عاد
مفاعل ديمونا النووي "
الإسرائيلي" في صحراء النقب إلى واجهة التوتر مع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد السبت بتوجيه ما وصفها بـ"ضربة قوية للغاية" إلى
إيران، وتلويحه باستهداف مناطق وفئات من الناس لم تكن مطروحة من قبل.
وتحمل نبرة الوعيد في طياتها ما سبق وحذرت منه إيران بشأن محاولة أمريكا وإسرائيل التحرك باتجاه قلب النظام في طهران عبر الفوضى المسلحة، مهددة باستهداف مفاعل ديمونا وبُنى الطاقة التحتية في المنطقة.
ونقل موقع "إيران نوانس"، التابع لوزارة الخارجية الإيرانية، عن مسؤول عسكري إيراني في الـ 5 من آذار/مارس الجاري قوله، إن "تفعيل خطة إسقاط النظام" سيدفع طهران إلى استهداف مفاعل ديمونا، مضيفاً: "هذا سيناريو كنا قد استعددنا له بالفعل".
برنامج "إسرائيل" النووي الأكثر سرية في العالم
رغم عدم اعتراف دولة الاحتلال قط بامتلاكها أسلحة نووية، إلا أن معظم التقديرات الدولية تشير إلى أنها تمتلك ترسانة نووية.
ونظرًا لعدم توقيع "إسرائيل" على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهي معاهدة دولية تهدف إلى الحد من انتشار هذا النوع من الأسلحة، لذا يُعد برنامجها النووي من أكثر برامج أسلحة الدمار الشامل سرية في العالم، وفق تقرير لـ"
بي بي سي".
وأدت المعلومات التي سرّبها لصحيفة صنداي تايمز البريطانية الفني السابق في المفاعل، مردخاي فعنونو منتصف ثمانينيات إلى إعادة تقييم التقديرات السابقة لحجم الترسانة النووية الإسرائيلية، والتي قُدّرت في عام 2003 بما لا يقل عن 100 رأس نووي وربما يصل إلى 200.
وأدرج معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "إسرائيل" في قائمة الدول الحائزة على أسلحة نووية في حزيران/ يونيو 2025، وخلص إلى أن "إسرائيل" خزنت مواد انشطارية تكفي لإنتاج ما يصل إلى 200 رأس نووي.
وفي عام 1979، أثار وميض مزدوج غامض رُصد فوق جنوب المحيط الأطلسي شكوكاً حول إجراء تجربة نووية سرية، يُزعم أن "إسرائيل" وجنوب أفريقيا إبان حقبة الفصل العنصري متورطتان فيها.
يقع مفاعل ديمونا، المعروف رسمياً باسم "مركز شمعون بيريز للأبحاث النووية"، في صحراء النقب، على بعد نحو 30 كيلومتراً جنوب شرق مدينة بئر السبع، وشيدته إسرائيل بمساعدة فرنسية في أواخر خمسينيات القرن الماضي.
كيف ستتشكل سحابة من الغبار الإشعاعي؟
لن يؤدي قصف المفاعل النووي من الناحية العلمية إلى انفجار نووي شبيه بالقنبلة الذرية، نظرًا لكون الوقود المستخدم في المفاعلات لا يكون مخصبًا بالدرجة التي تسمح بحدوث انفجار نووي عسكري، لكن الخطر يكمن حال اختراق هيكل المفاعل أو إصابة مخازن الوقود النووي.
واعتمادًا على تقرير لوكالة الطاقة الذرية الأمريكية، ففي حال نجاح الهجوم في اختراق القبة الحديدية التي تحمي المفاعل، فسوف ينثر الماء الثقيل داخل المنشأة، وتحدث انفجارات وحرائق تشتمل على مكونات الوقود النووي.
في مثل هذا السيناريو ستتحول المواد إلى سحابة مشبعة بمواد شديدة الخطورة طائرة مع الريح بعيدًا عن ديمونة تحتوي على عناصر خطرة مثل البلوتونيوم والسيزيوم واليود المشع، والتي يمكن أن تنتشر لمسافات بعيدة تبعًا لاتجاه الرياح.
ولكون مفاعل ديمونا يقع في صحراء النقب، حيث تسود في العادة رياح غربية تتجه شرقًا، ما يعني أن أي تسرب إشعاعي محتمل قد يمتد نحو الأراضي الأردنية، وربما يصل إلى مناطق في شمال السعودية، إلى جانب احتمال تلوث مناطق من جنوب الضفة الغربية، فضلاً عن أجزاء واسعة داخل دولة الاحتلال نفسها.
تداعيات الاستهداف على الصعيد العسكري
من المستبعد أن تجرؤ إيران على قصف مفاعل ديمونا رغم امتلاك صواريخها المدى المطلوب للوصول إليه، وصعوبة اعتراض بعضها، إلا أن استهداف منشأة بهذا الحجم والحساسية يمثل تصعيدًا غير مسبوق في تاريخ الصراع بالمنطقة على الصعيد العسكري.
