في ظل تصاعد التوترات
على الحدود الجنوبية، تتواصل انتهاكات
الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وسط
محاولات بفرض واقع أمني جديد عبر التوغل في مناطق ريفية وتنفيذ عمليات مداهمة واحتجاز
لسكان محليين، إلى جانب الاستيلاء على أراض زراعية وإقامة نقاط عسكرية داخل مناطق متفرقة
من الجنوب السوري.
وتمتد الانتهاكات لتشمل
اعتقالات تطال مدنيين بينهم رعاة وأهالي قرى حدودية، فضلاً عن تقييد الحركة في مساحات
واسعة من محافظة
القنيطرة ومحيطها، ضمن بيئة يصفها مراقبون بأنها تشهد فراغا أمنيا
تستغله قوات الاحتلال الإسرائيلي لتعزيز وجودها.
في حوار مطوّل مع مدير
مركز "سجل" المختص برصد التواجد الإسرائيلي في
سوريا، الباحث حمزة غضبان،
استعرض تطورات المشهد الميداني في الجنوب السوري، وما يشهده من انتهاكات وعمليات اعتقال
وتوغلات إسرائيلية، إلى جانب دور الحكومة السورية في التعامل مع هذا الملف المعقد،
وذلك في أعقاب التحولات التي أعقبت سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول / ديسمبر
2024.
ما بعد سقوط النظام
وتغير المشهد الميداني
وقال حمزة غضبان إنه
لا يمكن تجاهل ما حدث عقب سقوط النظام السوري، مشيرًا إلى أن الأيام الأولى شهدت تطورات
ميدانية كبيرة، من بينها عملية تابعة للاحتلال الإسرائيلي وصفها بأنها كان لها تأثير
مباشر على الواقع في الجنوب السوري، وأدت إلى السيطرة على جبل الشيخ.
وأوضح غضان أن لهذه
التطورات تداعيات رئيسية، أبرزها أن السيطرة على جبل الشيخ منحت الاحتلال الإسرائيلي
أفضلية استراتيجية في عدة مسارات، سواء العسكرية أو الأمنية أو حتى السياسية، إضافة
إلى تأثيرها المحتمل على أي مفاوضات مستقبلية بين الجانبين السوري والإسرائيلي، باعتبار
أن ملف جبل الشيخ يظل نقطة خلاف جوهرية.
أما التداعي الثاني،
بحسب غضبان، فهو أن هذه التطورات ساهمت في إعادة تشكيل الواقع الأمني في الجنوب السوري،
حيث باتت المنطقة مختلفة عما كانت عليه قبل سقوط النظام.
وأشار إلى أن الجنوب
السوري، ويقصد به محافظة القنيطرة بالكامل، وريف درعا الشمالي حتى حوض اليرموك، وأجزاء
من ريف دمشق الغربي، كان تاريخيا مهمشا خلال حكم النظام المخلوع، لكنه اليوم يشهد فراغًا
أمنيًا واضحًا.
وأوضح مدير مركز سجل
أن الاحتلال الإسرائيلي استغل هذا الفراغ، وسعى إلى ملئه عبر التوغل داخل الأراضي السورية،
وبناء قواعد عسكرية، وتنفيذ عمليات متكررة من التوغلات، والتي تعني تجاوز خط فصل الاشتباك
لعام 1974.
وبيّن غضاب أن هذه
التوغلات غالبًا ما تأخذ شكل دوريات عسكرية، يرافقها أحيانا إقامة نقاط تفتيش مؤقتة،
إضافة إلى مداهمات لمنازل مدنيين في بعض الحالات.
أنماط العمليات والانتهاكات
الميدانية
وتحدث غضبان عن أن
العام الماضي شهد فترات صعود وهبوط في وتيرة العمليات الإسرائيلية، حيث ارتبط بعضها
بتطورات إقليمية أو سياسية، إلا أن وتيرة الاحتجازات والمداهمات بقيت عند مستويات مرتفعة.
وأشار إلى أنه مع بداية
العام الجاري، لوحظ تركيز أكبر على ترسيخ الوجود العسكري للاحتلال الإسرائيلي، سواء
عبر التغييرات في التضاريس أو توسيع القواعد العسكرية أو العمل على إنشاء مزيد منها.
