لماذا تخشى تل أبيب صعود باكستان في الشرق الأوسط؟

مكتب نتنياهو اعتبر تصريحات الوزير الباكستاني فضيحة لا يمكن التسامح معها- جيتي
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة عقب الحرب مع إيران، برزت باكستان كلاعب إقليمي مفاجئ في جهود الوساطة بين طهران وواشنطن، مستفيدة من علاقاتها المعقدة مع الخليج وإيران والولايات المتحدة، وسط مخاوف للاحتلال الإسرائيلي من تنامي نفوذ إسلام آباد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط.

وقالت صحيفة إسرائيل اليوم العبرية إن باكستان تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى لاعب محوري مفاجئ في التوازنات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران، بعدما اعتادت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، على أدوار الوساطة التي تقودها دول مثل قطر وعُمان ومصر والسعودية، قبل أن تجد إسلام آباد نفسها فجأة في قلب الاتصالات السياسية بين طهران وواشنطن.

وأشارت الصحيفة، في تقرير للكاتب شاحر كليمان، إلى أنه برزت عدة أسماء للوساطة بين إيران والولايات المتحدة، بينها قطر وعُمان، غير أن الإمارات وسلطنة عُمان، اللتين تحرصان تقليديًا على الحياد، وجدتا نفسيهما منخرطتين بصورة غير مباشرة في تداعيات الحرب، بعدما تعرضتا أيضًا لتهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأضافت أن الدوحة أعلنت دعمها لجهود الوساطة لكنها فضلت عدم الانخراط المباشر فيها، فيما اضطرت مسقط إلى التراجع بعد استضافتها جولات تفاوض سابقة، بينما طُرحت مصر كمرشح للقيام بالدور الرئيسي، إلا أن ذلك تسبب في حساسيات مع بعض دول الخليج، لينتهي الأمر باختيار باكستان كمضيف رئيسي للمحادثات، وهو ما وصفه خبراء بأنه خيار كان مطروحًا منذ سنوات لكنه لم يُستخدم إلا الآن.

وسلطت الصحيفة الضوء على الدور المتعاظم لقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، الذي وصل إلى طهران حاملاً رسائل من الإدارة الأمريكية ومشاركًا في التحضير لجولات التفاوض المقبلة.

وأشارت إلى أن مشاركة قائد الجيش في ملفات سياسية ودبلوماسية بهذا الحجم تعكس طبيعة النظام في باكستان، حيث يتمتع الجيش بنفوذ واسع يتجاوز المؤسسات المدنية.



وتابعت: "المقولة الشهيرة داخل باكستان تقول إن كل دولة لديها جيش، لكن في باكستان الجيش لديه دولة”، موضحة أن السلطة الحقيقية لا تزال بيد المؤسسة العسكرية حتى في ظل وجود حكومة مدنية منتخبة.

وأضافت أن منير أصبح الرجل الأقوى في البلاد بعد ترقيته لرئاسة هيئة الأركان المشتركة ومنحه صلاحيات واسعة وحصانة قانونية، فيما تبدو الحكومة الائتلافية الحالية ضعيفة وتعتمد بدرجة كبيرة على دعمه.

وتابعت الصحيفة أن المؤسسة العسكرية الباكستانية اعتادت اختيار القيادات السياسية التي تناسبها، كما حدث مع رئيس الوزراء السابق عمران خان، الذي انتهى به الأمر في السجن بعد خلافه مع الجيش، حيث يواجه منذ عام 2023 عدة اتهامات بينها تسريب أسرار الدولة والفساد.

وأشارت إلى أن المؤسسة العسكرية نفسها، التي لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل الحياة السياسية داخل باكستان لعقود، تحاول الآن لعب دور رئيسي في دفع واشنطن وطهران نحو اتفاق وإنهاء الحرب.

ونقلت الصحيفة عن الصحفي الباكستاني أحمد قريشي قوله إن إسلام آباد تؤدي منذ نحو عشرين عامًا دور الوسيط الهادئ بين واشنطن وطهران، خصوصًا في الملف النووي الإيراني، موضحًا أن باكستان تدير فعليًا المصالح القنصلية الإيرانية في الولايات المتحدة منذ عام 1980.

وأضاف قريشي أن هذا الدور ظهر جزئيًا في برقيات دبلوماسية أمريكية مسربة عبر "ويكيليكس"، تضمنت مراسلات بين السفارة الأمريكية في إسلام آباد ووزارة الخارجية الأمريكية، لافتًا إلى أن باكستان حافظت رغم التوترات والخلافات الاستراتيجية مع إيران على قناة اتصال مستقرة مع الأمريكيين، وهو ما أصبح مفيدًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المرحلة الحالية.

