رحيل مجاهد مترجم معاني القرآن إلى الأمازيغية (بورتريه)

الشيخ بن علي مجاهد ضد الاستعمار الفرنسي، وله إسهاماته الكبيرة في خدمة القرآن الكريم ونشر العلم وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال- عربي21
أحد علماء الجزائر وشيخ شيوخ زواوة ومترجم معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية، وقرأ في سبيل ذلك آلافا مؤلفة من الصفحات لعدد من مفسري الكتاب المحفوظ.

مجاهد ضد الاستعمار الفرنسي، له إسهاماته الكبيرة في خدمة القرآن الكريم ونشر العلم وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال والمحافظة على مقومات الهوية الوطنية الجزائرية.

ولد  الشيخ سي الحاج محند الطيب بن علي في عام 1934 ببلدية إيفرحونن في ولاية تيزي وزو بمنطقة القبائل شرق الجزائر العاصمة.

ألحقه والدة بكتاب القرية لحفظ القرآن الكريم دون معرفته باللغة العربية مما اضطره إلى الانتقال في عام  1948 إلى زاوية "تغراست" بالقرب من سيدي عيش ببجاية وبدأ يتعلم هناك بعض الدروس في اللغة العربية والصرف والنحو، وبدأ حينها يفهم معاني بعض الكلمات في القرآن الكريم، وكان يكتب سور القرآن الكريم على اللوح وفي صباح اليوم التالي يسردها للمعلم.

تابع محند الطيب تعليمه في عدد من المؤسسات العلمية والدينية، من بينها زاوية سيدي عمر ولحاج، ليبدأ بعدها مسيرة طويلة في التعليم والتكوين والإرشاد.

وبعد أن أتقن حفظ القرآن في عام 1953 التحق بمعهد "ابن باديس" بقسنطينة، وحين أغلق المعهد التحق بالثورة الجزائرية، وما لبث أن اعتقل من قبل المستعمرين الفرنسيين بضواحي حيدرة في الجزائر العاصمة في عام 1958 وتم سجنه رفقة أخيه الصادق ومجموعة من رفاقه في ثكنة علي خوجة بالعاصمة.

 ويقول الشيخ الطيب مستعيدا شريط ذكريات تلك السنوات إنه لولا فضل الله ولطفه لكان هو والرفاق من المفقودين بعد اختطافهم من قبل عصابة "اليد الحمراء"، وهي منظمة إرهابية سرية أسستها أجهزة الاستخبارات الفرنسية في أوائل الخمسينيات واستمرت حتى الستينيات لتكون بمثابة ذراع لتنفيذ عمليات التصفية الجسدية والاغتيالات ضد رموز حركات التحرر الوطني في دول المغرب العربي.

بعد استقلال الجزائر في عام 1962 عمل الطيب في سلك التربية ثم أصبح مفتشا للتعليم في مدينة الاخضرية بولاية البويرة القريبة من مسقط رأسه ثم في ولاية تيزي وزو.

وفي نفس الوقت كان يتابع دراسته الجامعية بجامعة الجزائر في تخصص الأدب العربي حيث حصل على شهادة البكالوريوس في الآداب في عام 1966، وقرأ للعديد من الكتاب البارزين ذلك الوقت على مستوى الوطن العربي، مثل: طه حسين، والمنفلوطي، ومحمود عباس العقاد، والزيات، وأحمد شوقي، والشيخ مبارك الميلي، وأحمد توفيق المدني، وآخرين.

عين بعد تخرجه أستاذا في مدرسة ثانوية اقترح أن يطلق عليها اسم "ثانوية فاطمة نسومر" وتكون مختصة للبنات فقط، وفاطمة نسومر هي مقاومة جزائرية، وكانت من أبرز وجوه المقاومة الشعبية الجزائرية في بدايات الغزو الفرنسي للجزائر.

وفي عام  1970 نال شهادة الكفاءة في تفتيش وإدارة دور المعلمين وعين بدائرة الأخضرية حتى عام 1977 حين انتقل إلى تيزي وزو ليشغل منصب مفتش وفي نفس الوقت كأستاذ مساعد في جامعة "تيزي وزو"، وفي عام 1985 انتدب إلى فرنسا كمفتش لدى أبناء الجالية الجزائرية وبقي هناك 4 سنوات.

واصل عمله مفتشا للتعليم بعد عودته إلى الجزائر إلى أن أحيل على التقاعد، ورغم ذلك فقد بقي يتعاون مع مديرية الشؤون الدينية والأوقاف لتيزي وزو، حيث أسندت إليه مهمة أمين مجلس "اقرأ" في مؤسسة المسجد، وكان يقوم بإلقاء المحاضرات على مستوى المؤسسات التربوية، كما شارك في تكوين الأئمة مع وضع مخطط لتطوير برامج الزوايا القرآنية.

وكان إماما وأستاذا وعضوا في عدد من الهيئات العلمية والاستشارية، كما شارك في ملتقيات وندوات فكرية وثقافية متعددة، ونال العديد من التكريمات الوطنية تقديرا لعطائه العلمي والقرآني والثقافي.

كل ذلك لم ينسيه حلمه العتيق، فقد كان منكبا في نفس الوقت على ترجمة معاني القرآن إلى الأمازيغية.

يقول عن هذا الحلم "لقد فكرت في ترجمة القرآن الكريم مباشرة بعد التخرج من الجامعة لكن نقص الإمكانيات والظروف العامة لم تسمح بذلك".

وعند التقاعد عام 2000 راودته الفكرة مجددا فبدأ رحلة البحث عن البداية وكانت البداية هي الأصعب حيث لم يعثر لبعض التعابير القرآنية على مقابلها باللغة الأمازيغية إلا بعد بحث معمق. واضطر إلى الإطلاع على تفاسير عديدة لتعزيز صحة الترجمة، وكان يستعين بالترجمات التي وضعت للقرآن للغات أخرى وبالتحديد الفرنسية، مستفيدا من لغة بعض الشعراء والمطربين باللغة الأمازيغية، وكانت عملية ترجمة شاقة احتاجت لنحو خمس سنوات.

واختار الطيب، أن يدون ترجمة القرآن إلى الأمازيغية بالحروف العربية مع أن الكثيرين من بني عمومته يرون أن الأمازيغية أقرب إلى الكتابة بالحروف اللاتينية.

كان دعم المملكة العربية السعودية عن طريق سفارتها بالجزائر دافعا كبيرا لتحقيق المشروع ووضعه على أرض الواقع بعد أن كان حلما عصيا. فقد قام مجمع الملك فهد  بطباعة المصحف الشريف، وسافر الطيب إلى المدينة المنورة للوقوف على التصحيح والتصويب، واستغرقت العملية عامين خرج بعدها المولود إلى النور، بعد اعتماده من مجمع الملك فهد الفقهي، في طبعة ورقية وأخرى صوتية سجلها الشيخ بنفسه على أقراص مضغوطة، وتبنت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في الجزائر توزيع النسختين مجانا.

بعدما أكمل الطيب ترجمة آخر آية من القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية صلى ركعتين لله وأجهش بالبكاء فرحا، فقد كان يحلم بفهم ما يقرأ ويحفظ حين كان يتردد إلى جامع قريته "افرحونن" بمنطقة القبائل، وأصبح من المتبحرين بتفسير الكتاب المبين الذي بقي وفيا وحافظا له حتى وفاته عن عمر ناهز 92 عاما.

نعاه الرئيس الجزائري والمؤسسات والمنظمات والهيئات الإسلامية في الجزائر والوطن العربي والإسلامي لتفانيه في خدمة الكتاب الكريم.