نقاشات ما بعد الديمقراطية.. الشعبوية أم مشروع الكاريزما السياسية

تجارب العديد من البلدان تفيد بحصول انزياح لافت نحو النموذج الرئاسي ضمن عدد من النظم الديمقراطية، وإجراء استفتاءات دستورية مطردة في هذا السياق.. جيتي
تواجه الديمقراطية مشكلات عميقة في العالم ليست من طبيعة الإشكالات التقليدية التي تمت الإجابة عنها من داخل النموذج الديمقراطي، وتم تبعا لذلك إنتاج مقولة تبريرية، تعتبر أن المشكلة ليست في أن تظهر للديمقراطية أعطاب، فهذا شيء طبيعي ومسلم، ولكن المشكلة في أن يعجز النموذج عن أن ينتج من داخله أجوبة عن هذه الإشكالات ويصححها.

في النموذج الأوروبي، كان التحدي الاجتماعي جديا، بسبب الإغراء الذي كان يشكله النموذج الماركسي الاشتراكي على الأقل بالنسبة للطبقة العاملة والفئات الكادحة والمنبوذة والتي أقحمت ضمن الطليعة الثورية باجتهاد ماركيوز(1968)، فأنتج حقن منظومة الحماية الاجتماعية في النموذج الديمقراطي الأوربي نموذجا ديمقراطيا اجتماعيا قويا تمتع بقدر كبير من الحصانة والصلابة.

النموذج التمثيلي للديمقراطية تلقى انتقادات كبيرة، فتم اللجوء من داخل أطروحة النظام الديمقراطي إلى فكرة الديمقراطية التشاركية لخلق توازن في القرار يضمن حدا أكبر من مشاركة المجتمع عبر بنياته ومؤسساته غير التمثيلية.

في النموذج الأمريكي، طالت انتقادات كبيرة الآلية التي يتم بها صناعة القرار، وكيف تستثمر لوبيات المال والأعمال البنيات الديمقراطية (انتقادات نعوم شومسكي مثلا)، بما في ذلك الأحزاب لتحويل الآليات الديمقراطية إلى وسائل لحماية مصالح اللوبيات وترسيخ الأنماط الاقتصادية والثقافية والقيمية، ولم تستطع مؤسسات المنافسة وحماية المستهلك ومحاربة التركيزات والاحتكارات أن تصحح العطب من داخل النظام الديمقراطي إلا في حدود نسبية.

الخطر الذي يمكن أن نتصوره من نشأة الشعبوية وانتشارها ينصرف أكثر إلى السياسات الخارجية، وما يتعلق بالحرب والسلم، ومستقبل العلاقت الدولية إذ يمكن أن ينتج عن ذلك نشوء شعبويات مضادة، تعيد النظر في معادلة السلم القائمة في العالم، وربما تدفع إلى تسريع تشكل نظام دولي جديد، يسمح باستيعاب متطلبات الشعبويات المتصارعة في العالم.
فكرة عولمة الديمقراطية عبر مبادرة "ترقية الديمقراطية" التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية في بداية الألفية الثالثة، ودعمتها بتحفظ دول أوروبا، أعاقتها فكرة "الديمقراطية الإرشادية"، أي تدخل أمريكا في تحديد الأحزاب والتيارات الحليفة التي يمكن أن تصير مفتاحا للتحولات الديمقراطية لاسيما في الوطن العربي، فشكل موضوع الإسلاميين عقدة المنشار في فكرة عولمة الديمقراطية ودعم التحولات، فطرح السؤال: كيف ندعم ديمقراطية نعلم يقينا أنها ستحمل إلى الحكم عدوا متناقضا مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية؟

 لقد أنتج النموذج الديمقراطي، في شقه الثقافي الليبرالي معضلة كبيرة تتعلق بالهوية والقيم وحماية العائلة، وأنتج شقه الحقوقي والسياسي مشكلة اجتماعية وثقافية وأمنية تتعلق بالهجرة وتحدياتها، وأنتج في شقه الاقتصادي معضلة الأفضلية الوطنية، بحكم أن الوحدة الأوروبية، على سبيل المثال، فرضت حرية العمل داخل الفضاء الأوروبي، مما فجر مشكلة القومية من جديد، ومشكلة الأفضلية الوطنية في توزيع الفرص الاقتصادية.

