كشف رجل أعمال بريطاني من مدينة مانشستر عن
تعرضه لما وصفها بمحاولة من الشرطة لتجنيده مخبرا ضد ناشطي حركة "
فلسطين
أكشن" المؤيدة لفلسطين، مقابل مزايا مالية وتسهيلات قانونية، في خطوة أثارت
انتقادات حقوقية وتساؤلات حول أساليب الأجهزة الأمنية في التعامل مع النشطاء
السياسيين.
وبحسب تقرير نشرته
صحيفة
"الغارديان"، قال شمس صادق، وهو صاحب مقهيين في مانشستر ويبلغ من العمر
51 عاما، إن ضباطا يعتقد أنهم تابعون لعملية "وايلد فلاور" الأمنية
عرضوا عليه التعاون معهم وتزويدهم بمعلومات عن الحركة وبيئته الاجتماعية، مقابل ما
وصفه بـ"امتيازات" مالية وقانونية.
وأوضح صادق أن الواقعة حدثت في 15 أيار/
مايو الجاري أثناء توجهه إلى مركز شرطة أشتون أندر لاين لاستعادة أجهزة إلكترونية
صادرتها الشرطة خلال توقيفه العام الماضي على خلفية تحقيقات مرتبطة باتهامات تتعلق
بحركة "فلسطين أكشن".
وقال إن ضابطين طلبا التحدث معه "رجل
لرجل"، وأبلغاه بأن مراجعة أجهزتهما أظهرت أنه "منخرط بالكامل" في
أنشطة الحركة، لكنهما أكدا له في الوقت ذاته أنه لن يواجه اتهامات على خلفية
توقيفه السابق.
ونقلت "الغارديان" عنه قوله إن
الضابطين أخبراه بأنهما "بحاجة إلى مساعدته"، مضيفا أنه عندما سأل عن
طبيعة الفوائد المقترحة، أشارا إلى إمكانية تقديم "مزايا مالية"
و"فوائد أخرى"، بل وأوحيا بإمكانية التغاضي عن بعض المخالفات البسيطة.
وأضاف أن أحد الضباط قال له إن السلطات لا
تتحدث عن ارتكاب "جرائم خطيرة"، لكنها قد "تغض الطرف عن بعض
الأمور"، ما دفعه للسؤال ما إذا كان بإمكانهم إسقاط مخالفات السرعة المسجلة
بحقه، ليردوا بأنهم "لا يهتمون بمخالفات السرعة".
وفسر صادق هذا العرض على أنه محاولة لتجنيده
كمخبر في التحقيقات المتعلقة بحركة "فلسطين أكشن"، وربما للحصول على
معلومات عن أفراد من الجالية المسلمة أو رواد المساجد الذين قد تعتبرهم السلطات
أصحاب "آراء متطرفة".
وأشار إلى أنه لا يزال خاضعا للتحقيق في
قضية تعود إلى عام 2024 مرتبطة بأنشطة الحركة، لافتا إلى أن الحادثة جاءت بعد أيام
قليلة من إخضاعه للاستجواب في مطار مانشستر بموجب المادة السابعة من قانون مكافحة
الإرهاب البريطاني، عقب عودته من عطلة في المغرب.
وأوضح أنه احتجز لأكثر من ثلاث ساعات في
المطار، حيث خضع لاستجواب تناول أنشطته المؤيدة لفلسطين وعلاقته المحتملة بإيران
ووضعه المالي، بما في ذلك تفاصيل الرهن العقاري الخاص به، قبل أن تصادر السلطات
أجهزته الإلكترونية مرة أخرى.
وأضاف أن الضابطين نفسيهما طلبا منه بعد
أيام لقاءهما في أحد مقاهي "ستاربكس" داخل مبنى الركاب الثاني بالمطار،
حيث أعادا إليه الأجهزة المصادرة وأبديا، بحسب وصفه، سلوكا وديا واعتذرا له عما
تعرض له خلال الاستجواب.
ويعرف صادق بمواقفه العلنية الداعمة
لفلسطين، إذ يشارك في فعاليات ومسيرات تضامنية ويقوم بطباعة منشورات وملصقات
لمجموعات مؤيدة للفلسطينيين ومعارض ثقافية. وكانت وسائل إعلام محلية قد أشارت
العام الماضي إلى تعرض أحد مقهاه لاستفزازات تمثلت في وضع أعلام إسرائيلية صغيرة
على مدخله بسبب
مواقفه السياسية.
