فيلسوف وعالم اجتماع ألماني رحل حديثا.
يعد من أهم علماء الاجتماع والسياسة ومن أهم منظري "مدرسة فرانكفورت النقدية".
له أزيد من خمسين مؤلفا في مواضيع عديدة في الفلسفة وعلم الاجتماع، وهو صاحب نظرية "الفعل التواصلي".
كان منظرا اجتماعيا ذا تأثير استثنائي بين معاصريه، وغالبا ما كان يطلق عليه وصف "الأوروبي الأخير"، أي المفكر النقدي البارز الذي ظل مؤمنا بمثل التنوير الأوروبية بعيدا عن التأثير الأمريكي.
ترك وراءه إرثا فكريا ضخما جعل اسمه حاضرا في أهم النقاشات السياسية والفكرية، وكانت
غزة إحدى محطات النقاش الساخنة حول فكره ومواقفه السياسية حيث سقط "الفعل التواصلي" أمام الإبادة الجماعية.
عاصر الحقبة النازية فقد ولد يورغن
هابرماس في عام 1929 في دوسلدورف غرب ألمانيا، ونشأ وترعرع في غومرسباخ بالقرب من كولونيا خلال الفترة الأخيرة من سقوط النازيين.
وخلال الحقبة النازية تشكل وعيه الأول حيث جند خلال الحرب العالمية الثانية في وحدات الدفاع الجوي كمساعد شاب. وعندما انهار النظام النازي في عام 1945 كان لا يزال في سن المراهقة، لكن تلك اللحظة تركت أثرا عميقا في تفكيره، فقد أدرك لاحقا أنه نشأ في ظل "نظام إجرامي أدى إلى سقوط المجتمع في البربرية".
درس هابرماس في جامعات غوتينغن (1949-1950)، وزيورخ (1950-1951)، وبون (1951-1954)، وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بون في عام 1954 عن أطروحته التي تناولت التوتر بين المطلق والتاريخ في فكر شيلينغ، وبدأ حياته المهنية صحفيا مستقلا لفترة وجيزة.
وقد جذبت كتاباته المبكرة انتباه الفيلسوف تيودور أدورنو، أحد أبرز مؤسسي "مدرسة فرانكفورت الفكرية" مع ماكس هوركهايمر. وكانت هذه المدرسة الفكرية تسعى إلى فهم الأسباب التي جعلت المجتمعات الحديثة، رغم تقدمها الفكري، تنزلق نحو أنظمة استبدادية مثل النازية.
إعجاب أدورنو بكتابات هابرماس فقام بتكليفه بالعمل في "معهد البحوث الاجتماعية" في فرانكفورت، حيث بدأ تطوير أفكاره حول ما يعرف بالتحليل النقدي للمجتمع، وهو منهج فكري يهدف إلى كشف آليات الهيمنة والأفكار الأيديولوجية داخل المجتمعات.
لكن بسبب خلافات فكرية مع مدير المعهد هوركهايمر، اضطر هابرماس إلى تقديم أطروحته للتأهيل الجامعي في جامعة ماربورغ، وبعد عامين عاد إلى فرانكفورت ليشغل منصب أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع خلفا لهوركهايمر.
أثارت بعض كتاباته جدلا واسعا بسبب تأثيرها السياسي، حتى وإن اشتكى طلابه أحيانا من صعوبة لغته الفلسفية.
وخلال أواخر الستينيات تحولت مدينة فرانكفورت إلى أحد مراكز الاحتجاجات الطلابية في أوروبا، وكان كثير من نشطاء حركة عام 1968 ينظرون إلى هابرماس باعتباره مرشدا فكريا لهم.
لكن عندما اتجهت الحركة نحو مزيد من الراديكالية، ابتعد هابرماس عنها. وفي كتابه "الثورة الزائفة وأبناؤها" انتقد بشدة بعض أساليب الحركة واعتبرها نوعا من "الفاشية اليسارية"، وهو موقف أثار غضب كثير من اليساريين في ألمانيا.
وفي عام 1971 انتقل هابرماس إلى مدينة شتارنبرغ قرب ميونيخ ليعمل مديرا مشاركا في "معهد ماكس بلانك" وهناك نشر عام 1981 أهم أعماله الفكرية "نظرية الفعل التواصلي".
وفي الثمانينيات شارك هابرماس في جدل فكري واسع عرف باسم "جدل المؤرخين"، فقد انتقد بشدة المؤرخ إرنست نولته الذي حاول مقارنة جرائم النازية بجرائم النظام الستاليني.
