منتج ومخرج سينمائي وكاتب سيناريو، وأحد أشهر صناع السينما في
إيران بمسيرة فنية استثنائية.
يعرف بانتمائه إلى حركة الموجة الجديدة في السينما الإيرانية.
تشكل الواقعية وتناول حياة النساء والأطفال والفئات المهمشة، صورة نقدية لإيران المعاصرة في أفلامه. أو كما يقول هو نفسه، تجسيد "الجوانب الإنسانية للأشياء".
نال اعترافا من نقاد ومختصين في مجال السينما في إيران والعالم، وحاز عددا من الجوائز العالمية في مهرجانات كبرى مثل "فينيسيا السينمائي"، و"برلين السينمائي" و"كان السينمائي".
قدم خلال مسيرته الفنية حتى الآن 11 فيلما روائيا، وأحد أشهر أفلامه المترجمة إلى العربية كان فيلم "تاكسي طهران".
ولد
جعفر بناهي في عام 1960 في مدينة ميانة، شمال غرب إيران، لعائلة إيرانية أذربيجانية من الطبقة العاملة، عمل مع والده في دهان المنازل، وواجه معه حياة صعبة منذ طفولته. وكانت عائلته تتحدث الأذربيجانية في المنزل، بينما يتحدثون الفارسية مع الإيرانيين الآخرين.
بدأ بناهي العمل بعد المدرسة في سن الثانية عشرة ليتمكن من الذهاب لمشاهدة الأفلام. وقد ساهمت طفولته الفقيرة في تشكيل النظرة الإنسانية للعالم التي تميز أفلامه.
في سن العشرين، جند بناهي في الجيش الإيراني وخدم في
الحرب الإيرانية العراقية، حيث عمل كمصور سينمائي للجيش من عام 1980 إلى عام 1982، وفي عام 1981، تم أسره من قبل الأكراد واحتجز لمدة 76 يوما.
استلهم من تجاربه في الحرب فيلما وثائقيا عرض لاحقا على التلفزيون.
وبعد إتمام خدمته العسكرية، التحق بناهي بكلية السينما والتلفزيون في طهران، حيث درس صناعة الأفلام، وأبدى إعجابه الشديد بأعمال ألفريد هيتشكوك، وهوارد هوكس، ولويس بونويل، وجان لوك غودار .
هناك، التقى لأول مرة بالمخرج برويز شهبازي ومدير التصوير فرزاد جودات، اللذين صورا جميع أعمال بناهي المبكرة، وتوطدت بينهما صداقة.
خلال دراسته الجامعية، تدرب في مركز بندر عباس على ساحل الخليج العربي، حيث أخرج أول أفلامه الوثائقية القصيرة. كما بدأ العمل كمساعد مخرج في أفلام أستاذه قبل تخرجه عام 1988.
فعمل كمساعد مخرج للمخرج الإيراني الشهير عباس كيارستمي، في فيلم " عبر أشجار الزيتون".
في عام 1992 أخرج بناهي أول فيلم روائي قصير له بعنوان "الصديق" تكريما لفيلم كيارستمي القصير الأول "الخبز والزقاق". وفي العام نفسه، أخرج بناهي فيلمه الروائي القصير الثاني "الامتحان النهائي".
وحقق بناهي شهرة عالمية مع فيلمه الروائي الأول "البالون الأبيض" (1995) وفاز الفيلم بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي، وهي أول جائزة كبرى يفوز بها فيلم إيراني في مهرجان كان. وفاز فيلمه التالي "المرآة" (1997) بجائزة الفهد الذهبي في مهرجان "لوكارنو" السينمائي الدولي، وجائزة الشاشة الفضية لأفضل مخرج وفيلم آسيوي في مهرجان سنغافورة السينمائي الدولي.
وسرعان ما أصبح بناهي أحد أكثر المخرجين تأثيرا في إيران.
ورغم حظر أفلامه في كثير من الأحيان في بلاده، إلا أنه استمر في تلقي إشادة دولية من نقاد السينما، ووصل حصد الجوائز، منها جائزة الفهد الذهبي في مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي عن فيلم "عينه" (1997) وجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي عن فيلم "الدائرة" (2000) وجائزة "فيبريسي" للفيلم العام في مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي، كما فاز بجائزة أفضل فيلم، وجائزة الجمهور في مهرجان أوروغواي السينمائي الدولي.
يروي الفيلم حياة عدة نساء، خرجن من السجن حديثا، ويسلط الضوء على القيود والتحديات المجتمعية التي تلقاهن في إيران، وكان هذه الفيلم بداية التضييق على بناهي فمُنعت أفلامه أو خضعت للرقابة بشكل متكرر في البلاد بتهمة "الدعاية ضد الجمهورية الإسلامية".
وحتى في ظل القيود القانونية، واصل بناهي صناعة الأفلام دون ترخيص، وأنتج العديد منها بشكل شبه سري.
فتوج فيلم "الذهب القرمزي"(2003) بجائزة أفضل فيلم روائي طويل في مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي، وجائزة الشوكة الذهبية لأفضل فيلم في مهرجان بلد الوليد السينمائي الدولي بإسبانيا.
فيما فاز فيلم الخامس "أوف سايد" (2006) بجائزة الدب الفضي، الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان برلين السينمائي الدولي. واختار بناهي أن تكون بطلاته هذه المرة فتيات يتنكرن في زي فتية، لحضور مباراة تصفيات كأس العالم.
كان عام 2010 بداية الصدام بين المخرج الذي ذاع صيته عالميا وبين السلطة في بلاده، فحكم عليه بالسجن 6 سنوات، ومنع من الإخراج والكتابة والمقابلات والسفر لمدة 20 عاما.
