ـ 1 ـ
دارت في مواقع التواصل الاجتماعي صورة
للمواطن
التونسي وهو يتجول ملصقا نسخة مكبّرة من بطاقة هويته على صدره وأخرى على
ظهره، كُتب: "أنا تونسي". والصادم في الحادثة أنّ هذا المواطن لم يفعل
ذلك على سبيل الفخر بالانتماء وإنما كان يحاول تفادي المضايقات التي يلقاها في
الشارع بسبب لون بشرته السمراء. ولهذه الصورة أن تعيدنا إلى طرح علاقة المجتمع
التونسي بالعنصرية، قديما وحديثا. فالقضية لم تظهر عنده مع موجات
الهجرة الأخيرة،
بل كانت مطروحة منذ زمن. ويمكن استحضار فيلم وثائقي تونسي لمحمود الجمني بعنوان
"لا/نعم" (2019 ـ 2020)، تناول موضوع
العنصرية في تونس، خاصة تجاه ذوي
البشرة السوداء. يعرض الفيلم تجارب تونسيين سود ناجحين، ويكشف ما واجهوه من تمييز
في حياتهم اليومية.
يعود الفيلم إلى تاريخ إلغاء العبودية سنة
1846، ثم إلى تجريم العنصرية حديثا، ويقوم على ثنائية واضحة: “لا” رفض للعنصرية،
و“نعم” قبول للآخر. فينطلق من مفارقة أساسية: تونس ألغت الرق مبكرا، لكن آثار
العنصرية ما تزال حاضرة في السلوك والتمثلات، ليكشف عبرها تناقضا حادّا داخل
المجتمع، مداره على المساواة في القانون، والتمييز في الواقع. ومن أقسى شهادات
ضحايا هذه الممارسة ما كان يأتيه أستاذ بحق تلميذ أسمر البشرة. فقد يحدّق فيه
مليّا كلّما شرح بيت المتنبي [لا تشتر العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس
مناكيد] مما ترك أثرا نفسيا عميقا لديه.
ـ 2 ـ
تضاعف وصم المجتمع التونسي بالعنصرية بعد أن
شهد حضور الأفارقة من جنوب الصحراء في تونس ارتفاعا لافتا خلال السنوات الأخيرة.
ففي فترات سابقة، ارتبط وجودهم بصورة إيجابية تجعلهم علامة على نجاح تونس في
الإشعاع على قارة تحمل اسمها [إفريقية] بما في ذلك من تعاون واستثمار ونقل الخبرات
واستقطاب الطلبة للدراسة فيها. غير أن هذا الحضور تغيّر بعد الثورة مع تصاعد
الهجرة غير النظامية، لتجد تونس نفسها في موقع دولة عبور تعيش ضغطا متزايدا يفوق
إمكاناتها، خاصّة أنّ وجودهم ارتبط بمظاهر فوضى نتيجة لغياب التنظيم وضعف الخدمات
مع ما يرافقها من تراكم للنفايات ونقص في الإحاطة الصحية والاجتماعية، خاصة
للأطفال والنساء المعرضات للهشاشة والاستغلال. فانتشرت مخيماتهم العشوائية وامتدت
إلى أراض فلاحية. وحِيل بينها وبين ملاّكها، خاصة في حقول الزيتون في منطقة
العامرة بمحافظة صفاقس.
تظلّ مسألة العنصرية في تونس قضية مركّبة لا تختزل في حكم واحد أو تفسير جاهز. فلا يمكن إنكار وجود انحرافات وسلوكات تمييزية سابقة لموجات الهجرة الأخيرة، ولكن المجتمع التونسي ككل بريء من هذا الوصم.
ونشأ اقتصاد غير منظم يقوم على أعمال يومية
بلا تراخيص وبيع عشوائي، مما زاد من حدة المنافسة والتوتر مع السكان المحليين.
وتزامن ذلك مع نشاط شبكات تهريب تستغل المهاجرين عبر تنظيم رحلات غير قانونية
وابتزازهم، وهو ما يخلق توترات مرتبطة بمحاولات الإبحار أو إحباطها. في المقابل،
تتصاعد من حين إلى آخر الاحتكاكات وأعمال العنف المحدودة، وتبرز خطابات كراهية
تعكس احتقانا اجتماعيا متزايدا. هكذا وجدت تونس نفسها في قلب أزمة مركبة، تتداخل
فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وتكشف عن كونها من بين ضحايا نظام
عالمي غير متوازن، يلقي بأعباء الهجرة على دول عبور محدودة الموارد ويتركها تواجه
تداعيات معقدة دون دعم كاف.
