نشرت مجلة "
نيويوركر" مقالاً للصحفية سوزان غلاسر، قالت فيه إن الرئيس دونالد
ترامب يثير سؤالاً وجودياً هو: "هل يمكن أن تسير الأمور وفقاً للخطة مع
إيران إن لم تكن هناك خطة أصلاً؟".
قبل شهر، عندما زجّ ترامب بالولايات المتحدة في حرب ضد إيران، أعلن القرار للشعب الأمريكي في مقطع فيديو قصير مدته ثماني دقائق، نُشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي في جنح الظلام خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وبعد أن أحدث الصراع الذي أشعله اضطراباً في الاقتصاد العالمي، وفشل في الإطاحة بالحكومة الإيرانية التي تعهّد بإسقاطها، قدّم ترامب أخيراً حججه وأكاذيبه للجمهور في خطاب متلفز للأمة في وقت الذروة مساء الأربعاء، قالت غلاسر: "كان من الأفضل لو لم يُكلّف نفسه عناء ذلك".
في النهاية، أفضل ما يُمكن قوله عن الخطاب هو أن ترامب لم يُنفّذ تهديده الذي أطلقه في وقت سابق من ذلك اليوم، بسحب الولايات المتحدة من حلف الناتو. لكن لم ترد أنباء تُذكر عن صراع يبدو الآن أنه سيستمر على الأرجح لعدة أسابيع قادمة على الأقل.
كما لم يُقدّم ترامب أي مؤشر حقيقي على قرب التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ولا أي سبيل فعلي لحل إحدى الأزمات الكبرى التي أثارتها الحرب: إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من نفط وغاز العالم.
ولفتت غلاسر إلى اقتراح ترامب على الدول التي تعتمد على الطاقة المورَّدة عبر المضيق، والتي تضم العديد من حلفائنا في الناتو، أن "تتحلى ببعض الشجاعة المتأخرة... وتذهب إلى المضيق، وتستولي عليه، وتحميه".
بخلاف ذلك، تناول خطاب الرئيس الذي استمر 19 دقيقة العديد من المواضيع نفسها التي تناولتها منشوراته الكثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي ومقابلاته الهاتفية السريعة التي روى من خلالها روايته للصراع خلال الأسابيع القليلة الماضية.
حيث ردد قائلاً: "لقد هزمنا إيران ودمرناها تماماً"؛ "نحن قوة عسكرية لا تُقهر"؛ "سنعيدهم إلى العصر الحجري، حيث ينتمون". ويغلب الظن أنه لم يكن هناك كاتب خطابات عمل على هذا الجهد، بل ربما كان متدرباً مهمته نسخ ولصق منشورات الرئيس على منصات التواصل الاجتماعي في وثيقة تُعرض على جهاز التلقين.
إحدى المشكلات الكبرى المألوفة فيما قاله ترامب هي: "يصعب معرفة ما هو صحيح، إن وُجد. حتى الآن، كانت جميع تعليقاته حول الحرب التي مضى عليها 4 أسابيع متناقضة أو مُربكة أو كاذبة تماماً".
عندما أعلن ترامب على منصات التواصل الاجتماعي أن "رئيس النظام الإيراني الجديد، الأقل تطرفاً والأكثر ذكاءً من أسلافه، قد طلب للتو من الولايات المتحدة الأمريكية وقف إطلاق النار!"، بغض النظر عن نفي إيران طلبها وقف إطلاق النار.
وتقول الكاتبة: "ما عسانا إلا أن نستغرب من ادعاء ترامب بأن الرئيس الإيراني الجديد يختلف اختلافاً جذرياً عن سلفه، علماً بأن إيران لا تزال يرأسها اليوم مسعود بزشكيان، الرئيس نفسه الذي كان عليها في بداية الحرب قبل شهر؟".
خلال الشهر الماضي، ادعى ترامب مراراً وتكراراً أن الحرب كانت تهدف إلى تغيير النظام، أو إلى القضاء على البرنامج النووي الذي زعم أنه قضى عليه بالفعل، أو إلى وقف تهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية للولايات المتحدة.
يأتي هذا رغم تأكيد وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية نفسها أن إيران لا تملك القدرة، ولن تملكها في المستقبل القريب، على تهديد الولايات المتحدة بالصواريخ الباليستية.
وفي خطابه مساء الأربعاء، كرر ترامب معظم هذه الادعاءات، باستثناء أنه أنكر أن يكون تغيير النظام هدفاً للعملية، بينما ادعى أيضاً، كما في منشوره على وسائل التواصل الاجتماعي في الصباح الباكر من اليوم نفسه، أن تغيير النظام قد حدث بالفعل.
