هل خاصية اللغة لدى الإنسان خُلِقت معه أم أوجدها الإنسان ذاته؟

من خلال النص القرآني ذاته نتبين أن الله قد علم آدم الأسماء كلها بلغة التنزيل الحكيم، المختارة لهذه المهمة، ألا وهي اللغة العربية التي تعهدها الله بالحفظ..
تُعدّ مسألة أصل اللغة الإنسانية من أقدم الأسئلة التي شغلت الفلاسفة واللغويين وعلماء الأديان عبر التاريخ؛ إذ يتصل هذا السؤال بجوهر الإنسان نفسه: كيف بدأ الكلام؟ وهل اللغة نتاج تطور بشري وتوافق اجتماعي، أم أنها هبة إلهية صاحبت الإنسان منذ لحظة الخلق الأولى؟ وبين النظريات اللسانية الحديثة والرؤى الدينية والتراثية، ظل الجدل مفتوحاً حول ما إذا كانت اللغة اختراعاً بشرياً أم تعليماً ربانياً أودعه الله في الإنسان منذ البداية. وفي هذا المقال يواصل الكاتب والمؤرخ الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان مناقشة هذه الإشكالية الفكرية واللغوية، مستعرضاً أدلة القائلين بتوقيفية اللغة وأصولها العربية كما وردت في التراث الإسلامي، في نص كتبه خصيصاً لـ"عربي21".

توقيفية وليست اصطلاحية

وعن هذا الموضوع الذي شغل العلماء كثيراً والمتعلق باللغة من حيث هي توقيفية وليست (اصطلاحية)، يذهب الكثير من العلماء ومنهم ابن حزم، إلى القول بالرأي الأول، وأدلتهم على ذلك أن الكلام لو كان اصطلاحاً لما جاز أن يصطلح عليه إلا قوم قد كملت أذهانهم وتمت علومهم، وليست هذه هي صفة الإنسان في دوره الأول، إذ يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يبلغ هذا المستوى! ولو أن الناس اصطلحوا على لغة لضاع عليهم وقت طويل قبل أن يصطلحوا عليها، فكيف كانوا يتفاهمون أثناء ذلك الوقت؟ ثم لو أنهم شاؤوا أن يصطلحوا على لغة لكان هذا مستدعياً لغة يتفاهمون بها على وضع ذلك الاصطلاح، ولذلك كانت اللغة الأولى بالضرورة لغة توقيفية في رأيهم، ثم اصطلح الناس بعد ذلك على اصطلاح لغات شتى من هذه اللغة الأصل أو الأم.

وتأكيداً لهذا المعنى التوقيفي للغة على الإنسان الأول (آدم)، يقول العالم الألماني (ماكس مولر): "إن اللغات الثلاث التي ترجع إليها كل اللغات الإنسانية لها مفردات لا تتجاوز 500 أصل مشترك، وأن هذه الأصول تمثل اللغة الأولى التي انشقت منها فصيلة اللغة الهند-أوروبية، وتبين له من تحليل هذه الأصول أنها تدل على معانٍ كلية، وأنه لا تشابه مطلقاً بين أصواتها وما تدل عليه من فعل أو حالة، ففي دلالتها على معانٍ كلية برهان قاطع على أن اللغة الإنسانية الأولى لم تكن نتيجة تواضع واتفاق".

بما أن الإنسان الواحد لا يخترع لغة على الإطلاق، لكونه لا يحتاج إليها من جهة، ولأنه لا يستطيع في الوقت ذاته أن يخلقها بمفرده لكونها ظاهرة اجتماعية تنشأ عن تفاعل الأفراد، وعن الحاجة إلى التواصل فيما بينهم؛ فلا بد إذن أن تكون هذه اللغة الأولى لغة توقيفية، وأن آدم عليه السلام لا بد أن يكون قد تلقى تعليماً لغوياً من جنس ذبذبات اللغة البشرية مبكراً، ثم استمر التلقين بعد ذلك لنسله، خلفاً عن سلف..
ويتساءل: لماذا؟ ثم يجيب عن ذلك مستدلاً بقوله: "أولا، لأن التواضع يتوقف على وسيلة يتفاهم بها المتواضعون، وهذه الوسيلة لا يُعقل أن تكون اللغة الصوتية؛ لأن المفروض أن المتواضع عليه هو أول ما نطق به الإنسان من هذه اللغة، ولا يُعقل أن تكون لغة الإشارة؛ لأننا بصدد ألفاظ تدل على معانٍ كلية، أي على أمور معنوية يتعذر استخدام الإشارة الحسية فيها. ثانيا، لأن التواضع فيه تحديد للمعاني، وفي عدم وجود تشابه بين أصواتها وما تدل عليه برهان قاطع على أن اللغة الإنسانية لم تنشأ من محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة".

