في الوقت الذي تزعم فيه دولة
الاحتلال أنها أمام سلسلة من الإنجازات العسكرية على سبع جبهات، لكن
غزة، ما زالت تمثل لها "الصندوق الأسود" الذي لا أحد يريد فتحه، وهي لن تختفي، والتخوف السائد لديها أنه سيأتي يوم تضطر فيه لمواجهتها مباشرةً، وجهاً لوجه.
وذكرت المديرة العامة السابقة لمكتب رئيس الوزراء، نعمات شولتز، أنه "في لحظة ما، ستنتهي الجبهة المتوترة مع إيران، ومعها سيتلاشى شعور النصر المطلق الذي غمرنا لبرهة من الزمن، وعندما يزول مفعول الأدرينالين، ويحل صمت الواقع محل آثار الحرب، سنستيقظ على صباحٍ لا تزال فيه غزة قائمة، لم تختفِ، ولم تُهزم، والشيء الوحيد المؤكد بشأنها هو استمرار حكم حماس".
وأضافت شولتز، في مقال نشرته "
القناة 12"، وترجمته "عربي21" أنه "بالنسبة للإسرائيليين، ربما تراجعت الحرب في غزة عن أجندة وسائل الإعلام، لكن بالنسبة لسكانها، تستمر الحياة في ظل واقع حكم حماس، والدمار الذي لا ينتهي، هذا التناقض يفسر أننا نتصرف وكأن المهمة الظاهرية قد اكتملت، بينما تعيد حماس ترسيخ وجودها، وفي غزة تستمر الكارثة الإنسانية، وهو الجرح المفتوح للمجتمع
الإسرائيلي".
وأشارت أن "الفشل الإسرائيلي في غزة يكمن في جانبين: استراتيجي وأخلاقي، فعندما نتصرف وكأن الحرب قد ولّت، فلا نحل المشكلة، أما العالم فلا يقمعها، حيث يكتسب هذا الألم قوة جديدة عندما ننظر لسكان المناطق المحاصرة، وبعد 3 سنوات من هجوم السابع من أكتوبر، عاد الكثير من الإسرائيليين إلى نقطة الصفر: نفس الشعور بالهشاشة، ونفس التهديد المستمر، فبدلاً من الأمن المتجدد، وإعادة الإعمار الحقيقية، يواجهون واقعاً لم يتغير، ودليل على أنه بدون خطة سياسية، حتى الإنجازات العسكرية لا تُترجم إلى أمن للإسرائيليين".
وأكدت أن "هذا الشعور بالفشل لا يتوقف عند الجنوب مع غزة، ففي الشمال، على طول الحدود مع لبنان، يبقى الواقع هشاً، ويتمثل بإطلاق النار يأتي على شكل موجات، وعودة الإسرائيليين للحياة الطبيعية مصحوبة بحالة من عدم اليقين المستمر، ومرة أخرى، نرى النمط نفسه، حيث لم تُغلق الجبهة في غزة، ولا يزال سكانها يدفعون الثمن، وأصبح الخطاب العام أحادي البعد، لأن ثمة شعور بأننا فقدنا القدرة على مواجهة الواقع دون تجاهله، ونفقد الصوت الإسرائيلي الساعي للأمن، وفي المقابل نواجه واقعًا من التخبط والضياع".
وأشارت إلى أن "هذا الفشل الإسرائيلي يتجلى بوضوح في الساحة الدولية، والبيانات على أرض الواقع تُنذرنا بالخطر، فإسرائيل تفقد قاعدتها السياسية الراسخة في الولايات المتحدة، وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة لتراجع غير مسبوق في الرأي العام الأمريكي، لا يُستثنى منه أي طرف على الخريطة السياسية، فبين الجماهير التي شكلت سابقًا ركيزة دعم واضحة، خاصة الجمهوريون والإنجيليون والناخبون الشباب، تغيرت صورة إسرائيل جذريًا لديهم، وأصبحت سلبية بشكل غير مسبوق".
وأضافت أنه "حتى بعد انتهاء القتال في غزة، مؤقتاً، سنُجبر على التعامل مع واقع دعم أقل بكثير مما عرفناه في العقود الأخيرة، فالحقيقة أن صورة إسرائيل كـ"أصل استراتيجي" تلاشت، نحن نحاول اللحاق بالركب، ونعزل أنفسنا طواعيةً في سردية "نصر" تنهار أمام أعيننا، لقد تبدد اللامبالاة التي كانت ملاذًا آمنًا من واقع الشرق الأوسط المعقد، وبالنسبة للمواطن الأمريكي العادي، لم تعد غزة "صراعًا بعيدًا آخر"؛ بل أصبحت صورة لحرب لا تنتهي يصعب تبريرها أخلاقيًا".
وأوضحت أن "الرأي العام الأمريكي حسم أمره، ولم يعد بإمكانه غض الطرف عن منطقة منكوبة في غزة، ويريد إنهاءها، ولا يبحث عن نصر كامل؛ بل يبحث عن الإنسانية، يبحث عن نهاية، وأصبحت غزة أشبه بـ"صندوق أسود" للمجتمع الإسرائيلي، وطالما نحن هناك دون هدف سياسي واضح، فإن ذلك لا يقوض شرعيتنا في العالم فحسب، بل يقوض جوهرنا الأخلاقي أيضًا، ويمكننا الاستمرار في الانجراف وراء النجاحات العسكرية ضد إيران ونشوة الحرب، لكن مع شروق شمس اليوم التالي، ستكون غزة بانتظارنا".
وختمت بالقول إنه "إن لم يتوقف الاسرائيليون، وينظرون للواقع بصدق، ويدركون أن الإصرار على البقاء هناك دون هدف هو ضربة قاضية للأمن القومي، لن نعزل أنفسنا عن العالم فحسب، بل سنفقد أنفسنا، لأن الحروب لم تعد تُكسب بالاستسلام، أو برفع الراية البيضاء، بل سيُقاس نصرنا الحقيقي في الحرب بقدرتنا على معرفة متى وكيف ننهيها".
تقدم هذه السطور الاسرائيلية خيبة أمل لا تخطئها العين عن عجز الاحتلال عن تحويل قوتها العسكرية إلى نظام سياسي يُرسي الأمن على المدى الطويل لجمهور مستوطنيه، في ظل اكتفائه بالشعارات الجوفاء دون خطة عمل واضحة، والنتيجة أن جولة أخرى ستكون بانتظاره، مع واقع لا يتغير.