ـ 3 ـ
حدثت كلّ هذه التحوّلات بسرعة أربكت التعاطي
التونسي مع ملف الهجرة غير النظامية. وظهرت بوضوح في الخطاب السياسي، خاصة في
تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد في فيفري 2023، خلال اجتماع أمني خُصص لهذا
الملف. فقد حذّر من "ترتيبات" تستهدف تغيير التركيبة الديمغرافية، وربط
الظاهرة بتدفقات غير طبيعية وشبكات إجرامية. ورغم أنّ هذه الترتيبات باتت معلنة في
شمال المتوسط بالفعل، إلاّ أنّ عبارة "تغيير التركيبة الديمغرافية" من
الخطاب لم تُفهم فقط في إطار سياسة ضبط الحدود، بل وجدا فيها كثيرون ظلالا لأطروحات
هووياتية متشددة، مثل فكرة "الاستبدال العظيم" التي يتبنّها الخطاب
اليميني العنصري. وهذا ما أعطى الانطباع بانزلاق نحو مقاربة إقصائية تُغلب هاجس
الهوية على المعالجة المتوازنة.
وأكدت ردود الفعل الإفريقية والدولية حجم
هذا الارتباك، إذ عبّرت دول مثل ساحل العاج وغينيا ومالي عن قلقها، فيما أدان
الاتحاد الإفريقي هذه التصريحات واعتبرها مقلقة، وحذّرت منظمات حقوقية من أنها قد
تفتح الباب أمام ممارسات تمييزية، والحال أنّ تونس تقدّم نفسها دائما بكونها البلد
الإفريقي المنفتح..
ـ 4 ـ
يمثّل ما عرضنا المستوى السطحي من الأزمة.
ولكن لا يمكننا فهم معضلة الهجرة غير النظامية إلاّ في طبقتها العميقة، بوصفها
تعبيرا مباشرا عن اختلال بنيوي في النظام العالمي. فالتراكم الهائل للثروة
والتكنولوجيا في الشمال يقابله تهميش مزمن لاقتصادات الجنوب واتفاقيات تجارية غير
متكافئة، بما يكرّس التبعية ويُنتج تفاوتًا صارخًا في شروط العيش والفرص. ومن ثمّ،
فإن حركة البشر نحو مراكز القوة هي نتيجة طبيعية لهذا الاختلال.
وأولى بأصابع الاتهام الغربية التي تهاجم
المجتمع التونسي وتتهمه بالعنصرية أن تنتبه إلى التناقض الغربي الصّارخ بين خطاب
معلن يحتفي بحقوق الإنسان وحرية التنقل والكرامة، وما يقابله من ممارسات انتقائية
تُغلق الحدود أمام الفئات الهشّة، وتفتحها في المقابل لرؤوس الأموال والكفاءات،
وفق منطق المنفعة لا القيم، وأن تدين انغلاق أنظمتها السياسية التي تحاول
"تصدير أزمتها" عبر تحويل دول العبور إلى حزام عازل يحمي حدودها.
فدول مثل تونس وليبيا والمغرب، بل وحتى
بلدان على تخوم أوروبا، تُدفع إلى لعب دور "حراس الحدود بالوكالة"،
فتتحول تدريجيًا إلى أفضية احتواء وفرز واحتجاز بشري. وفي المقابل، لا تتلقى سوى
دعم مالي محدود ومشروط، يخلو من أي رؤية تنموية حقيقية. ثم تكافأ بتحميلها مسؤولية
الفشل في ضبط تدفقات الهجرة. وبذلك تجد هذه الدول نفسها عالقة بين ضغط خارجي
متصاعد وأعباء داخلية متفاقمة، في مشهد يعكس خللًا عميقًا في توزيع المسؤوليات
داخل النظام الدولي.