ويتساءل: لماذا؟ ثم يجيب: "لأن الأصوات الطبيعية محدودة، ولو كانت هي التي تشمل أصول اللغة الأولى لوجدنا تشابهاً ظاهراً بين أصواتها".

فبهذا المعنى إذن، فاللغة الأولى أو أم اللغات لدى أول مخلوق (آدم) تعني التوقيف، بما أودع الله في الإنسان من قدرة على التسمية، وقد قال الله في الآية السابقة: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ" ولم يقل الأفعال؛ لأن الأسماء هي أساس كل المسميات وتعبر في ذاتها مباشرة عن أشياء بعينها ملموسة وثابتة كالحجرة، والشجرة، والبقرة، والإنسان، والماء، والتراب، والنار، والريح، والمطر، والسماء، والأرض.. والدليل على ذلك أن أي إنسان إذا عرف النطق السليم، والتلفظ الصحيح بأسماء أية لغة من لغات العالم المعاصر، فإنه بإمكانه أن يتفاهم مع أهلها بسهولة، ويمكنه أن يكمل النقص بالحركات اليدوية وملامح الوجه، للتعبير عن الأفعال المتعلقة بحفظ البقاء (كالأكل مثلاً، والشرب، والنوم، والصيد، والموت، والضرب، والسباحة، والركوب، والغوص..) وما إلى ذلك من الأفعال التي لها علاقة بالحياة المادية والمعيشية اليومية، ما عدا تلك الكلمات المتعلقة بالمعاني الكلية المجردة كالحب، والكره، والإيمان، والخير، والشر، والكرم، والشجاعة، والجبن.. وما شابه ذلك من القيم التي تحمل أفكاراً إنسانية تسمو بمعناها فوق المستوى الفيزيولوجي (النباتي والحيواني) للإنسان..

وبما أن الإنسان الواحد لا يخترع لغة على الإطلاق، لكونه لا يحتاج إليها من جهة، ولأنه لا يستطيع في الوقت ذاته أن يخلقها بمفرده لكونها ظاهرة اجتماعية تنشأ عن تفاعل الأفراد، وعن الحاجة إلى التواصل فيما بينهم؛ فلا بد إذن أن تكون هذه اللغة الأولى لغة توقيفية، وأن آدم عليه السلام لا بد أن يكون قد تلقى تعليماً لغوياً من جنس ذبذبات اللغة البشرية مبكراً، ثم استمر التلقين بعد ذلك لنسله، خلفاً عن سلف، حتى وقع التفرع المعروف المصطلح عليه اليوم بالهندي الأوروبي، والسامي الحامي، وغيره من التفرعات التي تُعد بالآلاف (..).

ويبقى السؤال المطروح هو: مَن عَلَّمَ آدم؟

والجواب عند واجب الوجود وخالقه القائل في محكم تنزيله السالف الذكر: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا"، ونلاحظ أن معنى الآية واضح في أن الله علم آدم من عدم، مثلما خلقه من عدم، كما يؤكد ذلك في سورة العلق، إذ يقول عز وجل: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" (العلق: 1 - 5). وفي سورة الرحمن إشارة أخرى للتعليم، إذ يقول أيضاً: **"الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" (الرحمن: 1 - 4).

وإذا توصلنا يقيناً إلى أن أبانا آدم قد تلقى تعليم الأسماء، وبالتالي اللغة من خالقه، فيبقى أن نتصور كيف تم ذلك التعليم من مطلق القدرة القائل: "وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ" (الشورى: 51).

وقد ذكر "الأسماء" تحديداً وتخصيصاً، ولم يقل "الأفعال"؛ لأن الأسماء هي التي لها علاقة باللغة وهي الأساس في كل المسميات (كما قلنا)، وكلمة (علَّم) هنا قد تعني إلهاماً مباشراً مثل إلهام أم موسى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى" (القصص: 7)، وقد تعني أن الله أقدر آدم على معرفة أسماء الأشياء، كما قد تعني كلمة (علَّم) أن الله قد أوقف عليه اللغة بما أودعه فيه من قدرات لغوية وأجهزة وأعضاء وآليات متمثلة في اللسان، والحنجرة، والحبال الصوتية، والمخ، التي لا توجد إلا لديه كما هو ثابت علمياً، في هذا الوجود المرئي الواقع في حدود إدراكنا المتواضع والمحدود.

