تشكل طبيعة
إيران الجغرافية المتنوعة والفريدة عاملا مهما في إدارة المواجهة الجارية مع أمريكا ودولة الاحتلال الإسرائيلي، بالنظر إلى المساحة الواسعة، والتضاريس الوعرة التي تجعلها
قلعة طبيعية حصينة في وجه الغزو البري، والعمليات الجوية على حد سواء.
وتغطي السلاسل الجبلية الضخمة والهضاب الوعرة والوديان العميقة المكسوة بالغابات الكثيفة معظم الحدود البرية مع الدول المجاورة لإيران، ما يمنع التحركات العسكرية الواسعة، ويحصر تقدم أي قوات في ممرات جبلية ضيقة وخطيرة، قد تشكل تهديدا عليها.
وتستفيد إيران من جغرافيتها كعنصر حاسم في عقيدتها العسكرية، حيث تحوّل تضاريسها الوعرة ومساحتها الشاسعة التي تبلغ حوالي 1.6 مليون كم²، الدولة إلى ما يشبه "القلعة الطبيعية"، مع اعتمادها مؤخرا على تقسيم عسكري جديد يقسم القوات المسلحة إلى وحدات عسكرية منفصلة موزعة على عدد المحافظات في البلاد.
كيف انعكست الجغرافيا على تقسيم القوات المسلحة؟
مثلت الطبيعة الجغرافية حالة فريدة انعكست على التقسيم العام للقوات المسلحة في إيران، فالتضاريس الوعرة والمساحة الشاسعة المترامية الأطراف خلقت واقعا جديدا في تنظيم الجيش والحرس الثوري، بحيث جرى تقسيمه إلى وحدات منفصلة عن بعضها البعض موزعة على عدد المحافظات الـ31 للبلاد، ويمكن لكل محافظة العمل بشكل مستقل كقوة محلية، مستغلة معرفتها العميقة بالجبال والوديان الوعرة لنصب الكمائن واستنزاف المهاجمين.
كيف يعمل "الدفاع الفسيفسائي" اللامركزي؟
تقول صحيفة "
The Sunday Guardian" إن كل وحدة من الجيش الإيراني تعمل منفصلة كـ"قطعة من أحجية"، إذ يحصل القادة على صلاحيات تكتيكية كاملة. فهم يُطلقون الصواريخ، وطائرات بدون طيار، والغارات وحرب العصابات، فالقرار لهم.
ولفتت الصحيفة إلى أن إيران اختبرت تدريبات على التحكم الذكي المنفصل في وحدات الجيش الشهر الماضي، تحسبا إلى هجوم، وحاليا يجري تطبيق هذا النموذج "الناجح" فعليا خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية. وذكرت أن هذا النمط يُذكّرنا بفخاخ الحرب في فيتنام وأفغانستان، فقوات
الحرس الثوري البرية والبحرية والجوية تعمل بتناغم. وتدير المحافظات عملياتها.
"الجبال كدروع"
تعد
الجبال في إيران عائقا طبيعيا أمام الغزو البري، فمثلا سلاسل مثل زاغروس و البرز تمنع حركة المركبات العسكرية الكبيرة، وهذا يعني أن أي قوات غازية ستضطر إلى العبور من مرات ضيقة، يسهل استهدافها ومنعها من المرور.
وخلقت البيئة الجبلية في إيران واقعا جديدا في سياسة الإخفاء والتمويه وبناء مواقع عسكرية استرتيجية بعيدة عن الانظار، من بين ذلك مدن الصواريخ، حيث تستغل إيران عمق الجبال لحفر أنفاق ضخمة وقواعد تحت الأرض، مما يجعل تدمير ترسانتها من الصواريخ والمسيرات أمراً صعباً للغاية حتى بالضربات الجوية المركزة.
صحاري عميقة معزولة
تحيط بإيران صحاري كبرى عميقة ومعزولة، يمكن لها أن تبتلع خطوط إمداد أي قوة برية تحاول اختراق البلاد، مثل صحاري "دشت كوير" و"دشت لوت" الشاسعتين.
لم تترك إيران الصحراء، فلقد حولتها إلى فخ لاستنزاف الخصوم اقتصادياً وعسكرياً؛ حيث تُستخدم طائرات مسيرة رخيصة التكلفة وصواريخ متنقلة تنطلق من عمق الصحراء، مما يجبر القوى المهاجمة على استخدام أنظمة دفاعية باهظة الثمن لاعتراضها، وهو ما يقلب ميزان القوى.
يقول الجنرال باسكوالي بريزيوسا، الرئيس السابق لأركان القوات الجوية الإيطالية في تحليل له بموقع "
Defense.info"، إن الصحراء القاحلة في إيران تشكل حاجزًا داخليًا يقسم إيران إلى مناطق جغرافية مختلفة، ما يجعل إيران كبيرة، معقدة، يصعب عبورها، بل ويصعب إخضاعها. مدنها، واقتصادها، وحتى نفسيتها الاستراتيجية، تتشكل بعمق بفعل تكوين جغرافي فريد، يتحدد بمزيج من الجبال والهضاب والصحاري التي تشكل حاجزًا طبيعيًا. هذا الحاجز يؤدي وظيفة مزدوجة: فهو يحمي البلاد من الغزوات، وفي الوقت نفسه يُقيد تنميتها الاقتصادية وتوجهاتها الاستراتيجية.
المساحة الواسعة
تحظى إيران بمساحة شاسعة تبلغ حوالي 1.65 مليون كيلومتر مربع، وهذا يمثل لها حصنا طبيعيا يجعل أي غزو بري تحدياً لوجستياً وعسكرياً هائلاً.
تساهم هذه المساحة في تشتيث قدرات الأعداء، إذ إن الجهد الذي سيبذل للسيطرة على هذه المساحة من أي جيش في العالم لا يمكن مجاراته، حيث ينطوي على استنزاف هائل للقدرات البشرية العسكرية مع تكلفة هائلة للغاية، ما يعني حرب استنزاف طويلة الأمد لا مصلحة لأحد فيها إلى إيران نفسها التي وجدت نفسها تتحصن في مساحتها الواسعة وجغرافيتها الوعرة للغاية.
المحور البحري
على الصعيد البحري، تمتلك إيران أداة جيوسياسية بالغة الأهمية، ألا وهي مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان، ويُعدّ أحد أهم ممرات الطاقة في النظام العالمي. يمر عبر هذا الممر البحري الضيق نسبياً نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
يسمح موقعه الجغرافي لإيران بممارسة شكل من أشكال الردع الاقتصادي. ليس من الضروري امتلاك أسطول بحري مهيمن للتأثير على أسواق الطاقة العالمية؛ يكفي أن تكون قادرة على تهديد النقطة التي يتركز فيها نظام الطاقة العالمي ويصبح عرضة للخطر. إن القدرة على تعطيل أو حتى تهديد أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز تُعدّ بالتالي أداة استراتيجية لا غنى عنها في حسابات أي جهة خارجية تُفكّر في عمل عسكري ضد طهران. وفق قول الرئيس السابق لأركان القوات الجوية الإيطالية، باسكوالي بريزيوسا.