في خضم الأزمة الأخيرة
في الخليج العربي، تمكنت
إيران من تعزيز سيطرتها على صادرات
النفط بطريقة لم تشهدها
المنطقة منذ عقود، مستفيدة من قدراتها العسكرية المتقدمة.
وأكدت صحيفة معاريف
العبرية في تقرير لها أن إيران استطاعت منذ بداية
الحرب الأخيرة تحقيق مكاسب اقتصادية
كبيرة، مكنتها من تعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية بسرعة فائقة، مستفيدة من التدفق
المستمر لعائدات النفط.
وأشارت الصحيفة إلى
أن هذه المكاسب تمكن طهران من إعادة بناء صناعاتها المتضررة، بما في ذلك الصناعات الصاروخية
وبرامجها النووية، بسرعة مذهلة، مما يفسر جرأتها على المطالبة بالسيطرة على
مضيق هرمز
الدولي وفرض رسوم على السفن العابرة.
وتابعت الصحيفة أن
إيران ضاعفت خلال الشهر الأول من الحرب إيراداتها النفطية مقارنة بأي شهر سابق في السنوات
الماضية، في ما وصفته الصحيفة بأنه مؤشر على طبيعة الحملة الاقتصادية التي تخوضها إيران،
والتي يبدو أنها لن تحسم بالوسائل العسكرية، مؤكدة أن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب بدأ يُدرك صعوبة مواجهة هذه الحملة، بل واستحالته في فرض السيطرة على الوضع.
وأشارت معاريف إلى
أن طهران استعدت منذ سنوات لمثل هذه الأزمة، ووضعت خططًا لشل صادرات النفط من الخليج
العربي الذي يوفّر نحو 15بالمئة من استهلاك العالم النفطي. ولفتت إلى أن قدرات إيران
تتجاوز مجرد السيطرة على مضيق هرمز، حيث تشمل الصواريخ والطائرات المسيرة التي يصل
مداها إلى 2000 كيلومتر، وتمكّنها من تعطيل حركة الملاحة التجارية في بحر العرب وخليج
عُمان.
وأكدت الصحيفة أن إصابة
سفينة واحدة فقط بصاروخ أو طائرة مسيّرة أو لغم، كفيلة بأن توقف حركة السفن بالكامل
عبر شركات التأمين، وهو ما أثبته الحوثيون في اليمن على مدار العامين الماضيين، رغم
امتلاكهم قدرات أقل بكثير من إيران.
ولفتت معاريف إلى أن
إيران تعافت بسرعة من الضربة الافتتاحية للحرب، وركّزت على السيطرة على صادرات الطاقة
من الخليج العربي، معتبرة هذه الورقة الرابحة "أقوى من الأسلحة النووية".
وأضافت أن الإيرانيين
ليسوا أول من أدرك قوة السيطرة على مضيق دولي، حيث أغلق الأتراك مضيق الدردنيل في الحرب
العالمية الأولى، ومانعوا وصول الإمدادات إلى روسيا عبر البحر الأسود، ما دفع البريطانيين
لغزو شبه جزيرة غاليبولي التي كانت تحت السيطرة المصرية، وأسفر عن مقتل نصف مليون شخص،
دون تحقيق السيطرة على مصر. وأشارت إلى أن الأدميرال البريطاني ونستون تشرشل قاد الجانب
الحليف، لكنه استقال بعد فشل الحملة.
وذكرت الصحيفة أن وكالة
الطاقة الدولية أعلنت مع بداية الأسبوع الرابع من الحرب الإيرانية، أن العالم يشهد
اضطرابًا غير مسبوق في إمدادات النفط منذ حظر النفط عام 1973، مع توقف العراق والكويت
وقطر والإمارات والسعودية عن تصدير النفط والغاز عبر الخليج، وأكدت أن 800 سفينة محاصرة
في الحصار الإيراني المفروض على الخليج العربي، في حين تفتقر الولايات المتحدة إلى
القدرة العسكرية لرفع هذا الحصار.
