شكّلت الضربات
الإيرانية على
الاحتلال الإسرائيلي فجر الاثنين، تحولا استراتيجيا لافتا، وإدخال معادلة ردع جديدة، بعد تزايد الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان.
فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، ارتبط الرد الإيراني المباشر عادة بالاعتداءات التي تطال إيران نفسها أو مصالحها الحيوية، فيما كانت طهران تعتمد على شبكة حلفائها الإقليميين في إدارة المواجهات خارج حدودها.
أما التطور الأخير، فقد حمل رسالة مختلفة بحسب خبراء، مفادها أن الساحة اللبنانية باتت جزءاً من معادلة الردع الإيرانية المباشرة، وهو ما اعتُبر يداية مرحلة جديدة في توازنات الشرق الأوسط.
ورصدت "عربي21" آراء كتّاب ومحللين إيرانيين وإسرائيليين وعرب وغربيين، حول تطورات الساعات الأخيرة ومبادرة إيران بضرب الاحتلال في حدث غير مسبوق.
معادلة ردع جديدة
يرى أستاذ العلوم السياسية الكويتي عبد الله الشايجي أن خطورة ما جرى تكمن في أن إيران "رفعت مستوى قدراتها الردعية" عبر تنفيذ تهديدها بصورة مباشرة، معتبراً أنها أصبحت أول دولة تبادر إلى مهاجمة "إسرائيل" رداً على قصف استهدف بيروت.
أما أستاذ فض النزاعات والعلاقات الدولية إبراهيم فريحات، فاعتبر أن الهجوم الإيراني على حيفا حمل عدة رسائل، أبرزها السعي إلى ترسيخ قواعد اشتباك جديدة بعد وقف إطلاق النار، إضافة إلى تأكيد الترابط بين الساحتين اللبنانية والإيرانية بصورة أقوى مما كان يُعتقد سابقاً.
وفي الاتجاه ذاته، رأى الباحث العراقي فراس إلياس أن إيران لم تتحرك فقط دفاعاً عن حزب الله أو رداً على استهداف الضاحية الجنوبية، بل لمنع تكريس معادلة إقليمية تقوم على فصل الساحات عن بعضها البعض، بما يؤدي إلى إضعاف مصداقية ما يعرف بـ"محور المقاومة".
الباحث اللبناني إلياس مارون رأى أن المنطقة قد تكون دخلت مرحلة مختلفة تماماً إذا ثبتت المعادلة الجديدة، موضحاً أن الرد الإيراني جاء هذه المرة على ضربة إسرائيلية استهدفت دولة ثالثة هي لبنان، وليس الأراضي الإيرانية مباشرة.
وبحسب مارون، فإن المعادلة التقليدية كانت تقوم على مبدأ "إذا ضُربت إيران فإن إيران ترد"، بينما تشير التطورات الأخيرة إلى احتمال توسعها لتصبح "إذا ضُرب لبنان فقد يأتي الرد من إيران"، وهو تحول يتجاوز البعد العسكري إلى إعادة رسم موازين النفوذ والقوة في المنطقة.
وقال الكاتب العماني حمد الصواعي إن المبادرة الإيرانية تعكس انتقالاً من سياسة رد الفعل إلى فرض الوقائع الميدانية، بما قد يفتح الباب أمام واقع إقليمي جديد مختلف عن المراحل السابقة.
قلق إسرائيلي
وفي "إسرائيل"، بدا النقاش منصباً على التداعيات الاستراتيجية أكثر من نتائج الضربة العسكرية ذاتها.
فالباحث الإسرائيلي داني سيترينوفيتش اعتبر أن "إسرائيل" تواجه معضلة حقيقية بين الرد والمخاطرة بتوسيع المواجهة، أو الامتناع عن الرد والسماح لإيران بترسيخ معادلة جديدة تحد من حرية العمل الإسرائيلي ضد حزب الله مستقبلاً.
وأضاف أن التطورات الأخيرة تظهر أن إيران خرجت من المواجهات السابقة أكثر ثقة بنفسها، بينما باتت الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى إنهاء الأزمة عبر تسوية سياسية بدلاً من الانخراط في مواجهة إقليمية واسعة.
أما المعلق الإسرائيلي البارز عاميت سيغال فاختصر المشهد بالقول إن عدم الرد على الهجوم الإيراني يعني عملياً تثبيت معادلة جديدة تسمح لحزب الله بمواصلة الضغط على الجبهة الشمالية تحت مظلة ردع إيرانية مباشرة.
كما رأى الباحث الإسرائيلي راز زيمت أن الرسالة الأهم للهجوم تكمن في أن طهران لم تعد ترى نفسها ملزمة بانتظار الضربة أولاً قبل الرد، بل باتت تعتبر نفسها قادرة على فرض قواعد اللعبة بنفسها.
اختبار لترامب
فالباحث الأمريكي الإيراني تريتا بارسي رأى أن التطورات الأخيرة وضعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام اختبار صعب، إذ إن نجاح إيران في فرض معادلة ردع مرتبطة بلبنان سيعزز الشكوك داخل طهران بشأن قدرة واشنطن على كبح إسرائيل أو إلزامها بأي تفاهمات مستقبلية.
وأشار إلى أن "إسرائيل" لا تتحدى إيران فقط عبر ردودها العسكرية، بل تضع أيضاً مصداقية ترامب على المحك، خاصة إذا لم يترتب على تجاهل رغباته المعلنة أي ثمن سياسي أو استراتيجي.
بدوره، اعتبر الكاتب الأمريكي براندون وايكرت أن الرسائل الإيرانية تتجاوز الضربات العسكرية نفسها، وتستهدف إقناع إسرائيل بأن مواصلة التصعيد قد تقود إلى نتائج أكثر خطورة، في ظل قناعة متزايدة داخل طهران بأن ميزان الردع لم يعد كما كان عليه في السابق.