لا توقعات بانقلاب جذري في بنية السلطة السياسية والتنفيذية
العراقية فما جرى حتى الآن، كما يبدو في ظاهره، ووفقا لما رشح من تصريحات وتسريبات، هو تبديل واجهة داخل المنظومة القديمة نفسها.
تبدو العملية وكأنها إعادة إنتاج وتجديد الطبقة السياسية لنفسها، وضخ دماء جديدة تبقيها ممسكة بزمام الأمور في بغداد وعدم إغضاب واشنطن إلى حين انجلاء غبار الحرب في المنطقة.
برز علي فالح كاظم
الزيدي، المولود في محافظة ذي قار، جنوبي العراق، في عام 1986 لعائلة تجارية تنحدر من بغداد، كأحد أكثر الترشيحات التي قد تبدو مثيرة للدهشة فهو رجل أعمال بلا حياة سياسية عامة ومن خارج اللعبة.
وهو يحمل عدة شهادات في القانون والمالية والمصارف، إضافة إلى دراسات عليا في المجال نفسه. وهو عضو في نقابة المحامين، رغم عدم وجود سجل له في ممارسة هذه المهنة في القطاع العام.
شغل رئاسة مجلس إدارة "الوطنية القابضة" وهي مجموعة اقتصادية متعددة القطاعات، كما ترأس مصرف "الجنوب الإسلامي"، وتولى مناصب قيادية في "جامعة الشعب" و"معهد عشتار الطبي".
ويملك علي الزيدي استثمارات في قطاعات متعددة تشمل البنوك وتوريد مواد برنامج السلة الغذائية الحكومي الضخم الذي يخدم ملايين المواطنين، كما يملك محطة تلفزيونية عراقية.
هذا المسار المهني جعله من رجال الأعمال المؤثرين في البلاد، والمعروفين للنخبة السياسية في بغداد دون أن يكون شخصية معروفة شعبيا.
شاب من خارج الوجوه السياسية التقليدية، لكنه وصل إلى هذا الموقع بناء على "مباركة" الجهات التقليدية والأسماء والشخصيات الوازنة والمؤثرة في الساحة العراقية منذ انتهاء عهد الرئيس الراحل صدام حسين.
فالرجل الذي لم يسبق له أن شغل منصبا حكوميا، ولا ظهر في مفاوضات القوى السياسية، لكنه وجد نفسه فجأة في قلب المشهد.
كلفه الرئيس العراقي نزار آميدي، بتأليف الحكومة العراقية الجديدة، بعد ترشيحه من قبل "الإطار التنسيقي" المؤلف من أحزاب شيعية مقربة من إيران وهو الكتلة الأكبر في البرلمان.
اختياره جاء بعد أشهر من التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ما جعل القوى العراقية تبحث عن مرشح "محايد" نسبيا أو "مرشح تسوية".
وجاء ذلك بعد تراجع زعيم ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي عن محاولاته العودة إلى رئاسة الوزراء، بعدما قوبل ترشيحه بمعارضة أمريكية شرسة اقترنت بالتهديد المباشر بعد أن كان "الإطار التنسيقي" قد أعلن في كانون الثاني/ يناير الماضي ترشيح المالكي خلفا للسوداني، وذلك عقب الانتخابات التشريعية.
وهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب الدعم الأمريكي للعراق إذا عاد المالكي، مشيرة إلى أن المالكي يُنظر إليه أنه "متقارب مع إيران" خصوصا خلال ولايتيه بين عامي 2006 و2014.
ورغم أن المالكي كتب في منشور على وسائل التواصل أن العراقيين "يرفضون بشكل قاطع هذا التدخل الأمريكي السافر"، إلا أنه مع ارتفاع وتيرة التصعيد الإقليمي وبعد أن أصبح ترشيحه عبئا سياسيا، أرغم على الانسحاب، وهو ما وصفه حلفاؤه بأنه "موقف تاريخي مسؤول".