كما لفت إلى أن العمليات
العسكرية زادت بشكل ملحوظ مع بعض التطورات الإقليمية، خاصة خلال فترات التصعيد، وهو
ما انعكس على الأرض في صورة احتجازات ومداهمات مستمرة.
منطق الانتهاكات الإسرائيلي
وتبريراته
وأوضح غضبان أن خطاب
الاحتلال الإسرائيلي يعتمد على ثلاثة مبررات رئيسية لوجوده في الجنوب السوري، أول هذه
المبررات هو "ملء الفراغ الأمني، مع التركيز على إنشاء ما يسمى بالمناطق الأمنية
ومناطق النفوذ العسكري، والتي تمتد من جبل الشيخ حتى حوض اليرموك جنوبًا، وعمق يقارب
15 كيلومترًا داخل الأراضي السورية.
أما المبرر الثاني
فهو منع عودة أي وجود إيراني أو لحزب الله أو أي قوى تصنف على أنها تهديد للاحتلال
الإسرائيلي، وهو ما يترجم ميدانيًا عبر عمليات مداهمة واعتقالات وتحركات عسكرية متكررة.
أما المبرر الثالث
فهو "حماية الأقليات"، والذي يستخدم بشكل متكرر في الخطاب الإسرائيلي، خاصة
فيما يتعلق بالطائفة الدرزية، حيث قال إن هذا الخطاب استخدم باستمرار منذ سقوط النظام،
وترافق مع عمليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي السورية تحت هذا العنوان.
أبرز الانتهاكات الموثقة
وأشار غضبان إلى أن
مركز سجل وثق عدد من الانتهاكات أبرزها أن العمليات الإسرائيلية يمكن تصنيفها ضمن ما
وصفه بـ"العمليات الخطيرة"، وتشمل القصف والقتل والاحتجاز والمداهمات.
وأوضح أن غالبية هذه
العمليات، باستثناء حالات الاحتجاز، تنفذ بشكل "مستهدف" للوصول إلى أهداف
محددة.
وأشار إلى أنه منذ
8 كانون الأول / ديسمبر 2024 وحتى الآن، تم تسجيل مقتل 36 سوريًا نتيجة العمليات الإسرائيلية،
من بينهم حادثة بيت جن في 28 تشرين الثاني / نوفمبر الماضي، والتي أسفرت عن 13 ضحية
وعدد من الجرحى والمهجرين.
كما أشار غضبان إلى
حادثة أخرى في 3 نيسان / أبريل بريف القنيطرة، استهدفت شابًا سوريًا يبلغ من العمر
17 عامًا.
ملف الاعتقالات ومصير
المحتجزين
وتطرق غضبان بشكل موسع
إلى ملف الاعتقالات، موضحًا أن عمليات الاحتجاز الإسرائيلية في الجنوب السوري تتم عبر
ثلاثة أنماط رئيسية: نقاط تفتيش مؤقتة، مداهمات لمنازل، واحتجاز رعاة أغنام.
وقال مدير مركز
سجل إن عدد عمليات الاحتجاز التي وثقها المركز تجاوز 200 حالة، أغلبها ينتهي بالإفراج
خلال ساعات أو أيام بعد التحقيق، إلا أن هناك نحو 50 حالة لا يزال مصيرها مجهولًا.
وأوضح أن 45 من هذه
الحالات وقعت بعد سقوط النظام السوري المخلوع، بينما 5 حالات تعود لما قبله، مشيرًا
إلى أن المحتجزين يصنفون بحسب الاحتلال الإسرائيلي تحت مسمى "مقاتل غير شرعي"،
وهو ما يمنع حصولهم على أي حماية قانونية أو متابعة قضائية واضحة.
وأضاف غصبان أن هؤلاء
يتم نقلهم إلى سجون داخل الأراضي المحتلة ، ويخضعون لمحاكمات دورية كل ستة أشهر، يتم
خلالها تمديد احتجازهم أو النظر في الإفراج عنهم، دون إمكانية فعلية لمحامي الدفاع
للتعامل معهم بالشكل القانوني المعتاد.
