنازة خامنئي إلى 5 مدن في إيران والعراق؟

تحمل تفاصيل الجنازة أبعادًا سياسية وأمنية ورمزية- جيتي
أعاد امتداد مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي عبر عدد من المدن الإيرانية والعراقية إلى الواجهة تساؤلات بشأن فلسفة تعدد محطات الجنازات الرسمية في إيران، والأهداف التي تقف وراء نقل النعوش بين مدن مثل طهران وقم ومشهد والنجف وكربلاء.

وبينما تبدو هذه المراسم ذات طابع ديني في ظاهرها، يرى باحثون وتقارير غربية أنها تحمل في جوهرها أبعادًا سياسية وأمنية ورمزية، وتُستخدم لإظهار التماسك الداخلي، وتوجيه رسائل إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء.

الوصية والرسالة السياسية

ويرى أستاذ دراسات إيران والشرق الأوسط في الجامعة الوطنية الأسترالية، الدكتور علم صالح، أن الجمهورية الإسلامية تنظر إلى مراسم التشييع بوصفها حدثًا متعدد الأبعاد، يُوظَّف لخدمة أهداف سياسية وثقافية ودينية وأمنية في آن واحد، مؤكدًا أن هذا النهج ليس وليد السنوات الأخيرة، بل يمتد إلى تاريخ إيران المعاصر.

وقال صالح في تصريحات سابقة لـ"عربي21" إن "الجمهورية الإسلامية دائمًا تستخدم مثل هذا النوع من المناسبات أو الأحداث كفرصة لكي تستخدمها لأغراض سياسية وثقافية ودينية، وفي الوقت نفسه أمنية"، مضيفًا أن "قضية تشييع الجثمان دائمًا كانت في تاريخ إيران المعاصر، وليس فقط في الجمهورية الإسلامية، جزءًا من الدبلوماسية".

وأوضح أن تفاصيل مراسم التشييع تحمل في ذاتها رسائل مدروسة، مشيرًا إلى أن "كثيرًا من الرموز موجودة فيها؛ أين تقع صلاة الجنازة، وأين يكون مكان دفن الشخص، وطبعا اختيار الآيات القرآنية"، لافتًا إلى أن "من يصلي على المتوفى، هذا أمر أيضًا سياسي جدًا".

وأضاف أن "اختيار هذه الأشياء زمانًا ومكانًا وأشخاصًا وحروفًا وحتى إشعارًا دائمًا لها دلالات سياسية"، بما يعكس حرص السلطات الإيرانية على توظيف كل عنصر في المراسم لإيصال رسائل داخلية وخارجية.

لماذا تمتد المراسم إلى عدة مدن؟

وعن سبب إقامة مراسم التشييع في أكثر من مدينة، بما يشمل مدنًا إيرانية مثل قم ومشهد، إلى جانب النجف وكربلاء في العراق، قال صالح إن اتساع رقعة التشييع يهدف إلى تعظيم الرسالة السياسية والشعبية للمناسبة، هذا بالإضافة إلى طلب ذلك من قبل المتوفى في وصيته مسبقًا.

وذكر أن التشييع شهد حضورًا كبيرًا، وحتى من قبل العراق، نظرًا لأن التشييع يتضمن النجف وكربلاء، ومدنًا إيرانية لها مكانة دينية أيضًا مثل قم ومشهد.

ورأى أن هذا الامتداد الجغرافي يحمل رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة، قائلًا: "هامة جدًا هذه الرسالة للولايات المتحدة، أن الشعب، ورغم وجود احتجاجات ضد الحكومة الإيرانية، ولكن في نهاية المطاف الإيرانيين يقفون أمام أي عدوان أجنبي".

وأضاف أن "هذه أول رسالة أن هذه الحرب ربما حتى وحدت صفوف الإيرانيين على نطاق العلاقات الحكومية والشعب، وأيضًا العلاقات بين المؤسسات الحكومية".

وتابع: "وبما أننا نعرف الآن أن الهيكل السياسي والأمني والعسكري الإيراني بقي منسجمًا أمام العدوان في أيام الحرب وما بعد هذه الحرب"، مشيرًا إلى أن "هذه أكبر رسالة للولايات المتحدة بأنهم كانوا يأملون بأن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي يؤدي إلى إسقاط النظام واحتجاجات كبيرة داخله، وهذا لم يحصل".