وإذا لم يكن لنا أن نتصور هذه الكيفية التي تدخل في علم الغيب، إلا أن ما هو مؤكد علمياً لنا، هو أن الله قد "خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"، فالله قد فطر جهاز البيان في مخ الإنسان المكلف بأنه يحتاج من البداية لسماع أصوات بشرية حتى تستكمل مراكزه داخل المخ، فيكون أهلاً للبيان البشري والمنطق الإنساني، ولو تعطل ذلك فإن الإنسان سينشأ أبكم أو معوقاً بيانياً.

ومن خلال النص القرآني ذاته نتبين أن الله قد علم آدم الأسماء كلها بلغة التنزيل الحكيم، المختارة لهذه المهمة، ألا وهي اللغة العربية التي تعهدها الله بالحفظ ونقل لنا بها حواره مع إبليس، ومع آدم، ونقل بها حوارات جميع الأنبياء والمرسلين مع الله ومع أقوامهم، وجعلها لغة أهل الجنة في الآخرة... وأن هذه اللغة هي لسان آدم عليه السلام (كما فصلنا في الجزء الأول من هذا المقال)، وربما لحكمة إلهية جُمعت في الاسم العربي بين اللغة الأولى (الأم) واللغة الأخيرة التي كانت إحدى اللهجات المتفرعة عنها وهي اللهجة العدنانية التي نزل بها القرآن الكريم، حيث يؤكد الله تعالى على هذا الاسم في عدة آيات قرآنية بقوله: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (يوسف: 2)، "وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً" (طه: 113)، "قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" (الزمر: 28)، "وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ" (النحل: 103)، "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ" (الشعراء: 193 - 195)، "وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً" (الرعد: 37)، و"كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (فصلت: 3).

واللغة العربية في هذه الحالة الواصلة بين الأصل والفرع في الاسم هي مثل اسم الإسلام ذاته، فهو دين التوحيد (من آدم إلى محمد مروراً بنوح، وإبراهيم، وإسماعيل، ويعقوب، وموسى، وعيسى...). إلا أن الإسلام اليوم قد استقر معناه كاسم علم خاص بالرسالة الخاتمة، ويلخصه قوله تعالى: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ" (آل عمران: 85) والذي يعني كل الأديان السماوية، ويعني الرسالة الخاتمة في الوقت ذاته، وهذا لحكمة إلهية بالغة الدلالة إسلامياً ولسانياً (أي وعربية). ذلك أن هذا المصطلح (الإسلام) لا ينطبق على تابعي النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لوحدهم، بل إن كلمة (مسلم) تعني الذي (أسلم وجهه لله)، وبالتالي يشمل هذا الاسم كل مؤمن بالله الواحد.

من خلال النص القرآني ذاته نتبين أن الله قد علم آدم الأسماء كلها بلغة التنزيل الحكيم، المختارة لهذه المهمة، ألا وهي اللغة العربية التي تعهدها الله بالحفظ ونقل لنا بها حواره مع إبليس، ومع آدم، ونقل بها حوارات جميع الأنبياء والمرسلين مع الله ومع أقوامهم، وجعلها لغة أهل الجنة في الآخرة.
لذلك نجد أن النبي إبراهيم وأبناءه وأحفاده (البقرة: 128 - 131 - 133، النساء: 125، يوسف: 101)، والنبي لوط (الذاريات: 36)، وسليمان (النمل: 42 ـ 44) كلهم يسمون مسلمين. ووصف الحواريون أنفسهم بالمسلمين (آل عمران: 52، المائدة: 111)، وكذلك فعل اليهود والنصارى الذين صدقوا بالتوراة والإنجيل (القصص: 53). كما عبر السحرة الذين غلبهم موسى عن رغبتهم في أن يكونوا مسلمين (الأعراف: 126)، وطلب موسى من قومه أن يكونوا مسلمين حقاً وأن يتوكلوا على الله (يونس: 84)، وطلب سليمان من ملكة سبأ وقومها أن يصبحوا مسلمين (النمل: 31 - 38). وعندما واجه فرعون الموت أعلن أنه أصبح من المسلمين (يونس: 90). وفي الحقيقة إن مصطلح مسلم يشمل حتى غير البشر من المخلوقات غير المرئية المعروفة باسم الجن (الجن: 14). وهناك بالطبع العديد من الآيات التي تصف الرسول محمداً (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه بأنهم (مسلمون) (مثلاً البقرة: 136؛ آل عمران: 20 - 64 - 84 - 102؛ الأنعام: 14) فالإسلام إذن هو دين الاستسلام للرب الواحد الأحد الذي عرّف نفسه لأقوام كثيرة على مر التاريخ بأسماء مختلفة من خلال مختلف الرسل الذين بعثهم من أول نبي ورسول وهو آدم (عليه السلام) إلى خاتمهم محمد (صلى الله عليه وسلم).