النموذج الديمقراطي، لم يستطع أن يقدم أي جواب عن هذه الإشكالات اللهم ما كان من سماح للأحزاب اليمينية المتطرفة بأن تأخذ حيزا مهما داخل بنيته، وفي أحيان كثيرة، تتصدر المشهد، فتظهر معضلة نظام ديمقراطي، ينتج ظاهرة تأكله، ولا تصحح أعطابه كما كان الأمر في السابق.

الإشكالات الجديدة للديمقراطية

 تختلف الإشكالات الجديدة التي أنتجها النظام الديمقراطي عن سابقاتها، في أنه استطاع أن يمتلك أدوات للإجابة عن الأولى، في حين، تميزت الإشكالات الجديدة، بكونها تحمل طابعا نقيضا، أو بعبارة أدق، إنها برزت لتعلن نهاية النموذج الديمقراطي بالكامل، بسبب من أن الظواهر الجديدة التي برزت، تؤسس لمقولات تنسف النظام الديمقراطي برمته.

 تفيد عملية الاستقراء الواسع للتجارب الديمقراطية النموذجية أن الإشكالات الجديدة، تتعلق إما بالقومية، أو بالأمن، أو بالندرة وما تطرحه من إشكال الفرص الاقتصادية أم تتعلق بقضايا الهوية والقيم. وتأخذ في الكثير من الأحيان طابع مركبا.

 تتداخل هذه القضايا كلها في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صعد إلى إدارة البيت الأبيض عبر بركات النموذج الديمقراطي، فيتصدر عنوان "القومية" السياسة العمومية المرتبطة بمحاربة الهجرة، ويتصدر عنوان القيم السياسات العمومية المتوجهة نحو حماية العائلة، ويتصدر عنوان الهوية والقومية عنوان السياسات التجارية والرسوم الجمركية،   ويتصدر عنوان الندرة وتحصين الفرص الاقتصادية السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتتداخل هذه الأبعاد كلها لترسم مفردات سياسة خارجية جديدة تعيد النظر بشكل مفصلي في المؤسسات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة ومختلف مؤسساتها بما في ذلك مجلس ألأمن ومحكمة العدل الدولية،  تحت مسمى المصلحة القومية.

هذا النموذج الذي تحضر فيه كل الصياغات المنافية للنموذج الديمقراطي، تظهر فيه الإشكالات الجديدة مجتمعة، وتسمح الملاحظة بتركيب عناصر خطاب جديد شعبوي كاريزمي، يسعى بكل السبل، وبشكل تدريجي أن يستبدل أسس النظام الديمقراطي بنظام آخر، يقوم بالكلية على الشخص (الكاريزما) الذي يستطيع أن ينتج خطابا قادرا على تعبئة الجمهور بالشكل الذي لا يكون فيه النظام الديمقراطي قادرا على حماية أركانه.

فكرة عولمة الديمقراطية عبر مبادرة "ترقية الديمقراطية" التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية في بداية الألفية الثالثة، ودعمتها بتحفظ دول أوروبا، أعاقتها فكرة "الديمقراطية الإرشادية"، أي تدخل أمريكا في تحديد الأحزاب والتيارات الحليفة التي يمكن أن تصير مفتاحا للتحولات الديمقراطية لاسيما في الوطن العربي، فشكل موضوع الإسلاميين عقدة المنشار في فكرة عولمة الديمقراطية ودعم التحولات، فطرح السؤال: كيف ندعم ديمقراطية نعلم يقينا أنها ستحمل إلى الحكم عدوا متناقضا مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية؟
في سابق التأسيس للنموذج الديمقراطي، طرح سؤال وجودي، وهو: هل تسمح الديمقراطية بوجود أحزاب لا تؤمن بالديمقراطية،  وكان الجواب بهذا الصدد مختلفا،  فهناك من رأى أن الباب مقفل أمام هذه الأحزاب إلا أن تتواءم مع قواعد النموذج الديمقراطي، وهناك من قدم جوابا آخر، وهو أنه لا بد من قدر من الانفتاح والسماح لهذه الأحزاب بالدخول، بشرط أن تقبل بنتائج الديمقراطية،  وبالقواعد التي تضبط العملية الديمقراطية، وكانت حجة هذا الرأي المرن، أن الديمقراطية هي عملية بيداغوجية، وأنه لا بد من مواكبة بعض الأحزاب المناقضة بطبيعتها للنموذج الديمقراطي وإسنادها ودعمها في عملية المراجعات لتتكيف مع قواعد النموذج الديمقراطي، وهكذا كان الأمر مع الأحزاب المسيحية، التي تسمى في التجربة الأوروبية بالأحزاب المسيحية الديمقراطية. لكن المشكلة اليوم تختلف بشكل كبير، فالقواعد الديمقراطية لم تعد تجد نسقا سياسيا صلبا قادرا على حمايتها، وعلى تقديم الدعم والمواكبة للأحزاب النقيضة للديمقراطية حتى تخوض تجربة مراجعاتها الفكرية والسياسية وتتواءم مع قواعد النظام الديمقراطي.

