مع دخول الحرب الإسرائيلية الأمريكية على
إيران ولبنان شهرها الثاني، تتضافر جهود جميع الساحات المعادية للاحتلال الإسرائيلي، لكن مرور هذه الأسابيع الطويلة من الحرب كشفت للإسرائيليين أن التحدي الذي يواجههم ليس عسكريا فحسب، لأن أقوى جيش لا يستطيع الانتصار في جميع الساحات في آن واحد، وهنا تظهر وجاهة وصف رئيس الأركان لما يواجهه الجيش من تحذيرات خطيرة.
السفير "الدرزي" السابق، والضابط الرفيع في الاحتياط، بهيج منصور، ذكر أن "إسرائيل تتآكل في حرب لا تحددها بنفسها، لأنها لم تعد تخوض حربا إقليمية، بل تتآكل داخل حرب لا تحددها هي، لأن دخول الحوثيين فيها، حتى وإن كان بشكل محدود في هذه المرحلة، يُغير الخريطة الاستراتيجية بالفعل، كما أن إطلاق الصواريخ باتجاه الجنوب ليس حدثا تكتيكيا، بل فتح جبهة جديدة، حيث لم يعد الحوثيون مجرد لاعب ثانوي، بل ذراعا استراتيجيا لإيران يوسع نطاق الحملة حتى البحر الأحمر".
وأضاف في مقال نشرته صحيفة “
يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، وترجمته "عربي21" أنه "إذا تأثرت حرية الملاحة في مضيق باب المندب، ستتحول الحرب من أزمة أمنية إلى أزمة اقتصادية دولية ذات تأثير مباشر على مصر والتجارة العالمية ككل، مما يمثل تحولا من استراتيجية الوكلاء إلى استراتيجية الخنق الإقليمي الذي تمارسه إيران على إسرائيل، وهنا يبرز تساؤل هام: هل تستخدم إيران آخر أوراقها عبر الحوثيين لعرقلة أي تحرك أمريكي أوسع، وفرض تسوية من خلال ضغوط اقتصادية إقليمية ودولية".
وأشار أنه "في الوقت نفسه، تتزايد الجهود للتوصل لتسوية بين إيران والولايات المتحدة، رغم وجود فجوات عميقة، وتسعى الدول الوسيطة: تركيا ومصر والسعودية وباكستان، لتنسيق مواقفها، بل وتعزيز مسارات التفاوض المباشرة وغير المباشرة، كما تُسمع تصريحات متناقضة في الولايات المتحدة بين تصريحات حازمة ورسائل تشير لتحقيق بعض الأهداف من وجهة نظرها".
وأوضح أنه "من الجانب الإيراني، فهناك استعداد حذر للحوار، لكن الفجوات لا تزال عميقة، وإسرائيل توجه رسائل شديدة اللهجة تهدف لمنع إحراز تقدم سريع، رغم أن إجراء كشف حساب لمرور شهر من الحرب يعني أن إيران التي تشهد انقسامات داخلية لكنها لم تضعفها، بل ازدادت تطرفا، فالقيادة المنبثقة عن الحرس الثوري تتبنى خطا أيديولوجيا واضحا: القوة، والاستنزاف، وتعدد الجبهات".
واستدرك بالقول إن "الوضع الاقتصادي في إيران بالغ الصعوبة، وهنا يظهر تحذير الرئيس مسعود بزشكيان من أن السياسة الحالية لا يمكن الاستمرار بها طويلا، مما يعني نشوب خلاف حقيقي بين الطبقة المدنية والحرس الثوري، حتى وإن كان الأخير هو الطرف المهيمن، فيما تساهم عمليات التفجير والاغتيالات المتواصلة، بجانب الضغط الدولي، في زيادة الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية، ولا تزال الصورة واضحة مفادها أن إيران لا تهاجم إسرائيل مباشرة، بل تحاصرها".
وانتقل الكاتب إلى "الجبهة
اللبنانية التي تشهد تآكلا مستمرا، فالحملة في الجنوب اللبناني ليست ضد حزب الله فحسب، بل ضد واقع دولة ضعيف، والحكومة عاجزة أو غير راغبة بنزع سلاح حزب الله، بينما يحتفظ بقدرة عسكرية كبيرة رغم الخسائر التي لحقت به، وإسرائيل تعمل، لكن على نطاق محدود، فالسيطرة الفعالة جنوب نهر الليطاني تتطلب قرارًا سياسيًا واسع النطاق، وقوات أكبر بكثير، لأن الحزب ليس مجرد منظمة، بل عنصر أساسي ضمن معادلة دولة مختلة، والنتيجة واضحة أنه ليس هناك قرارا، بل استنزافا".
وأشار أن "الساحات المشتعلة الأخرى تؤكد أن الحرب لا تشن في ساحة واحدة، بل في عدة ساحات في آن واحد: فغزة تشهد قتالا مستمرا، ولبنان تعيش استنزافا دون قرار، واليمن يفتح الحوثيون فيها جبهة أخرى، والضفة الغربية ما زالت تشهد عمليات مسلحة وتوترات وفقدان السيطرة، أما إيران فهي القيادة التي تُدير جميع الساحات، هذه ليست سلسلة من الصراعات، بل نظام واحد منسق".
وأضاف أن "الساحات المتعددة تعني أنه عندما تعمل جميعها معًا، لا يكون الأمر مجرد تحدٍ عسكري، حتى الجيش القوي لا يستطيع اتخاذ قرار في جميع الساحات في وقت واحد، ولعل تصريحات رئيس الأركان آيال زامير بشأن انهيار الجيش ليست وصفًا، بل تحذيرًا، والسؤال ليس عسكريًا فحسب، بل يتعلق بالقيادة حول الأولويات والاستراتيجية".
وأوضح أن "الجبهة الداخلية الإسرائيلية لا تزال تدفع الثمن الحقيقي من حيث تواصل الإنذارات، وانعدام الحماية، والتآكل المستمر، والشمال يفرغ من الإسرائيليين الذين يطالبون بالإخلاء، والدولة لا تقدم استجابة كافية، ويعيش مئات الآلاف منهم تحت تهديد دائم، وهنا لا يقيس الرأي العام الإسرائيلية الإنجازات العسكرية، بل الأمن الشخصي على صعيدهم".
وأكد أن "الضفة الغربية تشهد فوضى خطيرة، فلم يعد الواقع فيها مجرد احتكاك محلي، بل أصبح مؤشرًا على فقدان السيطرة، لأن حوادث العنف وأعمال الشغب التي يشنها المستوطنون ضد الفلسطينيين ليست فشلا أخلاقيا، بل فشل واضح للحكومة، ويخلق شعورًا بالفوضى على أرض الواقع، ويقوض الاستقرار الأمني، وإذا لم يتم اتخاذ إجراء حاسم، فقد تتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة التي لا يبدو أن صبرها بلا حدود".
تكشف هذه القراءة أن الاحتلال ليس لديه القوة الكافية للتعامل مع جميع الساحات المشتعلة، أما هذه الساحات فتعمل وفقًا لاستراتيجية منظمة ومتعددة القطاعات، والنتيجة أن الحملة تتوسع، والجبهة الداخلية تتآكل، وحكومة اليمين تتحرك دون تحديد واضح للأولويات، ودون توجه استراتيجي متماسك.