ـ 5 ـ
من المسؤول عن هذا الخلل؟ لا يمكن الإجابة
دون العودة إلى الجذور التاريخية التي صاغت الواقع الراهن. فالهجرة غير النظامية
ليست طارئة، بل ممتدة في بنية عالم تشكّل منذ الحقبة الاستعمارية، حين أُعيد ترتيب
اقتصادات الجنوب لتخدم مراكز القوة. فقد نُهبت موارد البلدان الإفريقية، وُجّه
الإنتاج نحو التصدير، وتكوّنت نخب وسيطة حاكمة مرتبطة بالمصالح الخارجية. ثم تعمّق
هذا المسار لاحقًا عبر سياسات القروض والتكيّف الهيكلي التي فككت الدولة
الاجتماعية وأضعفت القطاعات المنتجة وأطلقت أيادي هذه النخب في تلك الأموال عبر
مساندة الأنظمة الفاسدة التي تخدم مصالحها. والنتيجة دولٌ نالت استقلالها السياسي،
لكنها ظلت مقيّدة اقتصاديًا، عاجزة عن خلق توازن داخلي يحدّ من دوافع الهجرة.
تصبح إذن بلدان العبور- وتونس نموذجًا- ضحية
مضاعفة: فهي لا تواجه فقط هشاشاتها الداخلية، بل تتحمّل أيضًا أعباء أزمة لم
تُنتجها. يتجلى ذلك اقتصاديًا، في ضغط متزايد على الخدمات الأساسية، ومنافسة في
سوق عمل هش، وكلفة أمنية متصاعدة. غير أن الأخطر يظل في النتائج الصامتة التي لا
تُرى بسهولة: علاقات عابرة غير مستقرة، وولادات خارج الأطر القانونية والاجتماعية،
وأطفال بلا حماية كافية أو نسب واضح. فتتحول الأزمة العالمية إلى معاناة فردية
يومية داخل مجتمعات محدودة الإمكانات.
هذا الحضور تغيّر بعد الثورة مع تصاعد الهجرة غير النظامية، لتجد تونس نفسها في موقع دولة عبور تعيش ضغطا متزايدا يفوق إمكاناتها، خاصّة أنّ وجودهم ارتبط بمظاهر فوضى نتيجة لغياب التنظيم وضعف الخدمات مع ما يرافقها من تراكم للنفايات ونقص في الإحاطة الصحية والاجتماعية، خاصة للأطفال والنساء المعرضات للهشاشة والاستغلال. فانتشرت مخيماتهم العشوائية وامتدت إلى أراض فلاحية. وحِيل بينها وبين ملاّكها، خاصة في حقول الزيتون في منطقة العامرة بمحافظة صفاقس.
وهنا يبرز اختلال العدالة الأخلاقية بوضوح:
فالمسؤولية الفعلية تقع على عاتق نظام دولي غير متكافئ، وقوى تستفيد من نزيف
الموارد والكفاءات، وسياسات تغلق الأبواب بعد أن فتحت أسباب الهجرة. لكن كلفة هذا
الخلل لا يدفعها صانعوه، بل يتحملها الأضعف: المهاجر الفقير، والمجتمع المحلي في
دول العبور، والدولة الهشة التي تُلقى عليها أعباء تفوق طاقتها. بذلك تغدو الهجرة
غير النظامية مرآة لنظام عالمي ينتج الحركة ثم يعاقب ضحاياها، فيما تجد دول مثل
تونس نفسها عالقة بين مطرقة أزماتها الداخلية وسندان الضغوط الخارجية.
ـ 6 ـ
يمثل النضال الحقوقي ركيزة أساسية في بناء
مجتمع عادل، فهو يحدّ من تغوّل السلطة ويخضعها للمساءلة، ويجعل القانون في خدمة
الإنسان لا أداة للهيمنة عليه. وفي الآن نفسه يحمي الكرامة الإنسانية ويمنع اختزال
الفرد في رقم أو وسيلة، ويسهم في نشر وعي جماعي يعرّف الناس بحقوقهم وواجباتهم
ويحصّنهم من الخضوع. وفضلا عن ذلك، فهو صوت للفئات الهشة التي تعجز عن الدفاع عن
نفسها، مثل الفقراء والمهاجرين والنساء والأطفال. غير أن هذا النضال قد ينحرف حين
يتحول إلى خطاب متطرف يفرط في التمسك بالإجراءات الشكلية، فتغدو الضمانات القانونية
وسيلة لتعطيل العدالة بدل تحقيقها، وقد يستفيد منها بعض الجناة للإفلات من العقاب.
فضلا عن ذلك قد يستغلّ الخطاب الحقوقي باعتباره ساتر يتمترس خلفه تجّار الأزمات
لتحقيق مكاسب شخصية بعيدة كل البعد عن نبل النضال وسموه.