فعلى سبيل المثال، لا أحد اليوم يستطيع أن يروض الترامبية في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن تصاب بنكسة انتخابية قوية بسبب من سياسات داخلية أو خارجية، في حين، لو استمرت الظاهرة بحالة من الألق الشعبي، والتقدم السياسي، والتغيير المؤسساتي، فإن الأمر يصير إلى نفس ما آلت إليه تجربة أوربا بعد الحرب العالمية الثانية في كل من ألمانيا وإيطاليا، فالقاسم المشترك، يظل دائما هو القدرة على التعبئة الجماهيرية، والتحكم في المؤسسات، وإنتاج المضمون السياسي القادر على التعبئة وتمثيل البديل للخطاب الديمقراطي.

إلى جانب الإشكالات المرتبطة بالقومية والهوية والأمن والفرص الاقتصادية، تظهر مشكلة أخرى غير بعيدة عن هذه الإشكالات، وإن كانت ليست من طبيعتها، وهي مشكلة البيروقراطية، فإذا كان جوهر النظام الديمقراطي بيروقراطي، لأن مقتضى ضبط السلطة وتوزيعها ومراقبتها تقتضي ذلك كما هو تفسير ماكس فيبر، فإن النتائج المترتبة عن البيروقراطية، والخاصة بالنجاعة والإنجاز في سياق الزمن، تجعل من النموذج الديمقراطي معيقا للوتيرة السريعة التي يفترض للتقدم أن يسير عليها، كما تقيد قدرة الفاعل السياسي المتصدر للانتخابات والقائد للتجربة الحكومية على تنفيذ وعوده وبرنامجه الانتخابي، بل واتخاذ قرارات حاسمة في الظروف الطارئة.

تجارب العديد من البلدان تفيد بحصول انزياح لافت نحو النموذج الرئاسي ضمن عدد من النظم الديمقراطية، وإجراء استفتاءات دستورية مطردة في هذا السياق، لكن المساحة التي يتيحها النموذج الرئاسي نفسه ضمن النظام الديمقراطي، تبقى أقل من أن تستوعب تطلعات الظاهر السياسية التي انتجها النظام الديمقراطي نفسه، سواء تعلق الأمر بالأحزاب اليمينية المتطرفة، أو تعلق بضرورات الدول في مواجهة عدد من القضايا الطارئة.

الشعبوية من أمراض النموذج الديمقيراطي أم من نقائضه

نصير إلى النتيجة التي تناقش اليوم في أحدث التقليعات النظرية التي ينتجها حقل العلوم السياسية، أي ظاهرة الشعبوية ومحدداتها وأفقها وإلى ما ترمز في حقل السياسة.

 في واقع الأمر لا يهمنا كثيرا الوقوف عند دلالات الشعبوية وما تشكله من خطر على النظام الديمقراطي، فهذا السؤال يشغل به الذي يعتقد أن النظام الديمقراطي هو "نهاية التاريخ"، وأنه لا يمكن التعامل مع أي ظاهرة ما لم تكن تحت سقف هذا النموذج، ولذلك، يتم دائما ضمن هذه المقاربة اعتبار الشعبوية مرضا من أمراض النظام الديمقراطي أو عطبا من أعطابه، سيتمكن النظام الديمقراطي من استئصاله ولو بعد حين.

لا يتم الحديث بقدر من الوضوح عن العلاقة بين ظهور الشعبوية وبين قواعد النظام الديمقراطي، وإنما يتم القفز مباشرة إلى التحولات الثقافية والقيمية، كما ولو أن المشكلة في الجمهور، وتحول مزاجه وثقافته وترحيبه بالشعبوية ودعمه لها على حساب مصالحه المضمونة والمحصنة ديمقراطيا، في حين أن المآلات التي صار إليها هذا الجمهور هي ثمرة للتطور الذي عرفه النظام الديمقراطي نفسه، وعجزه عن تأطير التحولات الثقافية والقيمة والتقنية والرقمية.

