تترقب أنظار العالم ما سيؤول إليه المشهد بعد إعلان رئيس الوزراء الباكستاني، الجمعة، التوصل إلى الصيغة النهائية لمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، في خطوة من المفترض أنها تعزز أجواء التفاؤل فيما إذا كانت التفاهمات ستقود إلى تهدئة إقليمية.
ونقلت وكالة رويترز عن مصدر مطلع أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران قد يُوقَّع في أقرب وقت يوم الأحد من قِبَل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ورئيس البرلمان
الإيراني محمد باقر قاليباف، مع ترجيح أن تكون جنيف مكاناً للقاء.
عراقجي يعلن "انتصار" إيران
ومن جهة أخرى، قدَّر مسؤول أمريكي رفيع أن هناك فرصة تراوح من 80 إلى 85 بالمئة، ولكنها "ليست 100 بالمئة"، لتوقيع اتفاق مع إيران في "الأيام المقبلة"، فيما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن "إيران هي المنتصرة في الحرب مع الولايات المتحدة".
ورغم إعلان
ترامب عن التوصل إلى "تسوية رائعة" مع إيران، ووصف الاتفاق بأنه مذكرة تفاهم "قوية جداً" و"مفصلة جداً"، إلا أن حقيقة الأمر تبدو أكثر تعقيداً مما هو معلن، وذلك بحسب شبكة "
سي أن أن" التي طرحت تساؤلات حول طبيعة ما يجري ومدى إمكانية نجاح بنود التفاهمات.
وفي تقرير لها، أشارت الشبكة إلى أن العالم كان حتى يوم الخميس بين احتمالي انفجار التصعيد الوشيك، وبين الدعوة إلى السلام بحسب ترامب الذي هدد وتوعد بغزو جزيرة خَرك، قبل أن يعلن عقب ساعات أنه عقد اتفاقاً يقضي بعدم حصول إيران أبداً على سلاح نووي.
واعتبر التقرير أن "الحقيقة قد تكون أكثر تعقيداً قليلاً"، لافتاً إلى أن التوصل لاتفاق موثوق لإنهاء الطموحات النووية الإيرانية سيشكل اختراقاً تاريخياً، وسيؤدي إلى إنهاء الحرب التي هزت الشرق الأوسط وأثارت أزمة طاقة في الاقتصاد العالمي.
ترامب "راوٍ غير موثوق"
كما أن اتفاقاً كهذا من شأنه أن يؤمن لترامب مخرجاً من الحرب التي كان من المفترض أن تستمر لمدة أسابيع فقط عندما بدأها في شباط/ فبراير، إلا أنها تواصلت إلى فصل الصيف ما شكل ضربة لمكانته السياسية محلياً.
واللافت أن "سي أن أن" وصفت ترامب بأنه لطالما كان "راوياً غير موثوق به للحرب"، مذكرة بأنه أعلن بأن الاتفاق كان وشيكاً نحو 40 مرة، مدعياً مراراً أن إيران استسلمت لمطالبه حتى عندما أظهرت إيران عكس ذلك، من خلال التحدي الذي أبدته.
ونقل التقرير عن الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي سيث جونز قوله إنه "في هذه المرحلة، لا يوجد دليل موثوق على أن لدينا صفقة، وفي حال كانت هناك صفقة، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الصفقة ستتحقق".
وبحسب "سي أن أن"، فإنه في ظل غياب مثل هذه الأدلة، فإن كثيرين سيتوصلون إلى خلاصة مفادها أن ترامب، المعروف بمهارته الترويجية، يبالغ في تسويق الاتفاق، مع إمكانية تأجيل القضية الأكثر أهمية وصعوبة، وهي مصير البرنامج النووي، إلى محادثات تجري لاحقاً.
تأجيل بحث ملفات كانت سبباً لشن الحرب
كما نقل التقرير عن فرانك كيندال، الذي كان وزير سلاح الجو السابق خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، قوله إن تمديد وقف إطلاق النار، المفترض لمدة 60 يوماً أو نحو ذلك، بينما تستمر
المفاوضات بشأن البرنامج النووي في إيران، "وهذا هو السبب في أننا دخلنا في هذا (النزاع) ولو ظاهرياً".
