"معاريف": بعد ألف يوم من حرب غزة.. "إسرائيل" عالقة دون إستراتيجية خروج

الصحيفة أكدت أن تل أبيب تفتقر إلى إستراتيجية خروج واضحة أو هدف سياسي ينهي الحرب- جيتي
بعد مرور ألف يوم على السابع من أكتوبر، أكدت صحيفة إسرائيلية أن دولة الاحتلال الإسرائيلي بقيت من دون حسم سياسي، ومن دون هدف واضح لإنهاء حرب الإبادة في غزة، فيما لا يزال ثقة الجمهور بالدولة ومؤسساتها تعاني من جراح عميقة

وأوضحت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في تقرير، أنه "إسرائيل التي باتت بعيدة عن الموقع الذي كانت تقف فيه صباح السابع من أكتوبر، أثبتت على الصعيد العسكري أن لها قدرة على التعافي، أما على الساحة السياسية، فقد أفرزت الإنجازات نتائج أقل بكثير مما كان قد وعد به".

إخفاق سياسي كبير

وأضافت: "مع انقضاء ألف يوم على عملية 7 أكتوبر (أطلقت عليها المقاومة "طوفان الأقصى")، لقد انتصرت إسرائيل في العديد من المعارك، لكن لم تترجم أي من تلك المواجهات إلى تسوية سياسية مستقرة، ففي قطاع غزة بقيت مسألة الجهة التي ستتولى حكم القطاع مفتوحة، وفي لبنان، حزب الله لم يجرد من سلاحه، وفي مواجهة إيران، النظام الإيراني لم يسقط، كما لم يخرج اليورانيوم المخصب من أيدي القيادية الإيرانية، ولا تبدو الترتيبات التي تتشكل بشأن الملف الإيراني ملائمة لإسرائيل، كما لم تتوسع "اتفاقيات أبراهام" (التطبيع)، وفي الوقت نفسه، هامش الشرعية الدولية الذي تمتعت به إسرائيل يتآكل تدريجيا، كما أن الحرب نفسها لم تنتهِ، بل غيّرت شكلها فقط".

ونبهت أن "التمييز بين الانتصار والحسم ليس مجرد مسألة تتعلق بالمصطلحات العسكرية أو الخطاب السياسي، فهذا التمييز يشكل جوهر القضية السياسية، فالانتصار يعني تنفيذ عملية تصفية ناجحة أو عملية عسكرية بارعة أو توجيه ضربة قاسية لمنظومة العدو، أما الحسم السياسي، فيعني أن العدو والبيئة الإقليمية والمجتمع الدولي، يصطفون جميعا حول واقع جديد، وما زالت إيران ووكلاؤها بعيدة عن هذه المرحلة، فهي تتكيف وتغير أساليب عملها، وتبحث عن الثغرة التالية، في الشرق الأوسط لا يختفي التنظيم الذي لم يحسم أمره؛ بل يتراجع خطوة إلى الخلف ويغيّر مظهره وينتظر الفرصة التالية".

وأكدت الصحيفة، أن "الإخفاق السياسي يتجلى بصورة خاصة في غياب هدف نهائي مقنع لإنهاء الحرب؛ فعلى امتداد أشهر طويلة، تحدثت القيادة الإسرائيلية، وفي مقدمتها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، صاحب الحملة وصانع علامتها السياسية، بلغة "النصر المطلق"، إلا أنه لم تطرح خلف هذا الشعار أي خطة واضحة؛ من سيتولى حكم قطاع غزة؟ وكيف يمكن نزع سلاح حزب الله؟، وماذا ستفعل إسرائيل إذا اختارت الولايات المتحدة إبرام اتفاق مع إيران لا يشمل جميع مطالبها؟، كيف يمكن استعادة الشرعية الدولية؟، كيف يمكن إعادة المستوطنين في شمال إسرائيل إلى منازلهم من دون تحويل جنوب لبنان إلى شريط أمني جديد تغمره الدماء؟، إن مثل هذه الأسئلة لا تحل بمجرد تنفيذ غارة ناجحة أخرى للجيش الإسرائيلي، وإنما تتطلب سياسة واضحة".


ولفتت إلى أن "استمرار الحرب يخدم مصالح نتنياهو السياسية، حيث صرح أن السعي خلف "النصر المطلق"، "لن ينتهي أبدا"، مشيرة أن نتنياهو في مقابلة صحيفة عندما سُئل ما الذي تغيّر منذ السابع من أكتوبر، اختار أن يجيب مازحًا بأنه "خسر قليلا من وزنه".

لا توجد نقطة نهاية

وبينت "معاريف" أنه "هذه لم تكن مجرد زلة لسان في مقابلة تلفزيونية ودية، بل كانت نافذة على رؤيته للعالم؛ فمن وجهة نظره، لا توجد نقطة نهاية، ولا هدف سياسي محدد، وإنما جولة أخرى، وجبهة أخرى، ومبرر آخر لاستمرار القتال".