والدليل على ذلك أن لفظ "الأديان" لم يرد جمعاً في القرآن الكريم مطلقاً؛ لأن الدين في الحقيقة هو دين واحد، دين الإسلام، بدءاً من كلمات التوبة التي تلقاها سيدنا آدم عليه السلام من ربه: "فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ"، إلى رسالة سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. والأنبياء مرسلون للناس لتبليغ هذا الدين الإلهي الواحد، ولا يصح نسبة الدين إلى نبي من الأنبياء لأنه دين الله الواحد الأحد؛ فلا يصح أن يقال: دين إبراهيم، أو دين موسى، أو دين عيسى، أو دين محمد؛ فالدين دين الله، والأنبياء كلهم مرسلون به مبلغون له. ففي القرآن الكريم آيتان في سورتين متجاورتين هما البقرة وآل عمران، كل من هاتين الآيتين تتحدثان عن موضوع واحد هو في الحقيقة أساس عالمية الإسلام في الوجود، هذا الموضوع الذي تتحدث عنه هاتان الآيتان هو: وحدة شأن الرسل عند الله وفي الإسلام، وعدم التفرقة بينهم في الإيمان بهم جميعاً وبما أنزل الله على كل واحد منهم. يقول القرآن الكريم في الآية الأولى: "قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (البقرة: 136). لقد جمعت هذه الآية المرسلين من ربهم والنبيين على لسان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

إن اسم (مسلم) هو من صنع الله الذي استخدمه قبل عصر الرسول الأعظم بأحقاب بعيدة، وكذلك في القرآن العظيم، كما تبين الآية الكريمة التالية: "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنَعْمَ الْمَوْلَى وَنَعْمَ النَّصِيرُ" (الحج: 78).

ومن الأخطاء الشائعة بين المفسرين هو نسبة الضمير (هو) في عبارة (هو سماكم) إلى (إبراهيم)، انظر القرطبي مثلاً!؟

أولاً ـ يناقض هذا التفسير حقيقة أن عبارة (هو سماكم) هي استمرار لعبارة (هو اجتباكم) السابقة لها التي تشير بشكل جلي إلى الله. إن الضمير (هو) يرد للمرة الثالثة قرب نهاية الآية الكريمة في عبارة (هو مولاكم) حيث يشير إلى الله.

ثانياً ـ تشير عبارة (وفي هذا) في قوله تعالى: (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا) إلى القرآن العظيم، فيما تشير عبارة (من قبل) إلى ما سبق أن أنزله الله على أنبيائه من كتب كالتوراة والإنجيل، أو غير ذلك من أشكال الوحي. لذلك فإن الادعاء بأن الضمير (هو) في قوله عز وجل: "هو سماكم المسلمين" يعود إلى غير الله هو خطأ جلي.

ثالثاً ـ هنالك آية كريمة يخبر فيها النبي نوح عليه السلام ـ الذي عاش بفترة طويلة قبل النبي إبراهيم عليه السلام ـ قومه بأن الله قد أمره أن يكون "من المسلمين".

والدليل على هذا الوحي والطابع التوقيفي للغة العربية على لسان آدم وأبنائه من بعده، هو انفراد اللغة العربية دون سائر اللغات في تاريخ البشرية (كما هو معلوم) بأنها نزلت بقواعدها النحوية والصرفية الحالية، كما نطق بها الروح الأمين، موحياً بألفاظها إلى آخر الأنبياء والمرسلين، على امتداد السنوات الثلاث والعشرين من عمر البعثة المحمدية وتواصل التنزيل الحكيم... وقد سهل الله نطق حروفه على كل إنسان في هذا العالم إذا لم يكن به عيب خلقي في حاسة النطق، بحيث نلاحظ أن كل من يقرأ القرآن من ملايين المسلمين لا يعجز عن نطق أي حرف من حروفه في أية آية من آياته كما نزل بها القرآن دون أن يكون هؤلاء القراء -من شتى الأجناس البشرية ومختلف الأعمار- يعرفون معنى كلمة واحدة منه بلغاتهم الأصلية، ومع ذلك فهم يحفظون كل كلام الله المنزل باللسان العربي المبين، وهو ما يثبت أن مخارج حروف القرآن الكريم أتت على مقاس لسان كل إنسان سليم الجوارح والنطق بالبيان كما أسلفنا في ذكر الآية الأولى من سورة الرحمن (..).