وأضافت معاريف أن ارتفاع
أسعار النفط أدى عمليًا إلى رفع الولايات المتحدة للعقوبات عن إيران، مما سمح لطهران
ببيع النفط، الذي يذهب نحو 90 بالمئة منه إلى الصين، بينما توقفت صادرات دول الخليج
الأخرى. وأشارت إلى أن إيران خفّضت الخصم الذي كانت تقدمه للصين على النفط خلال فترة
العقوبات، وبدأت دول أخرى توقّع اتفاقيات ثنائية لاستيراد النفط الإيراني، كما تفرض
إيران عمولات على بعض هذه الدول، مع ممارسة سياسات حمائية.
وأكدت الصحيفة أن قوات
الحرس الثوري الإيراني تسيطر الآن على عملية التصدير بالكامل، حيث تتلقى مسبقًا بيانات
أي سفينة ترغب في تحميل النفط في ميناء خارك، وبعد الحصول على الموافقة تُمنح كلمة
مرور، وعند الاقتراب من مضيق هرمز، تُطلب كلمة المرور مرة أخرى، ويرافق السفينة زورق
تابع للحرس الثوري لضمان مرور آمن. وذكرت معاريف أن يومًا واحدًا فقط شهد تحميل خمس
ناقلات نفط بحجم 7.7 مليون برميل من جزيرة خارك، بما يعادل عائدات يومية تصل إلى
850 مليون دولار، وهو ما قد يجعل الإيرادات السنوية تتجاوز تريليون دولار.
وأكدت الصحيفة أن هذه
الإيرادات تمكن إيران من إعادة بناء ما تضرر من الهجمات الإسرائيلية والأمريكية بسرعة،
بما يشمل صناعة الصواريخ والصلب والبرنامج النووي، وهو ما يفسر جرأتها على المطالبة
بالسيطرة على مضيق هرمز وفرض رسوم حماية على السفن العابرة.
وتابعت معاريف أن مضيق
هرمز ممر دولي لا تملكه أي دولة، ولا يشبه قنوات السويس أو بنما التي تتطلب إدارة وتشغيل،
وأن إيران تمارس في المضيق إرهابًا على غرار المافيا لمجرد قدرتها على ذلك.
وأشارت إلى أن هذا
التحرك الإيراني كان متوقعًا ومعروفًا، لكن المخططين العسكريين الأمريكيين لم يجدوا
له حلًا عمليًا، حتى لو سيطرت الولايات المتحدة على السواحل المحيطة بالمضيق، إذ ستظل
إيران قادرة على التسبب بأضرار كبيرة للملاحة الدولية.
وأوضحت الصحيفة أن
الرئيس الأمريكي ترامب بحث عن "العامل القيّم" الذي يمكنه إجبار إيران
على التوقف عن تهديد الممر، وأن أي احتلال لجزيرة خارك سيؤثر على الصادرات الإيرانية،
وسيضر بالصين التي تعتمد على النفط الإيراني، فيما سيكون الجنود المحتلون معرضين للصواريخ
والمدفعية الإيرانية القصيرة المدى، وأشارت إلى أن تهديد ترامب بمهاجمة حقول النفط
الإيرانية كان تهديدًا صعب التجاهل، لكنه تراجع وأعلن استعداده للتعاون مع إيران للسيطرة
على مضيق هرمز، وهو ما قد يغيّر موازين القوى بالمنطقة ويجعل دول الخليج رهينة لإيران.
وختمت الصحيفة تقريرها
بالدعاء بأن يُمنح الحليف الأمريكي يدًا قوية لمواجهة التحديات، وأن تكون القرارات
العادلة لصالح استقرار المنطقة، في وقت تتصاعد فيه التوترات النفطية والاقتصادية في
الخليج العربي.