يتسع نطاق التصعيد
الأمريكي ضد
إيران في لحظة سياسية حساسة داخل الولايات المتحدة، حيث يواجه الرئيس
الأمريكي دونالد
ترامب ضغوطًا متزايدة مع ارتفاع كلفة العمليات العسكرية بشريا
واقتصاديا، وسط تحذيرات من أن انخراط واشنطن في صراع مفتوح بالشرق الأوسط قد ينعكس
سلبًا على مستقبله السياسي.
ونشرت صحيفة
"نيويورك تايمز" مقالا لمراسلها في
البيت الأبيض، تايلر بيجر، قال فيه إن
المخاطر التي تهدد الرئيس ترامب جراء الهجوم على إيران تتزايد مع ارتفاع عدد الضحايا،
وتزايد أسعار النفط، وتوسع رقعة الحرب في المنطقة.
وأضاف أنه قتل ستة
جنود أمريكيين، وأُسقطت طائرات عسكرية أمريكية، ويستعد المستثمرون لاضطرابات في السوق،
خشية انقطاع إمدادات النفط لفترة طويلة، حيث يقول الرئيس ترامب إن الحملة العسكرية
ضد إيران قد تمتد لأسابيع، وصرح وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الاثنين بأن "أقوى
الضربات لم تأتِ بعد من الجيش الأمريكي".
وتابع أنه بقرار من
الرئيس الأمريكي الجمعة بتفويض الحرب على إيران، يقدم ترامب على أكبر مغامرة في رئاسته،
مخاطرا بحياة الجنود الأمريكيين، ومزيدا من القتلى، وعدم الاستقرار في أكثر مناطق العالم
اضطرابا، فضلا عن مكانته السياسية.
وأردف أنه في ظل تراجع
شعبيته واحتمالية خسارة الجمهوريين لسيطرتهم على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي،
زج ترامب بالولايات المتحدة فيما يبدو أنه أوسع صراع عسكري تشهده منذ غزو العراق عام
2003.
وأضاف أنه في غضون
عام واحد فقط من توليه منصبه، أذن ترامب بعمليات عسكرية في سبع دول، حتى بعد أن وعد
الناخبين الأمريكيين مرارا وتكرارا بأنه سينهي الحروب لا أن يبدأها. وخلال خطابه الافتتاحي،
قال إن "إرثه الأبرز سيكون إرث صانع السلام".
وقال إنه رغم صعوبة
تحديد نهاية واضحة للحملة العسكرية، صور ترامب العملية على أنها نجاح باهر. واعترف
بالخسائر الأمريكية كثمن للحرب، لكنه ركّز جهوده على التباهي باغتيال آية الله علي
خامنئي، المرشد الأعلى لإيران، وتدمير أهداف عسكرية في أنحاء البلاد، والتزامه بمنع
إيران من امتلاك سلاح نووي.
وأردف أنه التدخلات
في الشرق الأوسط لطالما شكلت معضلة لأجيال من الرؤساء الأمريكيين. لقد شوّهت الصراعات
هناك إرث الرئيسين جورج دبليو بوش، الذي قاد البلاد إلى حروب طويلة في العراق وأفغانستان
لاقت استياء شعبيا واسعا، وجيمي كارتر، الذي لا تزال عمليته الفاشلة عام 1980 لإنقاذ
الرهائن الأمريكيين في إيران حاضرة في ذهن ترامب.
والآن، يقود ترامب
جهودا عسكرية متسارعة في منطقة تجعلها تاريخها وسياساتها الدينية والفئوية ساحة معركة
بالغة التعقيد.
وأضاف أن باربرا بيري،
المؤرخة الرئاسية في مركز ميلر بجامعة فرجينيا قالت: "يتردد الرؤساء في الانخراط
في مثل هذه المواقف إلا إذا تعرضوا للاستفزاز أو الهجوم المباشر. حينها عادة ما يكون
هناك تضامن شعبي. لن يحدث ذلك الآن".
وتابع أنه بينما نددت
بعض الأصوات البارزة في حركته علنا بقرار خوض الحرب، يبدو أن قاعدة ترامب الشعبية لا
تزال تدعمه، في الوقت الراهن. مع ذلك، يساور بعض حلفاء الرئيس قلقٌ في السرّ من قلة
المكاسب السياسية للهجمات على إيران، وكثرة عواقبها السلبية، لا سيما خسارة القوات
الأمريكية وارتفاع أسعار النفط.
وأضاف أنه الديمقراطيون
استغلوا هذه الضربات لتصوير ترامب على أنه أكثر تركيزا على التدخلات الخارجية من معالجة
المخاوف الاقتصادية للأمريكيين في الداخل.
وقال كين مارتن، رئيس
اللجنة الوطنية الديمقراطية، في بيان: "لقد روّج ترامب للناخبين برؤية 'مؤيدة
للسلام' لنفسه كمرشح 'أمريكا أولا'، ومع ذلك، في أقل من 13 شهرا، أمر بشن غارات على
سبع دول أجنبية، وأغرق بلادنا في صراع مفتوح على مصراعيه باستخدام أموال دافعي الضرائب..
بينما هو منشغل بالصراعات الخارجية وقاعات الاحتفالات الباذخة، فشل ترامب في الوفاء
بوعده بخفض التكاليف على الأسر العاملة، التي تدفع أكثر كل يوم بسبب تصرفات ترامب".
ولفت أن استطلاعات
الرأي الأولية التي أُجريت بعد الهجمات تظهر أن معظم الناخبين لا يؤيدونها، أظهر استطلاع
رأي أجرته شبكة CNN أن 59 بالمئة من الأمريكيين لا يوافقون على
قرار ترامب بشن ضربات ضد إيران، بينما أظهر استطلاع رأي أجرته رويترز-إبسوس أن 27
بالمئة فقط من الأمريكيين يوافقون على الحملة العسكرية.