وأكد صالح أن "نرى الآن أن الإيرانيين يقفون أمام العدوان الأمريكي والإسرائيلي ويقفون إلى جنب الحكومة".

استعراض للقوة والشرعية

جاء في تقرير أوردته صحيفة "فايننشال تايمز" أن مراسم دفن المرشد الإيراني الراحل لا تمثل مجرد ختام لجنازة استمرت عدة أيام، بل "ستشكل أكثر من مجرد ختام لجنازة استمرت عدة أيام، إذ ستمثل النهاية الرمزية لحقبة امتدت قرابة 37 عامًا، كان خلالها علي خامنئي الشخصية المحورية التي صاغت النظام الإيراني وحافظت على تماسكه".

وأضافت الصحيفة أن امتداد مراسم التشييع عبر عدة مدن لم يكن إجراءً بروتوكوليًا، بل خطوة مقصودة لإبراز تماسك النظام وإظهار حضوره الشعبي.

وأوضحت أن "الجمهورية الإسلامية سعت إلى تحويل مراسم التشييع التي استمرت ستة أيام، والتي نُقل خلالها نعش خامنئي عبر مدن إيرانية وصولًا إلى العراق المجاور، إلى استعراض للتحدي والصمود، مقدمة الحشود الكبيرة المشاركة بوصفها دليلًا على أن النظام لم ينجُ من الحرب فحسب، بل ما زال يحتفظ بقاعدة شعبية موالية".

كما أشارت إلى أن المراسم أدت وظيفة سياسية أخرى، إذ "شكلت مراسم التشييع فرصة لظهور قيادات النظام الجديدة علنًا لأول مرة بعد أشهر من الاختفاء لأسباب أمنية"، في رسالة هدفت إلى إظهار استمرارية مؤسسات الدولة وتماسكها رغم الظروف التي تمر بها البلاد.

حدث جماهيري

أعلنت السلطات الإيرانية في 13 حزيران/ يونيو الماضي أن برنامج الجنازة سيكون في طهران وقم ومشهد، دون أي ذكر حينها لمدينتي كربلاء والنجف في العراق، إلا أنه جرى الإعلان عن توسيع برنامج الجنازة لاحقًا.

وذكرت وكالة "رويترز" في تقرير لها: "لا يقتصر اختيار تعدد محطات التشييع على الاعتبارات التنظيمية أو الدينية، إذ تشير الوقائع إلى أن السلطات الإيرانية سعت إلى تحويل المراسم إلى حدث جماهيري يمتد لأيام، بما يضمن استمرار الحشد الشعبي والزخم الإعلامي، ويعزز الرسائل السياسية التي ترغب في إيصالها داخليًا وخارجيًا".

وشملت مراسم التشييع طهران، وقم، ومشهد، إلى جانب النجف وكربلاء في العراق، وهي مدن تحظى بمكانة دينية خاصة لدى الشيعة، وهو ما يعكس حرص الجمهورية الإسلامية على إضفاء بُعد ديني عابر للحدود على الجنازة، وإبراز امتداد نفوذها ورمزيتها داخل الفضاء الشيعي، وليس داخل إيران فحسب.

ودعا رجال الدين وقادة الجمهورية الإسلامية أنصارهم إلى المشاركة بكثافة في مراسم التشييع في مختلف المدن، في مسعى لإظهار قوة النظام والحفاظ على زخمه العقائدي، وتقديم مشاهد الحشود بوصفها دليلًا على استمرار التأييد الشعبي رغم الحرب والضغوط التي تواجهها البلاد.

وأكد التقرير أن "امتداد مراسم التشييع على مدى أيام وفي أكثر من مدينة أتاح فرصة لعودة كبار المسؤولين والقادة العسكريين إلى الظهور العلني بعد أشهر من الغياب لأسباب أمنية، في رسالة هدفت إلى إظهار تماسك مؤسسات الدولة واستمرارية النظام، رغم رحيل الشخصية التي قادته على مدى نحو أربعة عقود".

وفي مختلف محطات التشييع، شهدت الشوارع حشودًا كبيرة رددت شعارات دينية وثورية، في مشهد سعت السلطات من خلاله إلى تعزيز صورة الوحدة الداخلية، وإبراز التلاحم بين مؤسسات الدولة وأنصارها، بما يدعم الرواية الرسمية بأن الحرب لم تُضعف النظام، بل عززت تماسكه في مواجهة خصومه.