ورأى هابرماس أن مثل هذه المقارنات قد تؤدي إلى "التقليل من فظاعة المحرقة النازية"، التي اعتبرها "جريمة فريدة في تاريخ الإنسانية".
عاد هابرماس إلى فرانكفورت عام 1983 حيث استمر في تدريس الفلسفة حتى تقاعده عام 1994.
كما واصل كتابة المقالات والتدخل في القضايا السياسية، ففي عام 1999 دعم التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في حرب كوسوفو، معتبرا أن الدول الديمقراطية قد تضطر في بعض الحالات إلى تقديم مساعدة إنسانية مشروعة وفق القانون الدولي.
كما كان من أبرز المدافعين عن مشروع الوحدة الأوروبية، وخلال أزمة اليورو دعا إلى توسيع الاتحاد النقدي الأوروبي ليصبح شكلا من أشكال الديمقراطية فوق الوطنية تتقاسم فيه الدول السيادة.
وفي سنواته الأخيرة عبر هابرماس عن قلقه من الوضع الدولي المتوتر. ففي كتاب صدر عام 2024 بعنوان "كان يجب أن يصبح شيء ما أفضل" انتقد ما وصفه بسيطرة منطق الحرب على تفكير النخب السياسية في الغرب.
كما رأى أن الغرب لم ينجح في تقديم مبادرة مبكرة لوقف الحرب في أوكرانيا بعد الغزو الروسي، محذرا من أن استمرار الحرب دون أفق واضح قد يجعل مصير أوكرانيا مرتبطا بنتائج الانتخابات الأمريكية.
كان هابرماس عضوا في عدد من الأكاديميات العلمية في دول عدة مثل الولايات المتحدة وروسيا ودولة الاحتلال.
وتجاوز تأثيره حدود الأرض نفسها، إذ أطلق اسمه عام 1999 على كويكب اكتشف في أطراف النظام الشمسي.
كان هابرماس جزءا من انقسام الآراء بين أتباع التيار الفكري السائد في ألمانيا حول قطاع غزة، فبعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، وفي بيان مثير للجدل نشر بعد "طوفان الأقصى" بنحو شهر حمل عنوان "مبادئ التضامن"، نشره مركز أبحاث "الأنظمة المعيارية" بجامعة فرانكفورت، دافع فيه هابرماس عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" باعتباره "مصلحة لألمانيا".
وحث البيان على أن تكون الإجراءات الإسرائيلية "متناسبة وحماية المدنيين، ومراعاة السلام المستقبلي". وأن مبدأ "لن يتكرر أبدا يجب أن يؤدي قبل كل شيء إلى التزام ألماني بحماية الحياة اليهودية وحق إسرائيل في الوجود"، وبأن الرد العسكري الإسرائيلي في أعقاب "هجمات حماس" كان "مبررا من حيث المبدأ". وقال إن تشبيه إراقة الدماء الناتجة في غزة بالإبادة الجماعية "يتجاوز حدود النقاش المقبول".
وأثار هابرماس نقاشا حدا ومستفيضا انقسمت فيه الآراء حوله ففيما دافع فيه البعض عنه، انتقد آخرون تبنيه "لهجة مسالمة" تجاه الاحتلال وجرائمه، لأنه جاء نتاج شعوره بـ"المسؤولية" تجاه اليهود نتيجة لعيشه في ظل النظام النازي وإجباره على المشاركة فيه.
وخلص نقاد عملوا على مناقشة وجهة نظره إلى أن هابرماس قد تخلى عن الإرث النقدي لمدرسة فرانكفورت ليصبح مدافعا عن الوضع الراهن، في وقت كانت فلسفته تستعيد فيه حدتها الراديكالية.
عرفه العالم كمفكر واسع الثقافة وكثير السفر، أصبح مع الوقت رمزا فكريا ألمانيا معروفا على المستوى الدولي رحل عن 96 عاما، ووفقا لصحيفة "دي ستاندارد"، فقد ظل "متيقظا فكريا" حتى في سنواته الأخيرة.
يرحل تاركا خلفه نظاما فكريا انتحر أخلاقيا عند أول اختبار حقيقي لكونيّته المزعومة على أرض غزة.
سقطته في غزة كانت تعرية تامة للفلسفة الغربية التي ماتت عند حدود الدم الفلسطيني واللبناني والعربي.