هل ينهي اتفاق واشنطن وطهران صدمة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز سريعا؟

خبير طاقة توقع عودة خام برنت إلى ما بين 85 و90 دولارا للبرميل رغم تراجع الأسعار الحالي- جيتي
عادت الآمال إلى أسواق الطاقة العالمية بعد إعلان الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى مذكرة تفاهم تمهد لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، في خطوة انعكست فورا على أسعار النفط والغاز والأسواق المالية، وسط ترقب لتوقيع الاتفاق رسميا في جنيف يوم الجمعة.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن ناقلات النفط بدأت بالتحرك والخروج من مضيق هرمز بسلام في إطار مذكرة التفاهم التي توصلت إليها واشنطن وطهران، والتي تنص على إنهاء الحرب ورفع الحصار الأمريكي عن إيران وإعادة فتح المضيق. كما أكد أن الملاحة ستعود إلى طبيعتها بعد الانتهاء من إزالة الألغام.

وفي مؤشر على بدء الانفراجة، قال مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني، إن الولايات المتحدة رفعت حصارها البحري عن إيران.

كما تحدثت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن عبور عدد من السفن التجارية خط الحصار، من بينها سفن تحمل النفط وبضائع أخرى، حيث أظهرت منصات تتبع الملاحة البحرية نشاطا ملحوظا لناقلات النفط والغاز في مضيق هرمز، بما في ذلك سفن مرتبطة بإيران، غير أن الحركة لا تزال تسير بحذر بسبب تقارير عن رصد أجسام مشبوهة أو ألغام بحرية في المياه الإقليمية، وهو ما يؤخر التعافي الكامل لحركة الملاحة.

ورغم الأجواء الإيجابية، لن تكون إعادة فتح الممر الحيوي عملية فورية، بل ستتم بصورة تدريجية نتيجة اعتبارات أمنية ولوجستية معقدة، إذ نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين قولهم إن استعادة الحركة الطبيعية تتطلب معالجة التهديدات الأمنية وإعادة بناء الثقة لدى شركات الشحن والتأمين، حيث يُتوقع أن تشمل المرحلة الأولى عمليات مسح شاملة للمجرى الملاحي وإزالة الألغام المغناطيسية والعائمة، إضافة إلى اعتماد نظام تفويج تدريجي للسفن وتنظيم حركة العبور عبر ممرات ملاحية محددة.


وتزامنا مع هذه التطورات، تفاعلت الأسواق العالمية بقوة مع الإعلان عن الاتفاق، حيث تراجع خام برنت أمس الأربعاء، بأكثر من 4.5 في المئة إلى حدود 83 دولارا للبرميل، فيما هبط خام غرب تكساس بنحو 5 في المئة، كما انخفضت أسعار الغاز الأوروبية بأكثر من 5 في المئة، في وقت سجلت فيه الأسهم العالمية والفضة والبيتكوين مكاسب ملحوظة.

ويعكس هذا التحرك تفاؤل المستثمرين بإمكانية تراجع المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، خصوصا أن مضيق هرمز يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي عودة للملاحة الطبيعية عاملا حاسما في إعادة التوازن إلى الأسواق.

وفي منطقة الخليج، توقعت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تعافيا سريعا لإنتاج الطاقة وعودته إلى مستويات طبيعية خلال أسابيع، بينما أفادت مصادر مطلعة لوكالة بلومبيرغ بأن شركة قطر للطاقة تخطط لزيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال بسرعة بهدف استعادة معظم طاقتها التصديرية خلال شهرين.

ومع ذلك، لا تزال تساؤلات جوهرية مطروحة بشأن قدرة الاتفاق على الصمود، لا سيما أنه يرتبط بمهلة تمتد 60 يوما للتوصل إلى تفاهمات أوسع بشأن الملف النووي الإيراني والعقوبات والملفات الإقليمية العالقة، في حين تتواصل النقاشات حول آليات إدارة المضيق ومستقبل الرسوم البحرية وإعادة الإعمار.