ومن أجل تعويض أو تسهيل نطق بعض الحروف على ألسنة القراء (مثل الثاء، السين، القاف، الخاء، الذال، الضاد، والعين) وُجدت في اللغة العربية ظاهرة الإبدال التي تشتمل على العشرات من الحالات التي تنوب فيها الحروف بعضها عن بعض، وهي خاصية من خصائص اللغة العربية، وميزة من ميزاتها الكثيرة!!.

وهو ما يؤكده كذلك أيضاً الدكتور علي فهمي خشيم بقوله: "ولا نغالي إذا قلنا: إن أسلوب القرآن الكريم، وهو يمثل قمة العربية المشتركة، كان فوق مستوى العامة من العرب، كما كان في بعض الأحيان فوق مستوى الخاصة، ويروي الباقلاني وغيره قصصاً وحوادث توضح بجلاء كيف كان ينظر فصحاء العرب إلى عظمة أسلوب القرآن [ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب قرأ قول الله تعالى: "وَفَاكِهَةً وَأَبّاً" (عبس: 31) وقال: فما الأب؟ ثم قال: ما كُلفنا أو ما أُمرنا بذلك]" (قارن مادة (أبب) في لسان العرب لابن منظور لفهم معنى هذه الكلمة العربية القرآنية).

ويضيف الدكتور علي خشيم معلقاً: "ومثال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي لم يكن يعرف معنى كلمة (أب) في [فاكهة وأبا] قد ينطبق على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي رأيناه أول من قال بسريانية أو حورانية بعض ألفاظ القرآن الكريم، وتبعه آخرون".

وكلمة (أب) ترد في المصرية القديمة بمعنى ورق الشجر أو زهره، والكلمة عربية، وفي القرآن الكريم: "وَفَاكِهَةً وَأَبّاً". وقيل الأب للحيوان كالفاكهة للإنسان، وقد وُجدت هذه الكلمة أيضاً في الأوغاريتية، وهي لغة قريبة جداً من العربية القرآنية، ومعاني الأب في كل من المصرية والعربية والأوغاريتية واحد.

وهكذا تُعد قضية "توقيفية اللغة" (أي أن اللغة وحي من الله تعالى وليست من وضع البشر) من أشهر المعارك الأدبية واللغوية في التراث الإسلامي. وقد ذهب فريق من كبار العلماء واللغويين إلى أن اللغة العربية توقيفية، مستدلين بقوله تعالى: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا".

وإليكم أبرز العلماء الآخرين فضلاً عن المذكورين آنفاً الذين انتصروا لهذا الرأي وأقوالهم ومصادرها:

 1 ـ ابن فارس: يُعتبر أحمد بن فارس شيخ القائلين بالتوقيف، حيث يقول ما نصه: "أقول إن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله عز وجل: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}، فكان ابن عباس يقول: علمه الأسماء كلها، وهي هذه التي يتعارفها الناس.. فكانت اللغة مما علمه الله تعالى آدم عليه السلام".

المصدر: كتاب (الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها)، باب القول في أصل اللغة أإلهام هي أم اصطلاح!؟

و(علَّم آدم الأسماء) في ظل هذه النظرية يعني "عربية". فانظر إلى عمر العربية؛ متى يبدأ ومتى ينتهي مع القرآن الخالد إلى يوم القيامة! فشاء الله ـ لحبه لهذه اللغة ـ أن تكون مع مفتتح النشأة الإنسانية، ومستمرة إلى مختتم النشأة الإنسانية. فالانتماء إليها هو انتماء إلى شيء يحبه الله، ويفضله، ويزكيه، ويكرمه بآخر كتبه السماوية".
2 ـ أبو الحسن الأشعري: ذهب إمام الأشاعرة إلى أن أصل اللغات كلها توقيف من الله تعالى، ونُقل عنه هذا المذهب في كتب الأصول. قوله: إن اللغة لا بد أن تكون توقيفاً من الله تعالى، لأن الاصطلاح عليها يقتضي لغة سابقة يصطلح بها الناس، وهذا يؤدي إلى التسلسل، فلا بد من نقطة بداية إلهية.