وأكد صادق أن الضباط عرضوا عليه أيضا توفير
الحماية له ولأسرته، ومنحوه رقما هاتفيا للتواصل معهم إذا قرر التعاون، لكنه قال
إنه اختار الكشف عن الواقعة للرأي العام حفاظا على سلامته، خصوصا بعدما رفض العرض.
وأضاف: "أشعر أنني بحاجة إلى حماية من
الشرطة أكثر من أي شيء آخر. إذا كانت لديهم أدلة ضدي فليوجهوا إلي الاتهام بدلا من
هذه الأساليب".
من جانبه، قال المحامي سايمون بوك من مكتب
"روبرت ليزار" للمحاماة، الذي يمثل صادق، إنه تقدم بمذكرات رسمية إلى
شرطة مانشستر الكبرى للاعتراض على ما جرى، معتبرا أن سلوك الشرطة يعيد إلى الأذهان
ممارسات الدولة البريطانية خلال فترة النزاع في أيرلندا الشمالية.
وأضاف أن هناك تساؤلات جدية حول ما إذا كانت
السلطات استخدمت صلاحيات الاستجواب المنصوص عليها في المادة السابعة من قانون
الإرهاب كوسيلة للضغط على موكله أو محاولة استقطابه للتعاون الأمني، وهو ما قد
يثير إشكالات قانونية بشأن مشروعية استخدام هذه الصلاحيات.
في المقابل، قالت شرطة مانشستر الكبرى إنها
غير قادرة على التعليق على القضية في الوقت الراهن.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت تتزايد فيه
الانتقادات الموجهة للسلطات البريطانية بشأن تعاملها مع الناشطين المؤيدين
لفلسطين، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتصاعد الحراك الشعبي
المتضامن مع الفلسطينيين داخل المملكة المتحدة.
ما هي "فلسطين أكشن"؟ ولماذا
تلاحقها السلطات البريطانية؟
تأسست حركة "فلسطين أكشن" عام
2020 بوصفها مجموعة عمل مباشر مؤيدة للقضية الفلسطينية، وتركز نشاطها على استهداف
الشركات والمؤسسات التي تتهمها بالتورط في دعم الجيش الإسرائيلي أو تزويده
بالمعدات العسكرية والتقنيات المستخدمة في عملياته ضد الفلسطينيين.
واشتهرت الحركة بتنفيذ عمليات اقتحام
واعتصام وتخريب لمقار شركات مرتبطة بالصناعات العسكرية، وعلى رأسها شركة
"إلبيت سيستمز" الإسرائيلية للصناعات الدفاعية، التي تمتلك فروعا ومنشآت
في
بريطانيا. وتقول الحركة إن هدفها هو تعطيل عمل الشركات التي تستفيد من الحروب
والانتهاكات ضد الفلسطينيين، فيما تصف السلطات البريطانية بعض أنشطتها بأنها غير
قانونية وتنطوي على أضرار بالممتلكات العامة والخاصة.
وخلال السنوات الأخيرة، نفذت الحركة عشرات
التحركات الاحتجاجية في أنحاء المملكة المتحدة، شملت إغلاق مصانع واحتلال أسطح
مبانٍ ورش الطلاء على منشآت عسكرية وشركات متعاقدة مع إسرائيل، ما أدى إلى اعتقال
ومحاكمة عدد من أعضائها وأنصارها.
وتشهد العلاقة بين الحكومة البريطانية
والحركة توترا متصاعدا، خاصة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في تشرين
الأول/ أكتوبر 2023، حيث كثفت السلطات مراقبة أنشطة الجماعات المؤيدة لفلسطين،
بينما اتهم ناشطون الحكومة باستخدام قوانين الأمن ومكافحة الإرهاب بصورة متزايدة
ضد المحتجين والنشطاء.
في المقابل، تنفي "فلسطين أكشن"
ممارسة أي نشاط إرهابي، وتؤكد أنها حركة احتجاج مدني تستهدف البنية الاقتصادية
للشركات المرتبطة بإسرائيل، وتعتبر أن أعمالها تندرج ضمن تقاليد العصيان المدني
والعمل المباشر السياسي.
وأثار تعامل السلطات البريطانية مع الحركة
جدلا حقوقيا متواصلا، إذ تتهم منظمات مدنية ومحامون الحكومة بتوسيع أدوات المراقبة
والتوقيف بحق النشطاء المؤيدين لفلسطين، بينما تؤكد الحكومة أن إجراءاتها تستهدف
حماية الأمن العام وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.