وفي هذا السياق، قال الدكتور ممدوح سلامة، خبير النفط والطاقة العالمي، إن توقيع اتفاق فتح مضيق هرمز يعني أن إعادة فتح المضيق لن تستغرق وقتاً طويلاً، مرجحا أن يتم ذلك خلال الستين يوماً المقبلة، مشيراً إلى أن تسهيل مرور الناقلات سيجعل فتح المضيق فاعلاً منذ اللحظة الأولى التي وُقّع فيها الاتفاق، والذي تم توقيعه بالفعل.

وأوضح في حديثه لـ"عربي21"، أن الكميات التي ستمر عبر المضيق لن تكون كما كانت قبل الحرب، والتي كانت تبلغ 20 مليون برميل يومياً، موضحاً أن السبب يعود إلى تعرض الكثير من منشآت إنتاج النفط في دول الخليج العربي لأضرار بالغة خلال الحرب مع إيران.

وأضاف أن إصلاح هذه المنشآت قد يستغرق ما بين 8 إلى 12 شهراً، وربما يكلف ما بين 50 إلى 80 مليار دولار، ما يعني أن ما سيمر عبر الخليج سيكون في المرحلة الأولى نحو 10 ملايين برميل فقط يوميا.

وتابع أن هذا الوضع سيدفع الأسعار إلى الارتفاع، خصوصاً أن البادرة الأولى للدول المستهلكة في العالم، وهي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين والهند ودول حوض المحيط الباسفيكي، ستكون إعطاء الأولوية لملء خزاناتها واحتياطياتها الاستراتيجية تحسباً لأزمة قادمة.

وأشار إلى أن إيران تسيطر الآن سيطرة كاملة على مضيق هرمز، وقد تستخدم هذا المضيق وتغلقه مرة ثانية إذا رفضت الولايات المتحدة التقيد بما اتفقت عليه ووقعت عليه في الاتفاق.

ولفت إلى أن التحدي الثاني الذي سيواجه سوق النفط العالمي، إلى جانب نقص الإمدادات، يتمثل في نقص الاستثمارات العالمية، موضحاً أن سوق النفط العالمي يحتاج إلى استثمارات تصل إلى 600 مليار دولار سنوياً ولمدة عشرين سنة قادمة للحفاظ على مستوى الإنتاج كما كان عليه قبل الحرب، وليس لزيادته، بل للمحافظة على هذا المستوى حتى لا ينخفض كثيراً ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار فوق 120 دولاراً أو أكثر.

وردا على سؤال بشأن الانخفاض الذي شهدته أسعار النفط عقب الإعلان عن الاتفاق، وما إذا كان مرشحا للاستمرار أو العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة، قال سلامة إن الأسعار انخفضت قليلاً، وخصوصاً سعر خام برنت، معتبراً أن رد فعل سوق النفط العالمي كان رد فعل غريزياً أو انفعالياً، ونوعاً من الارتياح نتيجة التوصل إلى اتفاق للسلام.

وتابع قائلا إن هذا الانخفاض لن يدوم، متوقعا أن تعود الأسعار قريبا جدا إلى الارتفاع لتتراوح بين 85 و90 دولاراً للبرميل الواحد، وقد يستمر هذا الارتفاع لعدة سنوات قادمة، وعزا ذلك إلى الوقت الذي تتطلبه عملية إصلاح الأضرار التي لحقت بمنشآت إنتاج النفط في الخليج العربي، إضافة إلى إعادة قدرتها الإنتاجية إلى ما كانت عليه سابقاً، مؤكداً أن كل ذلك يحتاج إلى وقت.


وأضاف أن منع حدوث نقص كبير في الإمدادات خلال فصل الصيف الحالي وعام 2027 يتطلب بقاء الأسعار عند المستويات التي ذكرها، متوقعاً أن يستقر خام برنت بين 85 و90 دولاراً للبرميل.

وحول المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالاتفاق، أكد سلامة أن الاتفاق الموقع صالح لمدة 60 يوماً، وأن استمراره يعتمد على مفاوضات أوسع تتعلق بالقضية النووية والعقوبات، موضحا أنه إذا وجدت إيران أن الولايات المتحدة بدأت تتراجع عن رفع العقوبات عن نفطها، أو بدأت تتشدد في الملف النووي، فإنها لن تتردد في إغلاق مضيق هرمز من جديد.