حيث سيُعد مثل هذا الهجوم تجاوزًا للخطوط الحمراء، ما قد يدفع "إسرائيل" وأمريكا إلى تفعيل أقصى مستويات الردع العسكري وفق ما يُعرف بعقيدة "خيار شمشون"، وهي عقيدة استراتيجية تقوم على الرد الشامل في حال تعرض الدولة لتهديد وجودي.
كما سيدفع هذا السيناريو قوى دولية وإقليمية إلى التدخل المباشر، ليس فقط دعمًا لدولة الاحتلال، بل أيضًا للحيلولة دون انهيار منظومة الأمن النووي العالمية.
تداعيات الاستهداف اقتصاديًا
من ضمن التداعيات المطروحة، فأن التأكد من حدوث تلوث إشعاعي سيصيب الأسواق العالمية بصدمة، ومن المرجح أن تشهد أسعار النفط قفزات حادة قد تدفعها إلى مستويات قياسية.
هل يمكن فعلاً إصابة المفاعل؟
مفاعل ديمونا مدفون تحت الأرض بعمق كبير، ومغطى بطبقات خرسانية فائقة السماكة ومضادة للانفجارات والاختراق، وتجعل هذه التحصينات المفاعل مقاومًا للهجمات التقليدية، كما توفر له الحماية حتى من بعض الرؤوس الحربية المتقدمة.
كما أن المنطقة حول ديمونا محمية بمظلة دفاع جوي متعددة الطبقات وأي محاولة لاختراق هذه الطبقات تتطلب "إشباعًا دفاعيًا" معقدًا جدًا يصعب تحقيقه بنجاح كامل.
ومن أجل استهداف منشأة مثل ديمونا بهذا المستوى من التحصين يتطلب صاروخًا بقدرة اختراق عالية ورأسًا حربيًا دقيقًا للغاية، ويجب أن تكون نسبة "CEP" (الخطأ) أقل من 5 أمتار، أي أنه حتى وإن أصاب الصاروخ الهدف بدقة، فلا توجد ضمانة بتدميره.
منشأة قديمة متهالكة
يُعد عمر المفاعل نفسه أبرز مصادر القلق، فالمنشأة التي بدأ تشغيلها قبل أكثر من ستة عقود تُعد من أقدم المفاعلات العاملة في العالم. وقد حذر خبراء إسرائيليون سابقًا، وفق تقارير نشرتها صحيفة "هآرتس"، من أن المفاعل يعاني ما وصفوه بـ"شيخوخة تقنية"، مع تسجيل تشققات في هيكله الفولاذي.
ورغم أن الاحتلال أجرى عمليات تحديث وصيانة على مدى السنوات الماضية، فإن عمر المنشأة الطويل يثير تساؤلات متكررة حول قدرتها على الصمود في حال تعرضت لهجوم مباشر أو حتى لصدمة انفجارية قوية بالقرب منها.
هبوط صاروخ سوري بالقرب من المفاعل
لا يعد التصعيد الحالي في المنطقة الحدث الأول من نوعه الذي يثير المخاوف بشأن مفاعل ديمونا، ففي نيسان/ أبريل 2022، دعا وزير الحرب الأسبق أفيغدور ليبرمان إلى فحص جاهزية جهاز الدفاع لدى "إسرائيل" في حال التصعيد مع سوريا أو إيران.
جاء ذلك عقب "هبوط صاروخ سوري بالقرب من المفاعل النووي ديمونا، والذي كشف مدى خطورة المعركة بحسب صحيفة "جروزاليم بوست" العبرية، والتي قالت حينها: "لو سقط (الصاروخ) داخل مجمع المفاعل، لاستيقظ الإسرائيليون على حقيقة مختلفة تمامًا".
علامات على استمرار النشاط
على الرغم من أن تفاصيل عمل مفاعل ديمونا الداخلية لا تزال غامضة، إلا أن المنشأة استمرت في جذب الانتباه في السنوات الأخيرة، وفق
تقرير نشرته وكالة الأناضول.
وأشارت التقارير وصور الأقمار الصناعية التي نُشرت في عام 2021 إلى أن المفاعل لا يزال نشطًا، وأشارت إلى أعمال بناء وحفر واسعة النطاق داخل الموقع وحوله، كما وصف التقرير صناديق شوهدت في حفرتين مستطيلتين بقواعد خرسانية، مما يشير إلى إمكانية استخدامها لدفن النفايات النووية.
دورة إنتاج المواد النووية.
يوصف المفاعل بأنه قادر على إنتاج حوالي 9 كيلوغرامات (20 رطلاً) من البلوتونيوم سنويًا، وهي كمية تعتبر كافية لصنع قنبلة نووية واحدة بقوة تفجيرية تبلغ حوالي 20 كيلوطن.
ويتم فصل البلوتونيوم المستخرج من الوقود المستهلك في منشآت متخصصة ويستخدم لاحقًا في الرؤوس الحربية النووية التي يمكن تخزينها أو تجهيزها لإطلاق الصواريخ.