تمثل قضايا الهجرة غير النظامية نموذج جيّد
لقصور جانب كبير من الخطاب الحقوقي أو تواطؤه. فغالبا ما يُعالج الملف بشكل سطحي،
فيغفل عن استحضار السياق العالمي واختلال موازين القوى. وبذلك فهو يبتعد عن فهم
الجذور العميقة للهجرة غير النظامية ويكتفي بمعالجة سطحية تركز على الحالات
الفردية دون ربطها بالسياق العالمي. فالهجرة ليست ظاهرة طارئة، بل نتيجة اختلال
تاريخي في توزيع الثروة والفرص بين الشمال الصناعي والجنوب، حيث يتركز رأس المال
والتكنولوجيا في دول متقدمة، بينما تعاني دول الجنوب من هشاشة اقتصادية وتبعية في
الغذاء والطاقة وضعف في القدرة على التشغيل، خاصة لفائدة الشباب المتعلم.
فمن المهم معالجة الحالات الفردية والتشهير
بانحرافاتها. ولكن من الضروري ربطها بأسبابها العميقة ممثلة في أشكال الهيمنة
الحديثة التي تقوم على اتفاقيات غير متكافئة تفتح أسواق الدول الضعيفة دون حماية
كافية لاقتصاداتها، وعلى منظومات قروض تثقل كاهلها بشروط قاسية تزيد الفقر
والبطالة، إضافة إلى دعم نخب حاكمة تستفيد من هذا النسق على حساب شعوبها. وعندما
يغفل الخطاب الحقوقي السطحي هذه
الخلفيات، يحوّل الانتباه من مسؤولية النظام
العالمي إلى أوضاع جزئية، مما يضع عبء الأزمة على دول العبور مثل دول شمال أفريقيا
ودول البلقان وشمال أمريكا في قسمها اللاتيني.. فهذه الدّول تتحمل ضغطا مزدوجا
يتمثل في هجرة شبابها بسبب ضيق الفرص وتحولها إلى محطة عبور لمهاجرين آخرين، مع ما
يرافق ذلك من كلفة اقتصادية وأمنية واجتماعية وتوترات محلية. كما تجد نفسها في
علاقة غير متكافئة مع أوروبا تقوم على إدارة الحدود دون دعم تنموي كاف.
ـ 7 ـ
تظلّ مسألة العنصرية في تونس قضية مركّبة لا
تختزل في حكم واحد أو تفسير جاهز. فلا يمكن إنكار وجود انحرافات وسلوكات تمييزية
سابقة لموجات الهجرة الأخيرة، ولكن المجتمع التونسي ككل بريء من هذا الوصم.
فلطالما عدّ مثالا على التعايش والتسامح بعيدا عن خطاب الكراهية. ولئن تفاقمت هذه
الانحرافات وظهر خطاب معاد للأجصيين فإنّ أصوات كثيرة أدانتها وحذّرت منها. غير أن
مقاربة الظاهرة اختزالًا-إدانة مطلقة للمجتمع أو تبرئة كاملة له-لا تؤدي إلا إلى
تعمية الحقيقة والانخراط في سجال سياسي عقيم. ولفهمها لا بد أن نردّها إلى أسبابها
فهي تتنزّل ضمن سياق ضغط اجتماعي واقتصادي متزايد. أضف إلى ذلك أنّ الخطاب السياسي
لم يوفّق دائمًا في تقديم رؤية واضحة ومتوازنة، سواء في علاقته بدول الشمال
المتوسطي أو في تعاطيه مع المهاجرين، ما أسهم في تغذية هذا الالتباس بدل تبديده.
ولعلّ ما جعل الصورة تتعقد أكثر هو ضعف
التنسيق الإقليمي، وتراخي بعض دول الجوار في ضبط الحدود. فكيف يعبر هؤلاء
المهاجرون السريون أكثر من ألفي كلم في الصحراء الكبرى وعبر مسارات طويلة ومعقدة،
ليصلوا إلى الأراضي التونسية دون أن يتم رصدهم أو ضبط الأطراف التي تقدّم لهم يد
العون؟ وكيف يتخطون الحدود التونسية بهذه الأعداد الهائلة دون وجود تواطؤ مّا؟
أمام هذا التعقيد، لا يبقى أمام التونسي إلا
وعي المفارقة التي عبّر عنها زياد الرحباني. فيردّد بإلهام منه "أنا مش عنصري..
بس الجوع عنصري.. والمرض عنصري.. والفقر عنصري.. والذل عنصري ". وهو بلا شك
غير مسؤول عن نشر الجوع والمرض والفقر والذّل في العالم، بل ضحية لجميع هذه الآفات.