نفس الأمر تقريبا حدث مع رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني الذي تنازل أيضا عن الترشح لرئاسة الحكومة المقبلة وتشكيلها. وكشفت صحيفة نيويورك تايمز أن الولايات المتحدة علقت دعمها وتمويلها للأجهزة الأمنية العراقية، وتعليق شحنات الدولار للعراق، بسبب هجمات نفذتها فصائل موالية لإيران، وأيضا على وقع تشكيل الحكومة الجديدة مما جعل استمرار السوداني في منصبه غير ممكن، فاختار الانسحاب لفتح الطريق أمام مرشح توافقي.
علي الزيدي رجل أعمال عراقي بلا تاريخ سياسي أمامه 30 يوما لتشكيل حكومة وسط ضغوط دولية وحرب إقليمية، ووسط ترحيب أمريكي بترشيحه حيث تقدمت البعثة الأمريكية في العراق "بأطيب تمنياتها لرئيس الوزراء المكلف علي الزيدي وهو يعمل على تشكيل حكومة قادرة على تلبية تطلعات جميع العراقيين إلى مستقبل أكثر إشراقا وسلاما" بحسب البعثة الأمريكية.
وهنأ ترامب، علي الزيدي، بتكليفه تشكيل الحكومة في العراق، وقال في بيان إنه يتطلع إلى "علاقة قوية ونابضة بالحياة وعالية الإنتاجية" معتبرا أن تكليف الزيدي "بداية فصل جديد" بين البلدين قائم على "الازدهار والاستقرار والنجاح"، ومعربا عن تمنياته بالنجاح في تأليف حكومة "خالية من الإرهاب"، فيما وجه دعوة للزيدي لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة.
واعتبر عضو في البرلمان العراقي عن "الإطار التنسيقي" أن المقصود بعبارة "حكومة خالية من الإرهاب" هي الفصائل المقربة من طهران.
ووفقا لما نشر في وسائل إعلام عراقية فقد عقد اجتماع غير معلن داخل المنطقة الخضراء في بغداد، جمع أطرافا عراقية مع الجانب الأميركي، وتركز على ملف "حصر السلاح بيد الدولة" وهو الملف الذي تضغط باتجاهه واشنطن، وأفضى الاجتماع إلى تفاهمات جديدة، اعتبرها إعلاميون وسياسيون عراقيون، شروطا من الجانب الأميركي على العراق.
ولا تزال "مباركة " ترامب للزيدي تثير مخاوف عراقية من وضع واشنطن الزيدي أمام خيارات قد تنزلق معها حكومة الزيدي إلى الانحياز إلى أحد المحورين.
وسيكون إلزام الزيدي بملف "سلاح الفصائل"، أشبه بالدخول في حقل ألغام لأن مواجهة الفصائل العراقية المسلحة سيكون بداية الشرارة لحرب أهلية مدمرة، خاصة وأن معظم أو كل السلاح هو بيد المكون الشيعي الذي يرى بأنه من الناحية العملية يرتبط بوجوده في عملية حماية النظام وليس الدولة بالضرورة.
واشنطن لن توافق على بقاء العلاقة مع بغداد ضمن الإطار التقليدي فقد تسعى هذه المرة إلى توسيع الشراكة نحو الاقتصاد والطاقة، لكنها ستربط ذلك بمدى التزام بغداد بالشروط الأمنية والسياسية ضمن مسار لا ينفصل عن المسار الإيراني.
الزيدي واقع بين فكي الكماشة، واشنطن التي تريد تفكيك المنظومة السياسية والأمنية العراقية الحالية ودفعه نحو الحسم مع إيران، والتنظيمات والمنظومة الحاكمة التي لا تزال مهيمنة في البرلمان والجيش والأجهزة الأمنية والتي لن تسمح له بتغيير في مخرجات النظام السياسي.
الزيدي رشح باعتباره "مخرجا" من "الانسداد السياسي" وفي حال نجاحه في تشكيل الحكومة سيصبح أصغر رئيس وزراء في تاريخ العراق، لكنه سيكون أيضا، وربما، ضحية للعبة الوقت التي تلعبها المنظومة المهيمنة في بغداد.