مقال في NYT: النظام الإيراني قد ينجو لكن الشرق الأوسط سيتغير

اعتبر المقال أن "النظام الإيراني قد ينجو من الضربات لكن نفوذه تراجع بشدة"- جيتي
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا لكبير مراسليها الدبلوماسيين، ستيفن إرلانغر، قال فيه إن اغتيال المرشد الأعلى لإيران يعني أن مرشدا آخر سيأتي، كما سيتم استبدال القادة العسكريين الذين جرى اغتيالهم، ولن ينهار نظام الحكم الذي بني على مدى 47 عاما بسهولة تحت وطأة القوة الجوية وحدها. 

وأضاف إرلانغر "لا تزال إيران قادرة على الرد على الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، ومسار الحرب غير واضح. ومع ذلك،  فالجمهورية الإسلامية، التي كانت ضعيفة ولا تحظى بشعبية فعلية، أصبحت الآن أكثر ضعفا، وقوتها في الداخل وفي المنطقة في أدنى مستوياتها منذ تولي قادتها السلطة خلال الثورة التي أطاحت بشاه إيران المدعوم من الولايات المتحدة في 1978-1979".

وقال "حتى لو لم يسقط النظام، وهو الهدف المعلن للرئيس ترامب، فمن المرجح أن يكون لهذا الهجوم الضخم تداعيات استراتيجية في الشرق الأوسط تضاهي انهيار الاتحاد السوفييتي".

وذكر "كان آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى الذي اغتيل صباح السبت، يكن عداء شديدا لإسرائيل والولايات المتحدة، التي كان يصفها باستمرار بـ"الشيطان الأكبر". وقد أنشأ ومول مجموعة من الميليشيات الوكيلة الإقليمية التي حاصرت إسرائيل وشاركته كراهيته لها. حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في غزة والضفة الغربية، والحوثيون في اليمن – عملت جميعها لمهاجمة مصالح إسرائيل وحماية إيران نفسها".

وأكد إرلانغر أن "إيران طورت برنامجها الصاروخي وخصبت اليورانيوم إلى درجة تقارب درجة تخصيب القنبلة، رغم إنكارها رغبتها في امتلاك قنبلة. وأصبحت قوة إقليمية عظمى لدرجة أن الزعماء السنة في السعودية ومصر والخليج سعوا إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع نظام إسلامي شيعي كان يهددهم أيضا".

وأضاف "بدأ تراجع إيران قبل عامين، برد إسرائيل الحازم والمستمر على غزو حماس من غزة. تسارعت وتيرة الأحداث عندما أضعفت إسرائيل الدفاعات الجوية الإيرانية، وهزمت حزب الله، واستفادت من الثورة السورية التي أطاحت ببشار الأسد، حليف طهران الآخر".

وذكر أنه "لكن الآن، مع مقتل آية الله والتدمير الجوي الهائل، تراجع النفوذ الإقليمي لإيران أكثر، مع عواقب غير مؤكدة ستتضح على مدى شهور وربما سنوات".

وقالت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، وهي مؤسسة بحثية مقرها لندن: "لن تصمد الجمهورية الإسلامية كما نعرفها أمام هذه الأزمة".

وأضافت: "لن يعود الشرق الأوسط كما كان. فعلى مدى 47 عاما، عاش الشرق الأوسط في ظل نظام معاد وقوة مزعزعة للاستقرار، حاول في البداية عزلها ثم السيطرة عليها".

والآن، كما قالت، قد يفكك النظام، وقد يظهر نظام جديد ومختلف. وقد تكون هذه القيادة أقل ودا لواشنطن، لا سيما إذا سيطر عليها الحرس الثوري الإسلامي.

وقالت وكيل إن إيران، أيا كان من سيتولى زمام الأمور، ستضعف بشدة على المدى المتوسط، وستصبح أكثر انغلاقا على نفسها، وستركز على التنافس السياسي والأمن الداخلي والفوضى الاقتصادية.

لكن في الأيام المقبلة، قد تتسبب إيران بالمزيد من الفوضى على المدى القصير، في محاولة من قيادتها الحالية لإنهاء الحرب مع الحفاظ على النظام.

قالت إيلي جيرانمايه، نائبة رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إن إيران ستحاول زيادة التكلفة على إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين بسرعة "لإجبارهم على التراجع قبل أن ينجح ذلك في زعزعة استقرار النظام".

واضافت الصحيفة أن تصعيد هجمات إيران على الدول العربية في الخليج أمر محفوف بالمخاطر، ولكنه قد يكون أفضل فرصة لإيران لتقصير أمد الحرب، إذ قد يدفع العالم العربي إلى الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لإنهاء حملتهما.

