السودان يرفض العقوبات الأمريكية.. اتهامات بلا أدلة وأهدافها "سياسية"

رفضت الحكومة السودانية الاتهامات الأمريكية، مؤكدة أنها عضو في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتلتزم بتقديم الإخطارات الدورية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية..
رفضت الحكومة السودانية، الاثنين، العقوبات التي أعلنت الولايات المتحدة فرضها على الخرطوم على خلفية اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية، ووصفتها بأنها "أحادية وغير قانونية"، مؤكدة أن القرار يستند إلى "مزاعم باطلة" تفتقر إلى الأدلة، في أحدث حلقة من التوتر بين البلدين، وفي وقت يواصل فيه السودان حربه الداخلية التي دخلت عامها الرابع، وسط تعقيدات إقليمية ودولية متزايدة.

وأكدت وزارة الخارجية السودانية، في بيان رسمي، تمسك الخرطوم الكامل بالتزاماتها الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، مشددة على أنها لم تنتج أو تمتلك أو تستخدم هذا النوع من الأسلحة، وأنها واصلت التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والجهات الدولية المختصة وفق الأطر القانونية المعمول بها.

رفض رسمي للعقوبات

وقالت الخارجية السودانية إن الحكومة ترفض "رفضاً قاطعاً" العقوبات الأمريكية التي فرضت بصورة أحادية، معتبرة أنها تفتقر إلى السند القانوني، وتعتمد على اتهامات سبق للخرطوم أن نفتها منذ ظهورها في وسائل الإعلام، عندما نُسبت إلى مصادر مجهولة.

وأضاف البيان أن السودان التزم بجميع الترتيبات المنصوص عليها في اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدميرها، موضحاً أن الخرطوم تواصل تقديم الإخطارات الدورية المطلوبة بموجب الاتفاقية، كما أنها عضو في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهو ما يعكس ـ بحسب البيانـ التزامها بالمنظومة الدولية الخاصة بمنع انتشار هذه الأسلحة.

اتهامات بلا أدلة

وشددت الحكومة السودانية على أنها أبدت استعداداً للتعاون مع الولايات المتحدة للتحقق من أي مزاعم تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية، عبر الآليات الفنية والقانونية المنصوص عليها دولياً، إلا أنها اتهمت واشنطن بعدم تقديم أي أدلة تدعم اتهاماتها.

وأضافت أن الإدارة الأمريكية لم تكتف بعدم تقديم ما يثبت ادعاءاتها، بل تجاوزت أيضاً الإجراءات الفنية المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، واتجهت مباشرة إلى فرض العقوبات.

ورأت الخرطوم أن هذا المسار يؤكد أن القرار الأمريكي تحركه "دوافع سياسية" أكثر من كونه يستند إلى اعتبارات قانونية أو فنية تتعلق بمنع انتشار الأسلحة الكيميائية.

رسائل سياسية

واعتبرت الخارجية السودانية أن العقوبات تعيد إلى الأذهان سوابق اتهمت فيها الولايات المتحدة باستخدام ملف أسلحة الدمار الشامل أو الأسلحة المحظورة لتحقيق أهداف سياسية، في إشارة إلى ملفات دولية سابقة أثارت جدلاً واسعاً.

ودعت الحكومة السودانية واشنطن إلى الالتزام بالاتفاقات الثنائية والقواعد الدولية، وتقديم الأدلة التي تقول إنها تمتلكها، بدلاً من اللجوء إلى إجراءات أحادية الجانب.

أبعاد داخلية وخارجية

ويحمل الرد السوداني رسالة داخلية تؤكد تمسك الجيش والحكومة بشرعيتهما في مواجهة الضغوط الخارجية، في وقت يواصل فيه الجيش عملياته العسكرية ضد قوات الدعم السريع، بينما تسعى السلطات إلى نفي أي اتهامات قد تؤثر على صورتها الدولية أو تمنح مبرراً لمزيد من الضغوط والعقوبات.

كما تعكس اللهجة الحادة في البيان حرص الخرطوم على تقديم نفسها بوصفها طرفاً ملتزماً بالمعاهدات الدولية، في محاولة للحيلولة دون توسيع العزلة الدبلوماسية أو فتح الباب أمام إجراءات دولية إضافية.



تداعيات إقليمية ودولية

ويأتي التصعيد في وقت يشهد فيه السودان واحدة من أكثر أزماته تعقيداً منذ اندلاع الحرب في نيسان/ أبريل 2023، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الإقليمية والدولية، وسط تنافس بين قوى دولية وإقليمية على النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ويخشى مراقبون أن تؤدي العقوبات الأمريكية إلى تعقيد فرص استئناف المسار السياسي أو زيادة الضغوط الاقتصادية على السودان، في وقت يعاني فيه البلد من انهيار اقتصادي وأزمة إنسانية غير مسبوقة.

وفي المقابل، قد يدفع استمرار الخلاف مع واشنطن الخرطوم إلى تعزيز انفتاحها على شركاء دوليين وإقليميين آخرين، في إطار سياسة تنويع العلاقات الخارجية وتقليل الاعتماد على الغرب، وهو توجه برز خلال السنوات الأخيرة في السياسة الخارجية السودانية.

وسيظل مستقبل هذا الملف مرتبطاً بقدرة الطرفين على العودة إلى القنوات الدبلوماسية والفنية المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، أو استمرار تحوله إلى ورقة جديدة في سياق التجاذبات السياسية بين الخرطوم وواشنطن، في مرحلة تتسم بحساسية كبيرة بالنسبة لمستقبل السودان وعلاقاته الخارجية.

ما هي العقوبات الأمريكية الأخيرة على السودان؟

وتعود العقوبات الأمريكية الأخيرة إلى إعلان واشنطن، خلال الأشهر الماضية، أنها خلصت إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال النزاع الدائر في البلاد، وهو اتهام نفته الخرطوم بشكل قاطع، واعتبرته "ادعاءات سياسية" تفتقر إلى أي دليل موثق.

واستندت الإدارة الأمريكية في قرارها إلى أحكام قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحرب البيولوجية لعام 1991، الذي يتيح للرئيس الأمريكي فرض عقوبات على أي دولة يثبت استخدامها أسلحة كيميائية أو بيولوجية، أو انتهاكها الالتزامات الدولية المتعلقة بحظر هذه الأسلحة.

وشملت العقوبات قيوداً على بعض أوجه المساعدات الأمريكية، ووقف تصدير عدد من السلع والتقنيات الحساسة إلى السودان، إضافة إلى تقييد بعض برامج التمويل والتعاون الحكومي، مع الإبقاء على استثناءات تتعلق بالمساعدات الإنسانية والغذائية والدوائية.

وجاءت هذه الخطوة في وقت يشهد فيه السودان حرباً مستمرة منذ نيسان/ أبريل 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهي الحرب التي أدت إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وسط تبادل الطرفين الاتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين.

ورفضت الحكومة السودانية الاتهامات الأمريكية، مؤكدة أنها عضو في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتلتزم بتقديم الإخطارات الدورية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، كما أشارت إلى أنها عرضت التعاون مع الولايات المتحدة والمنظمة الدولية للتحقق من أي مزاعم عبر الآليات الفنية المنصوص عليها في الاتفاقية، معتبرة أن لجوء واشنطن مباشرة إلى فرض العقوبات، دون تقديم أدلة أو تفعيل آليات التحقيق الدولية، يؤكد أن القرار تحكمه اعتبارات سياسية أكثر من كونه إجراءً قانونياً أو فنياً.