ولم يستسلم بناهي لسلطة الرقابة أو الركون إلى الخوف فأنتج سرا أفلاما تناولت حبسه والمناخ السياسي، أبرزها "هذا ليس فيلما" (2011)، الذي يضم مذكرات فيديو عن إقامته الجبرية، وبدت قصة تنفيذ الفيلم وتهريبه إلى مهرجان كان على ذاكرة فلاش ميموري أقرب إلى سينما الإثارة والتحفيز.
وفي فيلم "الستار المغلق" (2013)، كشف أبعادا جديدة في العزلة والرقابة الذاتية، وفاز الفيلم بجائزة الدب الفضي لأفضل سيناريو في مهرجان برلين، ثم جاء فيلمه "سيارة أجرة/تكسي طهران" (2015)، الذي صور بالكامل في سيارة أجرة قادها بنفسه، ففاز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين.
وبرغم المنع من السفر والتصوير فقد استمرت شهرته العالمية، ففاز فيلمه "ثلاثة وجوه" (2018) بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان، مع أنه لم يستطع الحضور.
وفاز فيلم "لا توجد دببة" (2022) بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي.
ألقي القبض على بناهي في عام 2022 وأُعلن لاحقا أن السلطات الإيرانية قررت إعادة تفعيل حكم بالسجن ست سنوات صدر بحق بناهي عام 2010، والمتعلق بـ"الثورة الخضراء" عام 2009. و أعلنت المحكمة العليا الإيرانية أن حكم بناهي قد سقط بالتقادم، وهو قانون التقادم في البلاد الذي يبلغ عشر سنوات، وكان من المفترض أن يفرج عنه فورا بانتظار إعادة محاكمته، لكن ذلك لم يحدث.
خروجه من السجن في عام 2023، بعد إضراب عن الطعام، فتح فصلا جديدا في حياته، أتاح له حضور المهرجانات الدولية شخصيا، وتوج ذلك بفوزه بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان، محققا عودة مظفرة إلى الساحة العالمية بعد سنوات من الغياب.
كما فاز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عن فيلمه "مجرد حادث" (2025)، وهو فيلم سياسي بالدرجة الأولى، مستوحى من تجاربه الشخصية في سجنه.
بالإضافة إلى عمله في صناعة الأفلام، حصل بناهي على جائزة ساخاروف لحرية الفكر من البرلمان الأوروبي في عام 2012، تقديرا لدفاعه عن حرية التعبير.
بناهي متزوج من طاهرة سعيدي، التي التقى بها لأول مرة في الجامعة عندما كانت تعمل ممرضة، لديهما ابن اسمه بناه بناهي وهو مخرج أفلام، وابنة اسمها سولماز، درست المسرح في طهران.
تميزت أفلامه بأساليبه المبتكرة في السرد القصصي، التي جاءت نتيجة ضرورة لمواجهة الرقابة، حيث استخدم الاستعارة والرمزية لإيصال رسائله، وتقديم أعمالا تعكس، بطريقة سينمائية، قيوده كفنان تحت رقابة الدولة.
يختلف بناهي عن زميله المخرج الواقعي عباس كيارستمي في وضوح نقده الاجتماعي.
وانتقد بعض الإيرانيين أعماله، قائلين أن أفلامه "لا ترسم صورة واقعية لإيران، أو أن الصعوبات التي تواجهها النساء في أفلامه تنطبق فقط على فئة معينة من النساء".
والواقع أن المطاردة القانونية للمخرج الشهير لم تتوقف ولا تزال مواجهاته القانونية مستمرة، مع صدور أحكام جديدة بحقه، مثل الحكم الغيابي بالسجن الذي صدر بحقه عام 2025. بعد أن نشر إلى جانب عدد من المثقفين الإيرانيين الآخرين، بيانا على إنستغرام يؤكد أن ما جرى في إيران عام 2026 كانت جريمة ضد الإنسانية ، متهما المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بالمسؤولية الرئيسية.
بحسب بناهي، دأبت السلطات الإيرانية على اختلاق الأعذار لإبقائه في السجن. وكتب المخرج : "مع أنني كنت أعلم أن النظام القضائي والمؤسسات الأمنية لا ترغب في تطبيق القانون إلا أنني، احتراما لمحاميّ وأصدقائي، سلكت جميع السبل القانونية لاستعادة حقي". وأضاف: "اليوم، كحال كثيرين عالقين في إيران، لا أملك خيارا سوى الاحتجاج على هذه الممارسات اللاإنسانية بأغلى ما أملك، ألا وهو حياتي".
وعلى وقع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وعلى نحو مفاجئ قرر بناهي العودة إلى إيران، بعد المشاركة في حفل الأوسكار، وهو المحكوم عليه بالسجن في بلاده، وقد صرح بأنه يقف مع بلاده وعاد ليموت فيها، بدورها أصدرت السلطات الإيرانية عفوا عنه عند وصوله. وبسبب إغلاق الرحلات الجوية، فقد دخل البلاد برا عبر تركيا.
موقف بناهي قوبل بالثناء والإشادة داخل إيران وخارجها فحين يكون هناك تهديد وجودي للوطن تتلاشي أمام ذلك كل الخلافات والانقسامات، وكثيرا ما صرح بناهي قائلا: "في جميع أفلامي، لن ترى شخصية شريرة، ذكرا كان أم أنثى. أنا أؤمن بأن كل شخص طيب".
ويبدو بأن بناهي قد أظهر هذا الجانب الطيب في شخصيته بالعودة وسط أجواء الحرب التي لا تزال كأنها الجمر تحت الرماد.