قال ولي نصر، الخبير في الشؤون الإيرانية بكلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن، على وسائل التواصل الاجتماعي: "تهدف إيران الآن إلى امتصاص الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، والحفاظ على موقعها، والإشارة إلى توسع الحرب، وانتظار وساطة الأطراف الإقليمية القلقة للتوصل إلى وقف إطلاق النار. ويتوقعون أنه إذا لم يحقق ترامب نصرا سريعا، فسيسعى إلى الانسحاب، وستكون المفاوضات اللاحقة مختلفة".

وبحسب علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، وهي مؤسسة بحثية، فإن وكلاء إيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط قد يتدخلون للدفاع عنها، مما يزيد من تكلفة حرب طويلة الأمد.

وأضاف واعظ: "إذا انخرط حزب الله بشكل كامل من لبنان، أو إذا شنت الميليشيات هجمات على قواعد أمريكية في العراق وسوريا، أو إذا صعّد الحوثيون من حدة التوتر في البحر الأحمر، فإن هذا الصراع سيتحول من صراع ثنائي إلى حرب إقليمية تمتد عبر الشرق الأوسط". وستكون للحرب الأوسع نطاقا آثار طويلة الأمد على أسعار النفط والتضخم، لا سيما إذا تمكنت إيران من إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي دولي حيوي.

لكن على المدى البعيد، فإن إيران المنشغلة بمشاكلها الداخلية - ساعية لتجنب تفتت النخب وتوطيد قيادة جديدة أو حتى التحول نحو قيادة أكثر تشاورية، مع تقليل نفوذ رجال الدين وزيادة تقاسم السلطة - لن تمتلك الطاقة أو الموارد اللازمة للتدخل في المنطقة. وهذا قد يفتح آفاقا جديدة أمام لبنان والفلسطينيين، كما حصل بالفعل مع السوريين.

ويعزز هذا الوضع من هيمنة إسرائيل، ويجعلها حقيقة راسخة في المنطقة، لا بد للدول السنية من استيعابها. وقد تتولى حكومة جديدة أكثر اعتدالا زمام الأمور في إسرائيل بعد الانتخابات التي ستجرى في وقت لاحق من هذا العام. ومع إضعاف إيران، قد تشعر إسرائيل بأنها تملك التفويض اللازم للبناء على وقف إطلاق النار في غزة والتفاوض بجدية مع الفلسطينيين، تحت ضغط من واشنطن والسعودية.

مع أن إسرائيل نفسها، تفضل تغيير النظام، كما أوضح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لكنها، بحسب المحللين، سترضى بإيران منقسمة ومنهكة وفوضوية غارقة في مشاكلها الداخلية، كما هو حال سوريا الآن.

وبافتراض عدم حدوث ثورة، فإن الحكومة الإيرانية المعاد تشكيلها ستظل مضطرة للتعامل مع إسرائيل القوية والولايات المتحدة التي لا يمكنها الوثوق بها. وقد جعل النظام الحالي تخصيب اليورانيوم عنصرا أساسيا في جهوده لترسيخ نفوذه الإقليمي وردعه. ورفض تغيير مساره، حتى مع أن هذا الإصرار يبدو أنه قرّبه من الدمار أكثر من أي سياسة أخرى، سواء أكانت دعم الإرهاب في الخارج أم القمع الشديد في الداخل.

ومن غير الواضح ما إذا كانت حتى حكومة أكثر اعتدالا ستقدم تنازلات جديدة بشأن برنامجها النووي تحت ضغط الحرب. كما أنه من غير الواضح ما إذا كان أي زعيم إيراني سيثق بالرئيس ترامب، الذي نقض الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس أوباما عام 2018، وقصف إيران مرتين في خضم المفاوضات الجارية. هل ستعتبر طهران أن التنازل في الملف النووي ضروري للبقاء؟ أم إذا ظهرت حكومة متشددة ذات توجه أمني أكبر، فهل ستسعى جاهدة نحو امتلاك سلاح نووي، أكثر اقتناعا من أي وقت مضى بحاجتها إليه؟

على الرغم من القمع الشرس للمتظاهرين الإيرانيين في كانون الثاني/ يناير الذي أسفر عن مقتل آلاف الأشخاص، يواصل الرئيس ترامب تشجيع الشعب الإيراني على الانتفاض للإطاحة بالنظام.

وقال مخاطبا الشعب الإيراني: "ستسقط القنابل في كل مكان. عندما ننتهي، استولوا على حكومتكم. ستكون لكم".

لكن الأمور قد لا تسير بهذه السهولة أو السلاسة، كما أشار إيفو دالدر، السفير الأمريكي السابق لدى حلف الناتو.

في شباط/ فبراير 1991، خلال حرب الخليج الأولى، الرئيس جورج بوش الأب... وجه بوش نداء مماثلا للشعب العراقي للانتفاض وإسقاط صدام حسين.

وأشار دالدر إلى أنهم "استجابوا، لكن الولايات المتحدة وقفت مكتوفة الأيدي بينما ارتكبت قوات صدام الأمنية مجازر بحقهم بأعداد غفيرة".