وأضاف أن إيران، إذا أغلقت المضيق هذه المرة، فلن تعيد فتحه إلا بعد أن ترفع الولايات المتحدة جميع العقوبات عن النفط الإيراني وعن إيران كدولة واقتصاد، مؤكدا أن هذا السيناريو سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار من جديد وبقائها مرتفعة لسنوات طويلة، مشيراً إلى أن إيران لن تسمح للولايات المتحدة مرة ثانية بالتلاعب بأسعار النفط.

كما لفت إلى أن إيران، من خلال سيطرتها على مضيق هرمز، تسيطر على 25 في المئة من نفط العالم، إضافة إلى الغاز المسال القطري الذي يشكل تقريباً 20 في المئة من الغاز المسال في العالم.

وعن تأثير فتح المضيق على اقتصادات دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات والعراق، مقابل إيران، إضافة إلى انعكاساته على أسواق الغاز الطبيعي المسال والأسمدة، قال سلامة إن استئناف إيران لصادراتها كما كانت قبل الحرب، وكذلك استئناف دول الخليج العربي، مثل العراق والكويت وقطر والإمارات والسعودية، لصادراتها، سيساعد بطبيعة الحال على الحد من سرعة ارتفاع الأسعار.

ومع ذلك، أوضح أن الأسعار ستبقى مرتفعة إلى حد كبير إلى حين إصلاح الأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز القطرية ومنشآت إنتاج النفط في دول الخليج العربي، مضيفا أن الأولوية، كما ذكر في إجاباته السابقة، ستُمنح لملء خزانات الغاز والاحتياطيات الاستراتيجية تحسباً لأزمة قادمة.

وتوقع أن تتراوح أسعار خام برنت ما بين 85 و95 دولارا للبرميل الواحد خلال السنوات المقبلة.

أما فيما يتعلق بأسواق الغاز، فأشار إلى أنه قبل الحرب على إيران كانت الأسعار تتجه نحو الانخفاض، لكنه يعتقد أن فتح مضيق هرمز سيؤدي إلى إبطاء وتيرة ارتفاع الأسعار، لا إلى وقفها، لافتا إلى أن أسعار الغاز ستبقى أعلى مما كانت عليه قبل الحرب، خصوصاً أن دول منطقة حوض المحيط الباسفيكي ودول الاتحاد الأوروبي ستبدأ في ملء خزاناتها تحسباً لقدوم الشتاء المقبل.


وفي تقييمه لما إذا كان الاتفاق يمثل بداية لاستقرار دائم في أسواق الطاقة العالمية أم مجرد هدنة مؤقتة، أكد سلامة أنه يعتقد جازماً أن الاتفاق وفتح مضيق هرمز يمثلان هدنة مؤقتة.

وبرر ذلك بأن الولايات المتحدة، تحت ضغط دولة الاحتلال، لن تقبل باحتفاظ إيران بنحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصص، معتبراً أن ذلك يعني استمرار قدرة إيران، ربما، على تجميع قنابل نووية أو تطويرها، وهو ما يؤثر على الميزان العسكري والميزان الجيوسياسي بين إيران من جهة، والولايات المتحدة ودولة الاحتلال من جهة أخرى.

وأضاف أن إيران لا تثق بالولايات المتحدة، معتبرا أنه لا يعتقد أن هناك أي دولة في العالم تثق بالولايات المتحدة.

وتابع أن إيران ستعبر عن عدم ثقتها إذا لاحظت أن الولايات المتحدة بدأت تتراجع عما اتفقت عليه، مشيراً إلى أنها ستغلق مضيق هرمز مرة ثانية وتغرق العالم في أزمة نفط عالمية.

وأكد أن الهدنة الحالية ساعدت إلى حد ما في الحد بسرعة من تسارع ارتفاع الأسعار، لكنه يرى في الوقت نفسه أنها تمثل بداية أزمة الطاقة التي ستبدأ في التكشير عن أسنانها من الآن فصاعداً.