ثمة أسئلة طرحت وتطرح اليوم من قبيل لماذا يقبل الجمهور ظهور زعيم شعبوي لا يأبه بقواعد الديمقراطية، ولا يتحدث ضمن أطرها، ولا يحترم مقومات بيئتها لكن ثمة أسئلة أخرى مقابلة لا تطرح بالمطلق، وهي أين كانت قواعد هذا النظام الديمقراطي، حين سمحت بأن يصير هذا الجهور فاقدا لأدنى مقومات الكرامة والعيش الكريم مهددا فيما يمثل القاسم المشترك من الانتماء والهوية والقيم، وتشكل له بذلك مزاج لا يثق في مخرجات النموذج الديمقراطي، ويمكن أن يقبل بأي بديل حتى ولو كان نقيضا لهذا النموذج نفسه؟

التقليعات النظرية الحديثة تتحدث بكل وضوح عن إمكان أن تكون الشعبوية حلا وخيارا، بما تتوفر عليه من مؤهلات تنظيمية وتعبوية وخطابية وسياسية، فالنموذج الديمقراطي أصبح يعاني من هامشية الأحزاب عن المجتمع، وارتهانهم إلى لوبيات الأعمال، وتحركهم في دائرة المصالح الفوق قومية، وعجزهم عن تأمين فعالية الدولة ونجاعة سياستها أمام البيروقراطية التنظيمية لأجهزة الدولة ومؤسساتها، وفضلا عن هذا وذاك، أصبحت سياسة الدولة الاقتصادية والاجتماعية بيد قلة توجه مؤسسات الدولة، حتى ولو لم تكن ممثلة في بنيتها المؤسساتية.

ثمة سؤال يطرح اليوم بكل جرأة يتعلق بإعادة ترتيب الأولوية، بين الحاجة لحماية النموذج الديمقراطي وتأمين قواعده، وبين الحاجة إلى تأمين أوسع قدر من المشاركة المجتمعية في السياسة.

في السابق، كان النموذج الديمقراطي هو الخيار الأضمن والأمثل لتحقيق المشاركة السياسية وتوسيعها، بما في ذلك فتح المجال للتيارات غير الديمقراطية، بغية دفعها نحو التكيف، لكن اليوم، حتى بوجود تيارات غير نقيضة للديمقراطية، تبدو المشاركة السياسية غير مضـمونة ولا محققة بشكل أفضل عبر آليات النموذج الديمقراطي وقواعده، فالشعبوية والكارزيما السياسية توفر ربما أفقا أفضل لتوسيع مشاركة الجمهور في السياسة عبر التحولق حول الزعيم والثقة بمضامين خطابه والاستعداد الدائم لدعمه.

في النموذج الأمريكي والأوروبي، غالبا ما يتم مقاومة ما يسمى بـ"عودة الملكية"، ويعتبرون ذلك تهديدا جديا للنموذج الديمقراطي، وعودة إلى ما قبل الحداثة، أي إلى لحظة الامبراطورية التي كان يلعب فيها تحالف الامبراطور الحاكم ومؤسسات الدين الدور الحاسم في إنجاز الانتصارات الكبرى، لكن اليوم، عادت التحذيرات نفسها خاصة في النموذج الأمريكي من إمكان تحول دونالد ترامب إلى "ملك"، وتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى "امبراطورية".

قد يعتبر البعض أن هذه مجرد مقولات تنتج في خضم المنافسة السياسية لإضعاف الخصوم، لكن الأمر في حقيقته تعدى هذا الأفق إلى ما هو أخطر، مما يتعلق باتجاه لتغيير بنية الدولة، وهندسة مؤسساتها، وتغير ولاءاتها، هذا فضلا عن ظهور عناوين عريضة لسياسات عامة للدولة، تنحو منحى امبراطوريا، لا يجد مقاومة شعبية عارمة، بل يستدر دعما كبيرا.

يفسر البعض ذلك بضعف المنافس، لكن في الجوهر، لا يتصور نهاية نظام وبداية آخر، إلا بتدهور البنيات الداخلية للنظام القائم، وضعف الفاعلين ضمنه وعجزهم عن المقاومة.

التفسير الذي نميل إليه، أن الشعبوية ليست مجرد مرض من أمراض النظام الديمقراطي، وليست مجرد عطب مقدور على حله من داخل النظام الديمقراطي كما يتصور، ولكنه، النقيض الهيجيلي، الذي من شأنه أن يبعث على إعادة تركيب نظام سياسي جديد، يضع النموذج الديمقراطي وراء ظهره.