وتابعت: "في قطاع غزة، تسيطر إسرائيل على مساحات واسعة، إلا أن حدود القوة العسكرية تظهر هناك أيضا في ظل غياب خطة واضحة لإدارة القطاع، وفي لبنان، تبدو الفجوة بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية أكثر وضوحا؛ الصورة أقل راحة، إسرائيل لا تزال تحتفظ بوجود عسكري في عمق الأراضي اللبنانية، لكن هامش حرية عملها يتقلص، بينما يتزايد الضغط الأمريكي، ويستند الاتفاق مع بيروت إلى افتراض إشكالي، بل ومحل شك كبير، وهو أن الحكومة اللبنانية وجيشها سيتمكنان من القيام بما لم ينجحا في تحقيقه منذ اتفاق الطائف، وقرار مجلس الأمن رقم 1701، واتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، أي نزع سلاح حزب الله".

أما في مواجهة إيران، "المعضلة السياسية تبدو أكثر تعقيدا، لقد بقي النظام الإيراني قائما، وفي الشرق الأوسط تتحول مثل هذه القدرة على البقاء سريعا إلى سردية انتصار، فإيران ليست مضطرة إلى أن تبدو قوية لكي تظل خطيرة؛ يكفي أنها لم تُهزم، والنظام الذي يخرج من المواجهة وقد أصيح أكثر تصميما واعتمادا على برنامجه النووي باعتباره بوليصة التأمين الأساسية، ليس بالضرورة نظاما قابل للاحتواء بسهولة".


وخلال الألف يوم، "أصبحت الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب، عاملا أكثر حسما في معادلة الأمن الإسرائيلي، وازداد اعتماد تل أبيب على واشنطن، ساعد ترامب إسرائيل، ضغط عليها وأوقف بعض خطواتها وفرض صفقات وحدد توقيتات وأوضح لها مرارا أن حتى أقرب الحلفاء يتحرك أولا وفقا للمصلحة الأمريكية، ومن كان يراه شريكا طبيعيا لكل هدف إسرائيلي، اكتشف رئيسا مستعدا لمنح إسرائيل هامشا من حرية العمل، لكن فقط فيما لا يتعارض مع رغبته في إبرام صفقة أو تهدئة الأوضاع أو الخروج من مستنقع سياسي أو عسكري".

مصالح متباعدة

وقالت "معاريف": "هنا تكمن نقطة ضعف سياسية عميقة؛ فإسرائيل أصبحت أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة، لكنها أقل قدرة على التأثير في جدول أعمالها؛ ففي واشنطن، تتمثل الأولويات في تحقيق الاستقرار الإقليمي والحفاظ على هدوء أسواق الطاقة والتوصل إلى ترتيبات يمكن تقديمها بوصفها إنجازات وتقليل الحروب المفتوحة، أما في تل أبيب؛ تتمثل الأولويات في الحفاظ على حرية العمل العسكري ومنع تعاظم قوة الخصوم وتأمين عمق استراتيجي، وفي بعض الأحيان تتباعد هذه المصالح، والدولة التي لا تبني بدائل سياسية، ولا تطور قنوات تأثير ولا تنسج تحالفات إقليمية أوسع، تكتشف أن حتى أقرب حلفائها لا يمكن أن يكون بديلا عن إستراتيجية متكاملة".

ونوهت أن "المجتمع الإسرائيلي أمام كل ذلك، لا يتقبل بسهولة صورة الانتصار المطروحة، فالاستطلاعات الأخيرة التي أُجريت تُظهر مدى عمق الجرح الذي لا يزال مفتوحًا؛ إذ ينقسم الجمهور بشأن ما إذا كان الوضع الأمني قد تحسن أم تدهور، فيما لا تزال أغلبية ساحقة تخشى وقوع إخفاق جديد شبيه بما حدث في السابع من أكتوبر".

ورأت أن "الدعم الواسع لتشكيل لجنة تحقيق رسمية، يعد تعبيرا واضحا عن انعدام ثقة عميق بأن المنظومة قد أصلحت نفسها بالفعل، وهذا يعني أن قوة الردع الداخلية للدولة ستظل تعاني من تصدعات"، مبينة أن "الفجوة بين الجمهور والدولة تبرز بصورة خاصة، فقد تحمل المجتمع جزءا كبيرا من أعباء الحرب".


وأشارت إلى أن الطبقة السياسية الإسرائيلية "واصلت في كثير من الأحيان التصرف كما لو أن الدرس الأساسي المستفاد من السابع من أكتوبر هو كيفية البقاء يوما إضافيا في السلطة، لا كيفية إعادة بناء ثقة الجمهور، وترسيخ المسؤولية، وتعزيز روح الدولة ومؤسساتها، وهذا لا يمثل فشلا سياسيا وأخلاقيا؛ فإسرائيل التي تعجز عن بناء حد أدنى من الإجماع حول الخدمة في جيشها، وحول التحقيق في أخطر إخفاق عرفته، وحول أهدافها الإستراتيجية، تجد صعوبة كذلك في إقناع حلفائها بأنها تعرف إلى أين تمضي".

ورغم مرور ألف يوم عملية "طوفان الأقصى"، إلا أن  "الإحساس العميق بالأمن لم يعد بعد، الجيش الإسرائيلي استُنزف، كما لم تعد الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي، في جيب، وثقة المجتمع الإسرائيلي بقيادته لا تزال متضررة، أما العالم، فإنه يرى اليوم إسرائيل وهي دولة تجد صعوبة في شرح الوجهة التي تقود إليها أطول حرب في تاريخها".