وأكد أن هذه القضية
تمثل إحدى أبرز الملفات الإنسانية المعقدة، بسبب انعدام المعلومات حول مصير هؤلاء المحتجزين
وصعوبة تواصل عائلاتهم معهم.
الوضع الإنساني في
الجنوب السوري
وتحدث غضبان عن الأوضاع
الإنسانية في محافظة القنيطرة، مؤكدًا أنها منطقة زراعية ورعوية بشكل أساسي، ما يجعل
السكان يعتمدون على الأرض كمصدر رئيسي للرزق.
وأوضح أن منع الوصول
إلى الأراضي الزراعية، والقيود المفروضة على الرعي، إضافة إلى رش مبيدات تؤثر على الماشية
والمحاصيل، كلها عوامل تؤدي إلى ما وصفه بـ"سياسة تهجير ناعم" تستهدف مصادر
العيش في المنطقة.
وأشار إلى أن بعض السكان
في البداية رفضوا مساعدات الاحتلال الإسرائيلي بشكل قاطع، حيث قاموا أحيانًا بجمعها
وإحراقها، لكن الظروف الاقتصادية الصعبة أدت لاحقًا إلى تراجع هذا الرفض وتحوله إلى
حالة من القبول الاضطراري في بعض الحالات.
كما أشار إلى أن
الاحتلال الإسرائيلي قدم أنواعًا مختلفة من المساعدات، من بينها مواد غذائية وألعاب
أطفال، إضافة إلى إنشاء نقاط طبية داخل الجنوب السوري.
الدروز كمدخل للنفوذ
وتناول غضبان ملف الطائفة
الدرزية، مشيرًا إلى أن الجانب الإسرائيلي يستخدم هذا الملف كأحد مداخل التواجد في
المنطقة، سواء عبر التعيينات أو الزيارات أو تقديم الدعم اللوجستي والمساعدات.
وأوضح أن الاحتلال
الإسرائيلي عين ضابط تواصل خاص بهذا الملف، كما نفذت زيارات وتقديمات متعددة تشمل دعمًا
ماليًا ومساعدات إنسانية ومشاريع خدمية، وهو ما اعتبره جزءًا من بناء نفوذ طويل الأمد
في المنطقة.
دور الحكومة السورية
وعن دور الحكومة السورية،
قال غضبان إن الملف شديد التعقيد، وإن أي تحرك يجب أن يكون محسوبًا بدقة نظرًا لحساسية
الوضع الميداني.
لكنه أشار إلى أن الحكومة
تمتلك عدة مسارات ممكنة، أبرزها التحرك الدبلوماسي عبر الأمم المتحدة واليونيفيل، وتقديم
إحاطات دولية، إلى جانب تعزيز الخطاب السياسي والإعلامي حول الانتهاكات.
كما شدد على أهمية
دعم السكان في الجنوب السوري اقتصاديا واجتماعيًا، وتثبيت وجودهم في أراضيهم، خاصة
في محافظة القنيطرة التي تعاني من تهميش تاريخي.
وأضاف أن السكان يعبرون
عن استياء واضح من غياب الخدمات وفرص العمل، وهو ما يتطلب تدخلًا تنمويًا حقيقيًا،
بعيدًا عن الاعتبارات الأمنية فقط.
المجتمع المدني والتقصير
الإعلامي
وفي ختام اللقاء، أكد
غضبان أن هناك تقصيرًا كبيرًا في تغطية ما يحدث في الجنوب السوري، داعيًا إلى رفع مستوى
الوعي المجتمعي والإعلامي بهذه القضية.
وأشار إلى أن منظمات
المجتمع المدني تلعب دورًا مهمًا لكنه لا يزال محدودًا، داعيًا إلى تعزيز العمل الإغاثي
والتنموي والتوثيقي في المنطقة.
كما حذر من استمرار
وجود نحو 50 سوريًا في
سجون الاحتلال الإسرائيلي دون معرفة مصيرهم، مؤكدًا أن هذا الملف
يحتاج إلى متابعة دائمة.
واختتم بالتأكيد على
أن سكان الجنوب السوري يعيشون تحت ضغط مستمر، خاصة مع اقتراب موسم الحصاد، وما يرافقه
من مخاوف تتعلق بالوصول إلى الأراضي الزراعية وتأمين مصادر الرزق.