وفي بعض الأحيان، تُثير تصريحات ترامب الكثيرة والمضللة تساؤلات وجودية: إذا كان الجيش الإيراني، كما قال قبل أسبوعين، قد دُمّر بالكامل، فكيف لا يزال يُطلق الصواريخ، مثل القصف الذي شنّه على إسرائيل يوم الأربعاء؟
وهو هجوم دفع ملايين الأشخاص إلى اللجوء إلى الملاجئ والغرف الآمنة في جميع أنحاء البلاد بينما كانوا يستعدون لبدء احتفالات عيد الفصح.
وبشكل أعم، هل يمكن أن تسير الأمور وفقاً للخطة إذا لم تكن هناك خطة فعلية؟ وهل يُشترط على الرئيس أن يوضح استراتيجية واضحة لكي يدعي أنه نفذها ببراعة؟ لن يفاجئكم أن ترامب، في خطابه، لم يشر إلى هذه المسائل المعقدة.
ومع ذلك، أعلن أن أمريكا، في هذه الحرب كما في كثير من الأمور، "تحقق انتصارات أكبر من أي وقت مضى"، ولا شك أن لدى مستشاري ترامب السياسيين أسباباً ملحة تدفعهم إلى مطالبته بعرض وجهة نظره على الشعب الأمريكي الآن، وهي وجهة نظر كان ينبغي عليه عرضها في بداية الحرب.
وقد أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة "سي أن أن" مؤخراً، ونُشر قبل ساعات، أن 31 بالمئة فقط من الأمريكيين يوافقون حالياً على إدارته للاقتصاد. كما ارتفعت نسبة عدم الرضا العام عنه إلى 64 بالمئة، وهي أدنى نسبة وصلت إليها أي رئاسة على الإطلاق، على الأقل منذ بدء استطلاعات الرأي الحديثة.
قبل الخطاب، صرّح أحد "الأشخاص المجهولين" المطلعين على خطط إدارة ترامب، والذين تُنقل تصريحاتهم باستمرار، لموقع بوليتيكو، بأنه على الرغم من صعوبة المهمة، يأمل ترامب أن ينجح في الجمع بين الخطاب غير التصادمي و"المطمئن".
من الصعب تصديق أن التهديد بتدمير جميع محطات توليد الكهرباء الإيرانية يُعدّ خطاباً غير تصادمي، وللتوضيح، فإن قصف دولة يبلغ تعداد سكانها 93 مليون نسمة وإعادتهم إلى العصر الحجري يُعدّ جريمة حرب دولية، نظراً لتأثير ذلك على السكان المدنيين.
أما بالنسبة للطمأنة، فقد استغرق ترامب إحدى عشرة دقيقة للحديث عن الاضطراب الاقتصادي الذي أحدثته الحرب، وكانت حجته الرئيسية للأمريكيين بشأن ارتفاع أسعار البنزين هي عدم القلق، لأنه بمجرد انتهاء الأعمال العدائية، أيّاً كان موعدها، ستنخفض الأسعار "بشكل طبيعي".
لا بد أن الجميع سيشعرون بأن هذا الكلام يُشبه إلى حد كبير تصريحات ترامب في عام 2020، حين أخبر الناس أن فيروس كورونا سيختفي بطريقة سحرية.
قبل ساعات قليلة من خطابه للأمة، استعرض ترامب خططه قائلاً: "الليلة، سألقي خطاباً قصيراً في تمام الساعة التاسعة، وسأخبر الجميع كم أنا عظيم".
وللمرة الأولى، لم يكن يكذب. عندما وصل إلى الجزء الذي نسب فيه لنفسه الفضل في فعل "ما لم يكن أي رئيس آخر مستعداً لفعله". وقصد هنا "مهاجمة البرنامج النووي الإيراني"، حيث بدا ترامب وكأنه محارب سعيد بالفعل.
وقال عن أسلافه في البيت الأبيض: "لقد ارتكبوا أخطاء وأنا أصححها". كانت هذه هي النقطة الأساسية: ليس كيف خطط للنجاح في الحرب، بل لماذا فشل كل من سبقه.
قد يكون الدعم السياسي الذي سيحققه الخطاب معدوماً تماماً كما هو الحال مع الوضوح الذي فشل في تقديمه بشأن أهداف صراع لا يمكن أن تكون مخاطره أكبر من ذلك. لكن تعزيز الأنا لرجل يخطط لوضع تمثال ذهبي عملاق لنفسه في مدرج مكتبته الرئاسية - كان ذلك لا يقدر بثمن.