نشرت صحيفة "الغارديان"
مقالا للصحفية نسرين مالك قالت فيه إن هناك ميل إلى اعتبار دول الخليج ثابتة لا تتغير، فهي في نهاية المطاف، محصنة بثروات طائلة وحكم ملكي مطلق، ومؤمنة بعلاقات اقتصادية وعسكرية متينة مع
الولايات المتحدة.
وأوضحت مالك أن الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على
إيران خلال الأسبوع الماضي، وردود
طهران عليها، سلطت الضوء على ما تصدره هذه الدول من النفط والغاز، وما تستورده من العمالة ورؤوس الأموال.
وحذرت من أن الصراع الجاري ستكون له تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها، لأنه لا يقتصر على الولايات المتحدة ودولة الاحتلال وإيران، بل يتعلق بنظام سياسي معقد ومتشابك في الشرق الأوسط يبدو أكثر هشاشة مما يوحي به ظاهره.
وأشارت إلى أن أبرز التطورات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة تمثلت في التحولات المتسارعة داخل السعودية وقطر والإمارات، وهي تحولات امتدت آثارها إلى مناطق عدة من بينها ليبيا وفلسطين.
ولفتت إلى أن هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، التي يمكن اعتبارها بداية سلسلة الأحداث التي قادت إلى الوضع الحالي، جاءت جزئيا نتيجة رغبة حركة حماس في وقف مسار التطبيع الذي كانت السعودية تمضي فيه مع دولة الاحتلال، بعد توقيع الإمارات ودول أخرى اتفاقيات أبراهام عام 2020.
وبيّنت أن الدول الثلاث تسعى، بطرق مختلفة وأحياناً متعارضة، إلى تحقيق أجندات إقليمية وعالمية طموحة، لكنها تعيش في الوقت ذاته حالة اضطراب سياسي رغم استقرار أنظمتها الحاكمة منذ عقود.
وفي السياق نفسه، ذكرت أن السعودية شهدت انفتاحاً داخلياً غيّر كثيراً من الأعراف الاجتماعية والدينية، فقبل سنوات قليلة واجهت المملكة تهديدات بالعزلة من جانب الرئيس الأمريكي جو بايدن بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي، كما أثارت حملتها العسكرية في اليمن مطالب بفرض حظر على بيع السلاح لها.
وأضافت أن ولي العهد محمد بن سلمان حوّل البلاد في السنوات الأخيرة إلى مركز للفعاليات الترفيهية والرياضية العالمية وعروض الأزياء والحفلات الكبرى، في محاولة لمنافسة قطر والإمارات اللتين استثمرتا بكثافة في تحويل بلديهما إلى مراكز مؤثرة في مجالات المال والترفيه والاستهلاك.
وأوضحت أن هذا التحول في الدول الثلاث يعتمد بدرجة كبيرة على جذب الزوار الدوليين، وهو أمر يرتبط أساساً بوجود بيئة مستقرة خالية من الحروب، ولهذا سعت دول الخليج إلى تحييد التوترات الجيوسياسية قدر الإمكان عبر تجنب استفزاز إيران، وعدم الدخول في صدام مع دولة الاحتلال، والحفاظ على علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني.
لكن هذا النموذج، بحسب المقال، تعرض لهزة كبيرة خلال أسبوع واحد مع موجة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت الإمارات والسعودية الأحد.
وأضافت أن الإمارات انخرطت خلال العقد الماضي في مشاريع توسع إقليمي مكثفة، شملت دعم جماعات بالوكالة والانخراط في حروب في اليمن وليبيا والسودان بهدف تعزيز نفوذها وتأمين مصالح استراتيجية وموارد طبيعية.
وأشارت إلى أن هذا المسار أدخلها مؤخراً في توتر مع السعودية بسبب تقدم قوات مدعومة من أبوظبي في اليمن.