ورأى التقرير أنه حتى مع تأكيد مذكرة تفاهم وتوقيعها، فإنه سيتم الحكم على ترامب بناءً على الاتفاق الشامل والمفصل بتعقيداته والمعتمد دولياً الذي تفاوض عليه فريق الرئيس الأسبق باراك أوباما، وهو الاتفاق الذي مزقه ترامب في العام 2018.
واعتبر التقرير أنه يتحتم على ترامب الإجابة على السؤال المتعلق بما إذا كانت حربه التي دمرت ملايين الدولارات من المعدات العسكرية الأمريكية وتسببت بأزمة للاقتصاد العالمي، قادت الأمريكيين إلى أمن أفضل.
وذكر أنه بينما يتمتع ترامب بمهارة تشكيل السرديات السياسية، إلا أنه في ظل ظروف الحرب والخصم الذي لا يتهاون، فإن الطابع الحقيقي للصفقة سيظهر قريباً، وسرعان ما سيواجه ترامب مجموعة من الأسئلة والمعايير التي ستختبر ما إذا كانت حقيقية وقابلة للاستمرار.
محادثات من دون ضمانات لنجاحها
ومما طرحه التقرير من تساؤلات هو: هل هي مجرد صفقة لإعادة فتح المضيق وإنهاء الحصار، أم إنها تتعلق بالجوهر الأساسي للقضية النووية؟ متابعاً أنه بحسب المعلن، فإن الاتفاق قد يكون سطحياً وبعيداً عن الانتهاء.
وبالإضافة إلى ذلك، قال التقرير إن الاتفاق على أن تجري محادثات حول البرنامج النووي الإيراني لاحقاً لا يعني وجود "صفقة كبيرة"، موضحاً أن التاريخ يظهر أن مثل هذه المحادثات من المرجح أن تستمر لأسابيع أو لشهور من دون ضمانات لنجاحها.
ولفت إلى أن قضية إزالة مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب يمكن أن تفسد المحادثات في أي وقت، على الرغم من أن إيران قالت منذ فترة طويلة إنها لن تنتج سلاحاً نووياً، لذا فإن مجرد الحصول على توقيعها على وثيقة بهذا المعنى لن يعني الكثير، ومع ذلك قد يحاول ترامب تدويرها.
صفقة تشبه "الاتفاق النووي السابق"
من جهتها، أفادت مجلة "فوربس" بأن الاتفاق المعلن مع إيران قد يشمل تخفيف العقوبات والإفراج عن أصول طهران المجمدة؛ وهي خطوة تحمل قواسم مشتركة مع الاتفاق النووي السابق (خطة العمل الشاملة المشتركة 2015) الذي طالما انتقده ترامب لسنوات.
وذكّرت "فوربس" أن الجمهوريين انتقدوا إدارة أوباما لدفعها 1.7 مليار دولار لإيران لتسوية نزاع قديم حول معدات عسكرية. وصرح ترامب في عام 2018 بأن إدارة أوباما "ملأت الطائرات بـ 1.8 مليار دولار نقداً وأرسلتها إلى إيران".
كما أن بعض الشخصيات الجمهورية البارزة أعربت عن قلقها إزاء الاتفاق الجديد المحتمل؛ حيث قارن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، مايك بومبيو، الاتفاق المطروح بالسابق "2015"، قائلاً إن اتفاقاً كهذا يعني دفع أموال لإيران لتطوير برنامج أسلحة الدمار الشامل وزعزعة الاستقرار.
ترامب يجهل طبيعة النظام الإيراني
أما مجلة "ذا سبيكتاتور"، وفي تحليل لها، فقد رأت أن إدارة الرئيس ترامب دخلت في مواجهة مع إيران دون فهم كافٍ لطبيعة النظام في طهران، وأنها تجد نفسها اليوم عالقة في وضع لا تملك فيه الدعم اللازم لتصعيد الحرب، ولا القدرة على إجبار طهران على قبول شروطها.
وكتب جوناثان سباير، في مقال نشرته المجلة البريطانية، أن سياسة ترامب تجاه إيران اتسمت بمزيج من التهديد العسكري، والسعي إلى عقد الصفقات، والعجز عن استيعاب طبيعة النظام الإيراني، مشيراً إلى أن واشنطن ما زالت تفتقر إلى استراتيجية واضحة للخروج من الأزمة الحالية.