المصدر: نُقل رأيه في كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) للآمدي، وكتاب (المحصول) للفخر الرازي.

 3 ـ ابن حزم الأندلسي: رغم نقاشه الطويل كما أسلفنا، إلا أنه مال إلى أن الله هو الذي علم آدم أصول اللغات كما يقول في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام): "إن الله عز وجل علم آدم الأسماء كلها، فصح بهذا أن اللغة توقيف من الله عز وجل وهي تعليم علمه الله لآدم".

 4 ـ جلال الدين السيوطي: أورد السيوطي الآراء المختلفة في أصل اللغة، ولكنه استعرض أدلة القائلين بالتوقيف بفيض ونسبها لجمهور أهل السنة.

قوله في كتاب (المزهر في علوم اللغة وأنواعها): "ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري إلى أنها توقيف من الله تعالى... وقالت به المعتزلة ومنهم أبو إسحاق الإسفراييني". (علماً أن السيوطي يميل إلى هذا الرأي لقوة حجة النص القرآني!!).

ونختم هذا الموضوع الإشكالي (القديم المتجدد) بقول حاسم صريح وواضح بالصوت والصورة للدكتور ميثم صدام شاطي (أستاذ وأكاديمي عراقي في الجامعة المستنصرية - كلية التربية الأساسية، قسم اللغة العربية)، فرغناه من مقابلة له موجودة على شبكة التواصل الاجتماعي حيث يقول ما نصه حرفياً: "أما رأيي الخاص، فهو أن العربية ولدت مع خلق آدم؛ بدليلٍ وثائقي لا يقبل النقاش، وهو تسمية رب العزة لهذا المخلوق من الطين "آدم". وهي كلمة لا معنى لها، ولا اشتقاق، ولا تصريف، ولا دلالة، ولا جمع، ولا تثنية، ولا تأنيث إلا في العربية، مع أنها موجودة في كل لغات العالم وتُطلق على المواليد إلى اليوم.

فإذا سألتهم: "لماذا سميته آدم؟" يقول: "العرب لأن القصة وردت في التوراة والإنجيل وأمثالهما". طيب، لماذا تنطق (آدم) بـ (آدم) مع أنك تكتبها (Adam)؟ المفروض قياساً أن تُقرأ (أَدَم)، فيقول: "هذا نطق توقيفي"، يعني هكذا عُلم أن يُنطق الاسم. ثم تسأله: "هل للكلمة لديكم معنى خارج كونها عَلَماً على هذا المخلوق من الطين؟" يقول: "لا".

لا معنى لها إلا في العربية؛ فكل شيء يوصف بـ "آدم" يعني لونه أشد من السمرة وأقل من السواد، سواء أكانت بشرة الإنسان أو أي شيء آخر. والعرب في الجاهلية أطلقوها على الخيل إن كان بهذا اللون، وجُمعت على "أُدْم"، ودخلت الشعر العربي الجاهلي. ومؤنثها "أدماء"، وهي على صيغة (أفعل)؛ أصلها همزتان (أأدم)، لكن حسب القاعدة العربية: إذا توالت همزتان قُلبتا همزة ممدودة، فكان النطق (آدم) عربياً أصيلاً.

ثم ألسنا جميعاً الآن نردد ونستعمل كلمة "أديم الأرض"؟ وهي من هذا الجذر لأنها بهذا اللون. فعندما يكون اسم آدم كلمة عربية، ألا يتخاطب مع حواء بالعربية؟ طبيعي. وحواء سوداء، والقرآن استعمل مذكر حواء في قوله: "فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى"، يعني أسود.

إذن، هو عربي، و(علَّم آدم الأسماء) في ظل هذه النظرية يعني "عربية". فانظر إلى عمر العربية؛ متى يبدأ ومتى ينتهي مع القرآن الخالد إلى يوم القيامة! فشاء الله ـ لحبه لهذه اللغة ـ أن تكون مع مفتتح النشأة الإنسانية، ومستمرة إلى مختتم النشأة الإنسانية. فالانتماء إليها هو انتماء إلى شيء يحبه الله، ويفضله، ويزكيه، ويكرمه بآخر كتبه السماوية".