 نميل لهذا الرأي ليس لأن النموذج الديمقراطي لا يتوفر على الميزات التي تجعل منه أفضل وأقوى من الشعبوية، ولكن لأن مآل تطور النموذج الديمقراطي، لم يعد يسمح بهذه المقارنة النظرية المحسومة مسبقا، فالنموذج الديمقراطي، بأعطابه المختلفة، وإشكالاته القديمة، سمح للشعبوية بأن تجمع هذا الحصاد السلبي وتضم نقده وتجاوزه إلى رصيدها.

مستقبل الشعبوية

قد يكون مهما من الزاوية النظرية المقابلة التفضيلية بين النموذج الديمقراطي وبين مخاطر الشعبوية، لكن من زاوية التطور التاريخي، لا تهم كثيرا هذه المقارنة، ففي السياسة، عندما يعاني الشعب من حزب سياسي معين يقود الحكومة، لا يهمه بعد ذلك أن يعطي صوته لحزب سياسي غير كجرب قد يعتقد أنه هو أسوأ منه، فقط ما يهم هو التخلص من الإرث السابق، وبناء شعاع أمل، يخلص الشعب من اليأس القاتل، ومن تعاظم منسوب اللاثقة الذي حطم كل شيء.

لا يهم الصياغات التي تقدمها الشعبوية في جوابها عن هذه القضايا وما إن كانت رشيدة أن ستزيد الطين بلة، ما يهم الجمهور في لحظة التحول أن يتشبث ببديل يعيد طرح هذه الأبعاد التي يعتبرها في تمثلاته، حتى ولو كان الطرح غير ملائم.
هكذا هي النظرة التاريخية، لا يهمها إلى أين ستسير الشعبوية وما هو مستقبلها فهذا شيء لا يزال في المجهول وخارج البحث التاريخي، وإنما يهمها بدرجة أكبر، أن تفسر السبب الذي يجعل الشعوب تغادر النموذج الديمقراطي إلى ما يعتقد أنه أسوأ منه.

الشعبوية بنت مجدها وأفقها من الاتجاه المباشر لمعالجة الإشكالات الجديدة للنموذج الديمقراطي، فخاطبت شيئا كامنا في ثقافة الشعوب اسمه الهوية والانتماء والقومية، بعد أن بدد النموذج الديمقراطي الحدود، وصار يشكك حتى في إمكان تصور هوية جماعية، وقيم خاصة وقومية ثقافية، ناقشت قضايا الندرة والفرص الاقتصادية من منظور قومي، وناقشت قضايا الهجرة والأمن من منظور ديني وثقافي واقتصادي، وفوق هذا وذاك نبهت إلى أخطار انقراض العائلة، فبنت خطابها حول الأسرة وحماية القيم الأصلية، وحاولت أن تجد التركيب الملائم بين نزوعات لوبيات المصالح لتوسيع مصالحهم وحاجة الشعب إلى توفير فرص الشغل، ورفع الدخل، من خلال إنتاج سياسيات حمائية وجمركية جديدة.

لا يهم الصياغات التي تقدمها الشعبوية في جوابها عن هذه القضايا وما إن كانت رشيدة أن ستزيد الطين بلة، ما يهم الجمهور في لحظة التحول أن يتشبث ببديل يعيد طرح هذه الأبعاد التي يعتبرها في تمثلاته، حتى ولو كان الطرح غير ملائم.

في واقع الأمر، الخطر الذي يمكن أن نتصوره من نشأة الشعبوية وانتشارها ينصرف أكثر إلى السياسات الخارجية، وما يتعلق بالحرب والسلم، ومستقبل العلاقت الدولية إذ يمكن أن ينتج عن ذلك نشوء شعبويات مضادة، تعيد النظر في معادلة السلم القائمة في العالم، وربما تدفع  إلى تسريع تشكل نظام دولي جديد، يسمح باستيعاب متطلبات الشعبويات المتصارعة في العالم.

لكن الجواب عن هذا السؤال غير بعيد عن حقيقة ممارسة الشعبوية نفسها، ففي العادة ما يتم تصوير الشعبويات بكونها نزعات مغامرة، في حين، يسمح استقراء بعض نماذجها البارزة في العالم، بأنها تتسم بقدر كبير من العقلانية والبراغماتية حينما يتعلق الأمر بصناعة سياسات خارجية تحقق المصلحة القومية. يمكن أن ندرج نموذج التفاوض بين أمريكا وإيران كمؤشر على حدود الشعبوية، وحضور العقلانية والبراغماتية في مفردات السياسة الخارجية.