وتابع أن تفاقم الصراع
أو انزلقت إيران إلى حالة من الفوضى، فقد يجد المرشحون الجمهوريون في انتخابات التجديد
النصفي أنفسهم أمام خيارات صعبة بشأن ما إذا كان ينبغي عليهم النأي بأنفسهم عن
ترامب في هذه القضية، وتطرح الحرب تساؤلات معقدة أمام من يتطلعون إلى قيادة الحزب في
المستقبل، مما يعقد أيديولوجية "أمريكا أولا" التي تُمثل جوهر الحركة.
وكتبت النائبة السابقة
مارجوري تايلور غرين، الجمهورية عن ولاية جورجيا التي انفصلت عن ترامب العام الماضي
ثم استقالت من الكونغرس، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: "هذا ليس ما كنا
نظن أن حركة 'لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى' ستكون عليه. عار".
وفي منشور لاحق، وصفت
غرين إدارة ترامب بأنها "مجموعة من الكاذبين المرضى"، وأتبعت ذلك بكلمة نابية.
وكتبت: "لقد صوتنا لأمريكا أولا ولرفض الحروب".
ومع ذلك، قال ماثيو
بويل، رئيس مكتب واشنطن في موقع "بريتبارت نيوز"، إنه لم يتلق أي أسئلة أو
تعليقات تقريبا من المستمعين خلال برنامجه الإذاعي الأسبوعي الذي يستمر ثلاث ساعات
يوم السبت، بعد ساعات من الضربات. قال إن البرنامج يُتيح نافذة جيدة على القضايا التي
تُحرك قاعدة ترامب الشعبية.
وأوضح بويل أنه ناقش
الحرب باستفاضة، وعرض مقطع فيديو لترامب في الصباح الباكر يُعلن فيه عن الهجمات. وأضاف
أن المستمعين كانوا أكثر اهتماما بمواضيع أخرى. وأشار إلى أن هذا يُشكل تناقضا صارخا
مع البرنامج الذي قدمه بعد اعتقال الولايات المتحدة لنيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا،
وهو موضوع رغب العديد من المستمعين في مناقشته.
قال إن المستمعين هذه
المرة كانوا أكثر اهتماما بالاقتصاد والهجرة والجريمة. لكنه حذر من أن هذا قد يتغير
تبعا لكيفية سير العملية، وقال: "الأمر كله يتوقف على النتائج".
وإدراكا لبعض الانقسامات
بين قاعدة ترامب الشعبية، بدأ البيت الأبيض يوم الاثنين بالرد مباشرة على الانتقادات
الموجهة من اليمين، ونشر مات والش، المعلق المحافظ والصوت البارز بين مؤيدي ترامب،
على وسائل التواصل الاجتماعي أن رسائل ترامب بشأن أهداف الولايات المتحدة في إيران
"مُربكة، على أقل تقدير".
ردّت كارولين ليفيت،
المتحدثة باسم البيت الأبيض، على والش ببيان مطوّل، أعلنت فيه أن ترامب قدّم
"أهدافا واضحة" من شأنها وضع حدّ "للهجمات والتهديدات الوحشية"
الإيرانية، بدا والش غير راضٍ على الإطلاق.
وكتب بعد ردّ ليفيت:
"بدت هذه العملية فكرة سيئة بالنسبة لي قبل حدوثها، وقد صرّحتُ بذلك. والآن وقد
بدأت، لن أغيّر رأيي فجأة. ما زلت أراها فكرة سيئة آمل أن أكون مخطئا. لكن هذه هي وجهة
نظري".
وتابع أن الضربات على
إيران هي ليست للمرة الأولى التي يختبر فيها الرئيس قدرة قاعدته الشعبية على دعم أعمال
تُخالف وعده الانتخابي بالابتعاد عن الصراعات الخارجية. فعندما وُجّهت إليه أسئلة حول
ما إذا كان أنصاره سيحتجون بعد هجوم القوات الأمريكية على فنزويلا، كان ردّ ترامب مقتضبا.
قال لشبكة إن بي سي
نيوز: "شعار 'لنجعل أمريكا عظيمة مجددا' هو أنا. شعار 'لنجعل أمريكا عظيمة مجددا'
يُحبّ كل ما أفعله".
في الأشهر الأخيرة،
بدأت حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" بالانقسام حول قضايا رئيسية، من
بينها تعامل ترامب مع ملفات إبستين وفشله في مواجهة ارتفاع تكاليف العيش.
قال رحيم قاسم، رئيس
تحرير صحيفة "ذا ناشيونال بَلص" والناشط المحافظ، إن الحرب مع إيران ستزيد
من حدة هذه التوترات.
وأضاف: "لم أكن
لأفعل ذلك، لكنه بالتأكيد كان سيفعله ترامب، إنه يعشق فكرة إتمام المهمة التي عجز أسلافه
عن البدء بها".
وأوضح قاسم أن مؤيدي
ترامب يثقون به أكثر من أي من أسلافه في تجنب الخسائر الأمريكية، لكنه أعرب عن قلقه
من أن الصراع لا يُسهم في معالجة نقطة ضعف رئيسية لدى الرئيس.
وقال إن الأمريكيين
"لن يبدأوا بالشعور بتحسن تجاه الاقتصاد إلا مع بدء التصويت، لأنهم أضاعوا الكثير
من الوقت في متابعة مشروع دوج الفاشل لإيلون ماسك"، مُشيرا إلى أن ماسك فشل في
خفض الإنفاق الحكومي بشكل ملموس. وأضاف: "أتفق مع النقاد على أن هذه مشكلة كبيرة".