من جانبه، أوضح الدكتور أوشريت بيرودكار، رئيس مركز جنوب ووسط آسيا في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، أن هناك أسبابًا إضافية دفعت باكستان للانخراط في جهود الوساطة، مشيرًا إلى أن الحرب فرضت أثمانًا داخلية كبيرة على إسلام آباد، بينها إغلاق المدارس لمدة 21 يومًا والتحول إلى التعليم عن بُعد، في مشهد أعاد إلى الأذهان أجواء جائحة كورونا.

وأشار بيرودكار إلى أن السلطات الباكستانية تخشى أيضًا من تصاعد التوترات مع الأقلية الشيعية، التي تُعد ثاني أكبر تجمع شيعي في العالم وترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، مؤكدًا أن مؤشرات هذا التوتر بدأت تظهر عقب إعلان وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي.

وتابع أن اتفاقية الدفاع الموقعة بين باكستان والسعودية في سبتمبر الماضي دفعت إسلام آباد إلى التحرك لتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، مضيفًا أن البيت الأبيض عمل خلال الأشهر الماضية على تعزيز دور باكستان، وأن ترامب عبّر علنًا عن اعتقاده بأن الباكستانيين يفهمون الإيرانيين أكثر من أي طرف آخر.

وأشارت الصحيفة إلى أن العلاقة بين الرياض وإسلام آباد اكتسبت بعدًا إضافيًا بعد إعلان باكستان حصولها على تمويل سعودي بقيمة ملياري دولار لدعم احتياطاتها من النقد الأجنبي، وسط أزمة تضخم متفاقمة، وهو ما ربطته وسائل إعلام باكستانية بالتطورات السياسية الإقليمية.

وأكد قريشي، بحسب الصحيفة، أن باكستان استخدمت التزاماتها الأمنية تجاه الخليج كورقة ضغط على إيران، موضحًا أن طهران وجدت نفسها أمام خيارين: إما تقديم تنازلات أو مواجهة احتمال انضمام باكستان إلى أي تحرك عسكري خليجي إذا استمرت الحرب والهجمات الإيرانية.

ورأى بيرودكار أن وصف باكستان بالدولة "المحايدة" لا يعكس حقيقة موقعها، موضحًا أن إسلام آباد ترتبط بعلاقات أمنية واستراتيجية طويلة مع السعودية وتميل بصورة واضحة إلى الجانب الأمريكي، لكنها في الوقت ذاته تحاول الحفاظ على توازن دقيق بسبب وجود أقلية شيعية كبيرة داخلها وحدود مباشرة مع إيران.

وأضاف أن هذه التركيبة المعقدة هي ما يمنح باكستان القدرة على المناورة بين جميع الأطراف، ويجعلها قادرة على تحقيق اختراقات تفاوضية قد تعجز عنها دول أخرى.

وفيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، أوضح قريشي أن باكستان دعمت علنًا حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، لكنها في الكواليس شجعت طهران على تقديم تنازلات كبيرة للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة وطمأنة دول الخليج.

وأشار إلى أن معظم جيران إيران لا يشعرون بالارتياح لاحتمال امتلاك طهران سلاحًا نوويًا، موضحًا أن باكستان نفسها تفضّل عدم وصول إيران إلى هذه المرحلة بسبب التنافس الاستراتيجي والتوترات الممتدة بين البلدين منذ الثورة الإيرانية عام 1979.

وفي جانب آخر، تناول التقرير نظرة باكستان إلى إسرائيل، حيث قال بيرودكار إن إسلام آباد لا تعتبر إسرائيل جزءًا من “المجال الشرعي”، بل ترى نفسها دولة تسعى لتوحيد العالم الإسلامي وربط السنة بالشيعة في مواجهة ما تصفه بـ”القوى غير الإسلامية”.

وأضاف أن العداء لإسرائيل متجذر في الهوية الاستراتيجية الباكستانية، مستشهدًا بتغريدة نشرها وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف خلال المفاوضات، هاجم فيها إسرائيل بشدة ووصفها بأنها “دولة سرطانية”، قبل أن يتم حذف التغريدة لاحقًا.

وأكدت الصحيفة أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي اعتبر تصريحات الوزير الباكستاني “فضيحة لا يمكن التسامح معها”، خصوصًا أنها صدرت عن مسؤول في دولة تدّعي الحياد.