كما لفتت إلى أن الإمارات كانت القوة الخليجية الوحيدة ذات النفوذ التي وقّعت اتفاقيات أبراهام مع دولة الاحتلال، متجاهلة المطالب الدينية والسياسية المرتبطة بإقامة دولة فلسطينية، واصفة إياها بأنها دولة براغماتية تبنّت النظام العالمي القائم على القوة والمال دون أن تحمل الإرث الديني والثقافي الذي تتميز به السعودية.
أما قطر، تقع في موقع وسطي دقيق، فقد واجهت حصارا من السعودية والإمارات عام 2017 استمر سنوات، ومنذ ذلك الحين تسعى إلى تحقيق توازن بين دعم القضية الفلسطينية عبر استضافة قيادات من حركة حماس وإرسال مساعدات إلى غزة، وبين احتضانها لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة وتعاونها مع إيران في حقول الغاز المشتركة بالخليج.
وترى مالك أن دول الخليج الثلاث تقف اليوم عند مفترق طرق سياسي، في ظل منافسة حادة بينها.
وتضيف أن إغلاق المجال الجوي وتعطل إنتاج الغاز الطبيعي المسال وربما النفط، إضافة إلى مخاطر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والاعتراضات الدفاعية، كلها عوامل تجعل هذه الدول في وضع أقرب إلى حالة الحرب رغم عدم مشاركتها المباشرة في القتال.
وأشارت إلى أن جزءا من الخسائر الاقتصادية يمكن تعويضه عبر الصناديق السيادية الضخمة، لكن المشكلة الأعمق تكمن في حالة انعدام الأمن التي تعيشها المنطقة حالياً.
ولفتت إلى تساؤلات تتعلق بمدة قدرة الخليج على تحمل تبعات الحرب، خصوصاً مع اعتماد إمدادات المياه بشكل كبير على محطات تحلية تستهلك طاقة عالية.
كما رأت أن الحرب كشفت أن دول الخليج باتت مرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالأجندة الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، وهو ما قد يضعف مفهوم السيادة لدى حكوماتها كلما طال أمد الصراع.
وحذرت من أن المنطقة دخلت مرحلة مليئة بالعواقب غير المقصودة، مشيرة إلى أن الصدمات الاقتصادية قد تدفع الإمارات إلى توسيع تدخلاتها في أفريقيا لتأمين الموارد، كما قد تتفاقم الخلافات بين دول الخليج حول مدى دعمها للأهداف الأمريكية والإسرائيلية.
وأضافت أن هناك أيضاً مخاطر بتصاعد التوتر مع إيران المجاورة، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف جزء كبير من رأس المال السياسي والاقتصادي الذي راكمته دول الخليج خلال السنوات الماضية.
وأكدت مالك أن دول الخليج ليست مجرد مزود للطاقة في الاقتصاد العالمي، بل مجتمعات تضم ملايين السكان، ولا يمكن اختزالها في صورة نمطية عن دول غنية تستغل ثرواتها لجذب المستثمرين والزوار.
واستشهدت في هذا السياق بقول المفكر إدوارد سعيد إن هناك افتراضاً دائماً بأن المستهلك الغربي، رغم كونه أقلية عددية، يملك الحق في امتلاك أو إنفاق غالبية موارد العالم لأنه يُنظر إليه بوصفه "إنساناً حقيقياً"، بخلاف الشرقي.
وخلصت إلى أن جزءاً من مقاربة الولايات المتحدة ودولة الاحتلال تجاه الشرق الأوسط يقوم على هذا التصور، الذي يفترض أن شعوب المنطقة وحتى حلفاء الغرب فيها ليسوا فاعلين حقيقيين.
وأضافت أنه بعد انتهاء الحرب وانتقال الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو إلى أزمة أخرى، ستظهر خريطة جديدة للمنطقة مليئة بالمنافسات والضغائن والتحديات الأمنية التي سيضطر سكان الشرق الأوسط إلى التعامل معها لسنوات طويلة.